يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


في شهور زواجها الأولى بالأمير سليم أعدت حفصة وجبة الموت لعائلته، وقادته لقتل أخويه والتخلص من والده السلطان بايزيد ليتمكن من الوصول إلى الحكم، وعندما أنجبت ابنها سليمان جهزته لولاية العهد تمهيدا للانقلاب على والده ، دست لزوجها السم في الطعام وتركته يقاسي الألم الرهيب حتى فاضت روحه، ورفعت ابنها على العرش وأصبحت السلطانة الأم التي تتحكم في شؤون الدولة، وهي لا تعلم أن مصيرها سيكون على يد جارية اختارتها بنفسها لتكون زوجة لابنها.

البداية
في مملكة أبيها خان القرم، ولدت حفصة في العام 1479، تأخرها  في النطق جعل الملك يظن أن ابنته الجميلة خرساء، لكن الأميرة الصغيرة فيما بعد أثارت دهشته بسلاطة لسانها، ومؤامراتها الصغيرة داخل القصر، وعقلها الذي يدبر المكائد، وقراراتها التي لا تقبل القسمة على اثنين، وقبل أن تتخطى العاشرة من عمرها كان والدها يستشيرها في شؤون الدولة ويطلب مشورتها في حروبه ضد المتربصين به .

أثبتت الأميرة الصغيرة مهارتها في تعلم اللغات، وامتطاء الخيل وتفوقت على الجميع في لعبة الشطرنج، وأصبح رجال الدولة يخشون على أنفسهم منها، وعندما أصبحت في سن الزواج تقدم الفرسان، لكنها سخرت منهم ورفضتهم جميعا وهي تقول لأبيها إنها لن تقترن إلا برجل باستطاعته أن يحكم الأرض وما عليها!

وصلت شهرة حفصة إلى السلطنة العثمانية، وانتقلت الحكايات عن قوة شخصيتها إلى سليم الأول أمير طرابزون وابن السلطان بايزيد الأول، فأرسل إلى والدها يطلب الاقتران بها فوافقت على الفور لتنتقل إلى مدينة طرابزون المطلة على البحر الأسود ، وتنجب له الأمير سليمان سنة 1494م.

سيدة المؤامرات
لم تهنأ العروس بحياة سعيدة مع أميرها الذي انتظرته لسنوات، فقد وجدته يصارع من أجل أن يصبح وليا للعهد، ويخوض حربا نفسية ضد والده الذي يكن له الكراهية بسبب طباعه الشرسة، وأخويه اللذين يسعى كل منهما لإبعاده عن العرش بأية طريقة.

لم يكن سليم بالرجل السهل، شدته في التعامل مع عائلته وغطرسته مع رجال الدولة كادت أن تفقده الهدف الذي يسعى إليه، إلا أن حفصة استطاعت ترويضه وأخذت تدبر له المؤامرة تلو الأخرى حتى تمكن من قتل شقيقيه أحمد و قورقود وأبنائهم ونفي والده الذي مات قبل أن يصل إلى مسقط رأسه بمجرد علمه بالمذبحة التي أقامها ولده، ليصبح سليم السلطان الجديد لآل عثمان. 

رد الجميل
أول ما فعله سليم الأول بعد جلوسه على العرش هو تقبيل يد زوجته التي كان لها الفضل الأول في تنصيبه سلطانا على البلاد، وحتى يرد لها الجميل أطلق يدها في الحرملك لتصبح السيدة الأولى في بلاط القصر، وسعت إلى أن يكون سليمان وليا للعهد فأعدته جيدا للمهمة، وانتقلت معه إلى إمارة مانيسا غرب الأناضول المقر الرسمي لتدريب الأمراء المرشحين للعرش.

اغتيال السلطان 
ورغم أن السلطان سليم الأول منح حفصة صلاحيات واسعة، إلا أنه لم يجعلها تغيب عن ناظريه، وضعها تحت المراقبة، خوفا من أن تطيح به في غفلة من الزمن وترفع ابنها بدلا منه على العرش، وصدق حدس السلطان فقد علم بمؤامرة تحيكها زوجته في الظلام مع ولي عهده.

أرسل السلطان مع أحد قواده عباءة مسمومة ليرتديها ابنه، ولم يكن يعلم أن رسوله سيبوح بالسر للسلطانة مقابل قطع نقدية من الذهب وضعتها في يده، وبمجرد أن وصل الخبر لحفصة استدعت ولدها وأغلقت عليهما باب الحجرة ليرسما خطة محكمة للتخلص من سليم، واقترحت الأم على ابنها أن تجهز على والده بنفس السلاح الذي أراد به قتله، فاتفقت مع إحدى الجواري أن تدس له السم في الطعام ليموت السلطان في فراشه بعد 8 سنوات فقط من الحكم في العام 1520.

