يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


نحو 20 عاما هي المدة التي قضاها عبد الحميد الثاني في كنف والده السلطان عبد المجيد الأول، فترة أورثته مشاكل نفسية لم يستطع التغلب عليها في المستقبل، فالابن الذي جاء إلى الدنيا العام 1842، لم يشاهد والده يوما مرفوع الرأس، بعد أن سقط فريسة صراع نخبتين عثمانيتين مثلت كل منهما تيارا سياسيا مضادا للآخر، وقف بينهما والده حائرا ضعيفا لا يدري ماذا يفعل، وكلما قرر التقرب إلى فرقة منهما تحسس رقبته خوفا من أن تطيح به الفرقة الثانية.

رأى عبد الحميد والده يرتعد أمام النخبة العثمانية الماسونية، التي تكونت في أعقاب عصر التنظيمات، الذي أطلقه السلطان بنفسه، ويتلعثم أمام التيار القديم الذي جسدته النخبة التقليدية التي استمدت قوتها من الموروث العثماني. 

وجد والده بلا صلاحيات، مجرد رجل بائس يجلس على العرش لا يستطيع أن يصدر أمرًا بعد أن انتصرت النخبة الماسونية على نظيرتها التقليدية، واستغلت تفوقها بتقليص سلطاته فوضعتها في يدها، واستبدلت القوانين العثمانية القديمة بأخرى أوروبية، وأزاحت التعليم الديني ليسيطر التعليم العلماني على المدارس.

تولية عبد العزيز
أمام انهيار سلطاته عاش السلطان عبد المجيد الأول في حزن دائم حتى مات كمدا في العام 1861، فتولى الحكم شقيقه عبد العزيز عرش السلطنة المتداعية، والذي لم يحرك ساكنا بدوره، وترك للنخبة الماسونية حرية التلاعب به في الوقت الذي كان عبد الحميد الثاني يذهب إلى عمه ويحرضه على الانتقام من الماسونيين ثأرًا لوالده، ووجد السلطان عبد العزيز الفرصة حين وقف التحديث الذي أراده الماسونيون عاجزا عن تحقيق الأحلام الكبرى التي وعدوا بها لانتشال الدولة من أزمتها العميقة.

تضاعفت الامتيازات الأجنبية واصطحبت معها التدخل الغربي، وتراجع الفكر الإسلامي خطوات أكثر للوراء بعد أن فقدت المدارس الدينية سمعتها، مقابل صعود جيل جديد من المثقفين شرع في نزع مظاهر الإسلام بالكامل من المجتمعات العثمانية ونشر الفلسفات الإلحادية، وظهر إصرار الشعوب المسيحية في البلقان على التخلص من سيطرة إسطنبول بعد أن منحتهم الحقوق الكاملة.

فشل ذريع مكّن التيار القديم من الوثوب مرة أخرى لاسترجاع مكانته المفقودة، فتودد رموز التيار التقليدي إلى السلطان عبد العزيز ليقنعوه بخلع عباءة التنظيمات، والعودة من جديد إلى الحكم الأوتوقراطي (المطلق)، إلا أن الأمور لم تأت بما يشتهيه السلطان وابن أخيه.

اغتيال سلطان
تحت قيادة مدحت باشا السياسي القوي واسع النفوذ تجمعت النخبة الماسونية، وأعلنت الثورة على السلطان، ومن خلال مؤامرة دبرت بين قاعات محفل "برودوس" الماسوني في إسطنبول، فرض الباشا حالة من الفوضى في العاصمة انتهت بعزل السلطان عبد العزيز من العرش، وتصعيد ابن أخيه مراد الخامس -شقيق عبد الحميد الثاني- الذي كان ماسونيا حتى النخاع، ثم تحديد إقامة السلطان المعزول في القصر، وقتله في حجرته وحتى ينجو من الاتهام أشاع أنه انتحر في العام 1876.

 

 

استعادة الحكم
في الخفاء تحرك عبد الحميد الثاني لإنقاذ الموقف، فتحالف مع التيار القديم وشكل فرقا قتالية بعيدا عن العيون، أشرف على تدريبها بنفسه 3 أشهر كاملة، مستغلا نشوة النصر لمدحت باشا ورفاقه، حتى حانت لحظة الصفر فانقض على أخيه مراد، وخلعه من الحكم وأصدر فرمانا بنفيه إلى قصر "كاراجان" بعد أن اتهمه بالجنون، لكنه ترك رأس الأفعى مدحت باشا حرًا لكونه لا يقدر على مجابهته في هذه اللحظة الملتبسة، وأخذ يتحسس الفرصة الملائمة للانقضاض عليه.

السلطان المتلون
لم يشعر عبد الحميد الثاني خلال الفترة الأولى التي أعقبت انقلابه على مراد الماسوني بالراحة، ظل يرتعد خشية الثورة عليه من جديد كما حدث مع عمه السلطان عبد العزيز، كان يتذكر وجه والده قبل الموت ودموع الذل تجري على خديه وهو على فراش الموت بعد أن نزعت منه النخبة الماسونية صلاحياته، أصبح دائم الشك في حراسه ودأب على تغييرهم بانتظام وإلقاء عدد منهم في السجن بتهمة الخيانة، دون أن يكون لديه دليل واحد على ذلك.

كان يدرك أن الخطر الحقيقي مازال قائما في النخبة العثمانية على دولته، والتي وإن فقدت رأسها بخلع مراد فإن جسدها ظل قويا وقادرا على التأثير، فعمل على استرضائهم حتى تتوفر له الفرصة ويكيل لهم الطعنات.

في البداية رضخ السلطان لطلبات مدحت باشا حول تنظيم الدولة، فأصدر دستورا للبلاد في ديسمبر العام 1876، ثم افتتح البرلمان في العام التالي 1877، وبعد عامين  أعلن عودته إلى الحكم المطلق، وعطل العمل بالدستور، وحل البرلمان الذي لم ينعقد سوى دورتين فقط، وقرر الانتقام من مدحت باشا المتورط الرئيس في مقتل عمه عبدالعزيز، فعزله من منصبه ثم نفاه إلى الطائف في الجزيرة العربية، وأرسل إليه من يضع له السم في الطعام فقضى عليه.

 

سياسة المهادنة
موت مدحت باشا لم يقنع عبد الحميد الثاني بالتخلي عن عادة تحسس رقبته كلما شاهد فرق الماسونية تسير بهدوء القتلة في شوارع الدولة، كان على يقين أنهم متغلغلون في دواوين الحكم وقادرون على استعادة قوتهم والإطاحة به في أية لحظة، وباستثناء ملاحقاته لأفراد جمعية الاتحاد والترقي الثورية في محافل سالونيك، لم يستطع السلطان اتخاذ قراره النهائي والحاسم بإغلاق المحافل الماسونية المنتشرة في طول البلاد وعرضها وقطع دابر مخططاتها للأبد.

العكس هو ما حدث، تبرع السلطان بمبلغ مالي كبير من ثروته الخاصة إلى المحفل الإنجليزي في إسطنبول مساهمة منه في الأعمال الخيرية للمحفل، وحاول تأسيس محفل ماسوني عظيم يترأسه بنفسه، جمع فيه ممثلين من سائر أنحاء الإمبراطورية ليكون بديلا عن المجلس النيابي، ولكن الفكرة لم يكتب لها التنفيذ.  

بهذه السياسات المرتعشة مضى عبد الحميد في طريقه الضبابي، أدرك أن الماسونية أصبحت عقيدة العصر الحديث، وبتحررها من الأديان وإيمانها بالإنسان الحر، باتت دينا لغالبية ملوك وأباطرة أوروبا، وبالتالي يجب الإبقاء عليها ليضمن جلوسه على العرش بمغازلة ملوك أوروبا.

 

 

فكرة الخلافة 
الخوف الذي سيطر على السلطان العثماني جعله يتخذ قرارات متناقضة فسرعان ما عاد إلى أحضان التيار التقليدي، وقربهم منه، وأطلق العنان لأفكارهم، فظهر "الإسلام" للمرة الأولى في كتابات النخبة التقليدية في سبعينيات القرن التاسع عشر كبديل لإخفاقات العلمانية والأيديولوجية العثمانية العالمية التي فرضها التيار الماسوني.

روج عبد الحميد لفكرة "الخلافة الإسلامية العثمانية"، باعتبارها الطريق المثالي لانتشال الدولة من عثرتها ليجمع بين شرعيته السياسية كـ"سلطان"، وشرعيته الدينية كـ"خليفة" من حقه أن يفرض الطاعة على ملايين المسلمين الذين يمكن استخدامهم كأسلحة فعالة لمجابهة خصوم الدولة.