السلطانة الأم 
لم تغادر حفصة موقعها بجانب ابنها السلطان، وأصبحت مستشارته في شؤون الحكم، لا يستطيع إصدار قرار بدون الرجوع إليها، أما سليمان الذي لم يكن قد تجاوز السادسة والعشرين من عمره فلم يكن يعصي لها أمرا وسعى إلى أن يتخذ نفوذ أمه صيغة رسمية، فاستحدث لها وظيفة "السلطانة الأم" لتصبح على رأس الحرملك العثماني ، وتتمتع بمكانة رفيعة تضاهي لقب الملكة في المفهوم الأوروبي. 

أعادت حفصة ترتيب قصر طوب قابي، وأجرت تعديلات أساسية على الحرملك في القصر القديم المعروف بـ"قصر بايزيد" ، ومنحها سليمان إيرادات ضخمة من أراضي السلطنة، ومخصصات شتوية وصيفية، وصرف لها راتبا من دار سك العملة العثمانية يحمل إليها مباشرة لتنفقه كما تشاء، فضلا عن هدايا الدول الأجنبية ورجالات الدولة العثمانية، أما مصالحها خارج القصر فعين لها وكيل أعمال يدعى كتُخدا الحرملك، يتم اختياره من بين صفوف كبار الدولة.

داخل الحريم
أشرفت "السلطانة الأم" على مجموعتين داخل "الحريم": الأولى أبناء السلطان من صبيان وبنات، ثم جواريه المختارات، وكان من أبرز مهامها انتقاء الجارية وتجهيزها لمشاركة السلطان فراشه لتنجب له الذكور.

لم تخاطر حفصة بإرسال جارية لا تثق بها إلى فراش السلطان، كانت تدرك أن الجواري بمثابة أفاعي تجدن اللدغ، وعليها أن تحتاط جيدا، فأخضعتهن لاختبارات عنيفة لتستقر على الأكثر ولاء وإخلاصا لها، حتى وقع اختيارها على "ماه دوران" لتكون المفضلة للسلطان الشاب.

أثبتت ماه دوران أن ثقة السلطانة في محلها، نفذت كل ما تأمرها به، وظللت السلطان برعايتها، ولكن بمجرد أن أنجبت له أول أولاده مصطفى ظهر تمردها، وتخلصت من رداء العبدة المطيعة لسيدتها، وسعت من نفوذها داخل الحرملك واستقطبت مجموعة من الجواري تخضعن لها، وتصرفت كأم لولي العهد، وزاحمت حفصة في مكانتها.

شعرت السلطانة الأم بخطورتها فسارعت بقص أجنحتها والتقليل من نفوذها المتنامي، ونجحت في الوقيعة بينها وبين السلطان بعد أن أوغرت صدره عليها وبحثت له عن جارية جميلة تشغله عن التفكير فيها، ووجدت بغيتها في "روكسلانا" - جارية من أصول روسية - التي كانت قد وصلت القصر لتوها واختارت لها اسما فارسيا هو "خرم".

نفوذ خرم
الحقيقة أن كل ما فعلته حفصة هو أنها استبدلت أفعى بنمرة شرسة، فقد خطفت خرم قلب السلطان ولم يستطع التخلص من سحرها، وأنجبت له 4 ذكور، وتخطت السلطانة الأم في نفوذها وهي تحرض السلطان على الإطاحة بولي عهده مصطفى وتصعيد ابنها محمد إلى ولاية العهد.

بإرادتها دخلت خرم عش الدبابير وقررت أن تلتهم الجميع لتحقق ما تسعى إليه، حتى ولو كان الثمن إراقة دماء من يقف في طريقها، وهو الأمر الذي سبب صدمة كبيرة للسلطانة الأم التي وجدت البساط ينسحب من تحت أقدامها فتصرفت بسرعة قبل فوات الأوان.

شكلت حفصة تحالفا مع ماه دوران ضد خرم  لتدعيم الأمير مصطفى كولي للعهد ، وانضم إليهما إبراهيم باشا الصديق المقرب من السلطان سليمان والذي كان يطمع في الوصول إلى منصب الصدر الأعظم رغم سنه الصغيرة، وحصل عليه بالفعل بمساعدة السلطانة بعد أن زوجته من خديجة أخت السلطان.

ظل التحالف الثلاثي فاعلا ضد خرم حتى العام 1534 الذي أعلن فيه وفاة السلطانة الأم، ليواجه إبراهيم باشا بعد عامين من رحيلها حكما بإعدامه، فقررت ماه دوران الانتقام بالاعتداء على خرم فأمره السلطان بإبعادها عن قصر الحكم وإرسالها إلى مدينة بورصة، ليبدأ عهد السلطانة خرم التي بطشت بجميع خصومها ليخلو لها وجه السلطان.

المصادر :

1 - جالينا يارمولينكو : روكسلانا في الأدب الأوروبي، التاريخ والثقافة
2 - ليزلي بيرس : الحريم السلطاني، المرأة والسلطة في الإمبراطورية العثمانية
3 - ماجدة صلاح مخلوف : الحريم في القصر العثماني

Qatalah