لم يكن عبد الحميد يعلم أن دعوات الجهاد لن تستقيم مع سياسة التأليب، فتكبد في البلقان خسائر فادحة على يد روسيا القيصرية، ولولا لعبة التوازن الدولي التي أعادت ألبانيا ومقدونيا له، لكانت الأملاك العثمانية في أوربا ضاعت منه في وقت مبكر للغاية، وحمى حي القناصل في إسطنبول الدولة المريضة من السقوط الوشيك، ففرنسا وبريطانيا العظمى اتفقتا على بقاء دولة عثمانية ضعيفة لاستخدامها في مواجهة أطماع روسيا القيصرية الراغبة في الوصول إلى البحر المتوسط عبر جثة إسطنبول العثمانية.

وفي الأقاليم العربية، تناوبت فرنسا وإنجلترا على سلخ ممالك العالم العثماني، فاحتلت الأولى تونس في 1881، وغزت الثانية مصر في العام 1882، ولم يحرك السلطان الضعيف ساكنا، اكتفى فقط بخطابات شجب واعتراض طوتها الأيام، أدرك أنه يحتاج إلى حماية باريس ولندن في مواجهة موسكو، كان الثمن التفريط في القاهرة وتونس، بدت له صفقة مربحة!

التحالف مع ألمانيا
تنفس السلطان عبد الحميد الصعداء وهو يجد ألمانيا القيصرية تمد يدها إليه، تلجأ إلى مشروعه الإسلامي وتمنحه الطابع العالمي الخطير الذي أزعج قوى غرب أوروبا ومهد للحرب العالمية الأولى، تحالف عبد الحميد مع ألمانيا ضد فرنسا وإنجلترا اللتين دخلتا في عداء صريح ضده، ففتح أبواب إسطنبول أمام أعداد كبيرة من العسكريين والسياسيين الألمان الذين وضعوا الخطط لتحديث الآلة العسكرية العثمانية المتهالكة، ورسموا استراتيجيات الإنقاذ للدولة العثمانية. 

من بين المبتعثين، كان الألماني اليهودي ماكس فون أوبنهايم، هو المنظر الرئيس لفكرة الجامعة الإسلامية وخلافة عبد الحميد وأكبر داعم لهما!، لكن الفشل كان الكأس التي شرب منها السلطان والقيصر معا، فالسلطان أرسل الخطابات إلى الزعماء الروحيين في العالم الإسلامي واصفا نفسه بالخليفة والإمام ولم يجبه أحد، أما القيصر غليوم الثاني خسر بخسارة السلطان لينتهي التحالف إلى كارثة ألمت بكل أطرافه، فألمانيا تجرعت الهزيمة في حرب أوروبا، والدولة العثمانية فقدت أملاكها خارج الأناضول قبل أن تنهار وتسقط للأبد.

مذابح الأرمن
السلطان الذي واجه انهيارا شاملا في السلطة، ووجد ممالكه في الخارج تتطاير من بين يديه واحدة تلو الأخرى، وجد نفسه أمام مطالب الأرمن باستقلالهم على غرار القوميات المسيحية الأخرى في البلقان، وبدلا من أن يستمع السلطان المرتجف إليهم، ويتفاوض معهم اتهمهم بالعمالة لروسيا القيصرية وصمم على قمع حركتهم في مهدها.

أسس ميليشيا من الخيالة الأكراد لمواجهة أية ثورة أرمنية محتملة، وأطلق عليها اسم "الفرقة الحميدية"، التي لم تفرق بين العزل والمسلحين فهاجمت قراهم الجبلية بضراوة شرق الأناضول، وبأوامر من السلطان الدموي في العام 1893، نفذت الفرق الكردية مذبحة للأرمن قرب "مرعش"، وأخرى بالقرب من بحيرة "فان"، وفي العام التالي أعاد عبد الحميد الكرة وسلط عليهم الفرق الحميدية التي نفذت مذابح جديدة استمرت حتى العام 1896، وهي المذابح التي أهدت السلطان عدة ألقاب من بينها "القاتل العظيم" و"السلطان الأحمر" و"عبدول اللعين".

خيانة فلسطين
عبد الحميد أول من فتح دولته أمام الصهاينة، أصدر فرمانات أتاحت لمجموعات يهودية تملك قرى في فلسطين، فشكلت أساسا ماديا بُني عليه المشروع الصهيوني في السنوات التالية وسهل من مهمته، كما غض الطرف عن العمل بالفرمانات التي تحد من الهجرات اليهودية، وأصدر تشريعات استجابت لرغبات اليهود وأوجدت لهم مستوطنات آمنة داخل فلسطين منذ العام 1882م.

لم يكتف السلطان الخائن بذلك بل عقد مع المؤسس التاريخي للحركة الصهيونية ثيودور هيرتزل 5 جلسات بين 1896 و 1902 تفاوض خلالها على السماح العثماني بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين مقابل الحصول على أموال تنقذ الدولة العثمانية المنهارة، عجز هرتزل عن تدبير المال الذي طلبه السلطان وبالتالي لم يحصل على الفرمان المنشود بالتوطين، إلا أن تخاذل عبد الحميد منذ البداية تسبب في تسرب أعداد كبيرة من المهاجرين اليهود شكلت النواة الأولى لدولة الاحتلال الإسرائيلي. 

الانقلاب والعزل
لم يدر السلطان الغافل أنه عجل بنهايته حين حل البرلمان وعطل الدستور، فقادة النخبة الماسونية يعرفون أن تزلف عبد الحميد لهم مجرد قناع يضمر خلفه الشر لهم، وتأكدوا من ذلك بعد تقربه من التيار التقليدي وإعلان نفسه خليفة للمسلمين، اتجه الماسونيون للعمل السري، وفي ثمانينيات القرن التاسع عشر ظهرت حركة في الجيش تدعو للخلاص من السلطان.

وفي 1889 تكونت مجموعة ثورية سرية من طلاب الكلية الطبية العسكرية بإسطنبول تحت اسم "الشبان الأتراك"، وفي 1893 جاهروا بدعواتهم بعد أن نجحوا في جذب مجموعة من علماء الدين وأفراد من البيروقراطية في إسطنبول، وحاولت المجموعة القيام بانقلاب انتهى إلى الفشل في العام 1896 فنفاهم السلطان خارج تركيا، في العام ذاته افتتح الشبان الأتراك فرعا لهم في سالونيك، وانضم إليه الدونمة "يهود استتروا بالإسلام"، فدعموا الثورة بالمال والسلاح. 

 

 

وفي 1905 تحول اسم الشبان الأتراك إلى "جمعية الاتحاد والترقي"، وأخذت تمهد لانقلاب جديد بعد أن كسبت المؤيدين لأفكارها بين صفوف ضباط الجيش الثالث في سالونيك، وموظفي الجهاز الإداري للدولة، ولم يكتشف السلطان أنهم في طريقهم للانقضاض عليه إلا عام 1908، وهو ما عجل بتحركهم لتنفيذ مخططهم، سيطرت وحدات عسكرية تابعة للاتحاد والترقي - في يوليو من نفس العام - على مقدونيا وزحفت إلى إسطنبول وفرضت عليها حصارا مريرا انتهى بخضوع السلطان لشروطهم، فأعاد الدستور المعطل وافتتح البرلمان من جديد.

وعندما أراد أن يلعب لعبته القديمة باسترداد حكمه المطلق تحولت شوارع العاصمة إلى ساحة حرب بين أنصاره وأفراد الجمعية الثورية، وهو ما عرف تاريخيا باسم "الفتنة الارتجاعية" لينتهي الأمر بهزيمة السلطان العجوز، الذي أمضى ثلاثين عاما في الحكم، وعُزل نهائيا عن العرش عام 1909، ونفيه إلى سالونيك التي ظل فيها حتى اندلاع الحرب العالمية فنقلته حكومة الاتحاد والترقي إلى إسطنبول التي قضى فيها أيامه قبل وفاته في الظل العام 1918.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

دائرة معارف الإمبراطورية العثمانية

حسان علي حلاق موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية

فدوى نصيرات دور السلطان عبدالحميد في تسهيل السيطرة الصهيونية على فلسطين

مارك ديفيد بير ، الدونمة ، مرتدون يهود ، ثوار مسلمون ، علمانيون أتراك

Qatalah