يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


كان ذليلا منكسرا في محبسه، يهينه الحراس، وينتظر حكما بالإعدام، لكن الأمور تبدلت بطريقة دراماتيكية لم يصدقها، كل رجال الدولة يركعون بين يديه، ويقبلون الأرض تحت قدميه، في زنزانته الباردة، وينادونه بجلالة السلطان.

 إنه لقب والده أحمد الأول، والآن يحمله أخوه السلطان مراد الرابع، الذي أمر بالقبض عليه، وإلقائه في السجن، فما الذي يحدث؟.

ابتسم الحظ من جديد لسجين العائلة الحاكمة، وتنازل السلطان عن قتله، استجابة لشفاعة والدتهما السلطانة كوسم.

كانت الأقدار ترتب نهاية أخرى لإبراهيم الأول غير الموت على يد أخيه السلطان، فقد توفي مراد الرابع، ولم ينجب ذكورا لورثة الحكم، وأصبح الطريق مفروشا بالورود إلى كرسي السلطنة.

أدرك رجال الدولة أن النساء هن الطريق إلى قلب السلطان الذي عانى من السجن والحرمان على يد شقيقه الراحل، وأغرقوه في الملذات، وتقربوا إليه بالجواري والغلمان.

وقع السلطان في غرام جارية قدمها له "سنبل" آغا الحريم، فعشقها هي وابنها مجهول النسب، ما أثار غيرة زوجته وغضبها، دفعه خوفه على محظيته لإرسالها إلى مصر، لحمايتها هي وابنها من مكائدها.

في الطريق إلى مصر، هاجم قراصنة كريت السفينة التي تستقلها جارية السلطان وولدها، وتم أسرهم، وحين علم السلطان، أصابه الجنون وأعماه الغضب، وقرر شن حرب على الجزيرة، رغم اعتراض رجال الدولة، وتمرد الجيش، ورفض سكان الأناضول المشاركة في حرب من أجل متعة السلطان ونزواته العاطفية.

نجح جيش الجزيرة الصغيرة في صد العثمانيين، وظلت لمدة 24 عاما صامدة أمام جحافلهم، وخسر الأتراك آلاف القتلى، ومات السلطان نفسه  بيد جنوده.

سنبل آغا
أصيب السلطان إبراهيم بالجنون، عندما وجد نفسه غارقا بين الجواري والمحظيات والغلمان وأباريق الشراب، أراد الانتقام من شقيقه الراحل، وتعويض رغباته الجنسية وتعويضه عن حرمان السجن.

سنبل آغا الحريم تولى مهمة إشباع الرغبات الجامحة لسلطانه، حتى أنه اشترى له من ماله الخاص جارية فائقة الحسن، وأهداها له، وقع السلطان في غرامها، رغم اكتشافه أنها لم تكن بكرا، فقد وضعت مولودا بعد وقت قصير من معاشرة السلطان لها.

زوجة السلطان (ترخان سلطانة) وضعت مولودا سماه محمدا، إلا أن ابن الجارية مجهول الأب، حاز على قلب إبراهيم، فقررت الانتقام من سنبل آغا وجاريته المشؤومة.

السلطانة شاهدت زوجها يلاطف طفل الجارية، فعاتبه بكلمات قاسية، فما كان منه إلا أن ألقى بطفلها محمد في حوض الماء، وكاد أن يغرق.

خاف سنبل آغا من غدر السلطانة، فطلب من السلطان السماح لهم بالسفر إلى مصر بأموالهم، وافق إبراهيم بعد إلحاح، لم يكن يريد رحيل محبوبته وابنها.

رست سفينة عثمانية قادمة من البحر الأسود في إسطنبول، قبل توجهها إلى مصر، استقلها سنبل آغا وشحن فيها متاعه وخيوله وأمواله، وكان على الرحلة البحرية شخصيات مهمة، أنهوا زيارة لعاصمة الدولة العثمانية، منهم قاضي مكة محمد أفندي البروسلي، وعدد كبير من الحجاج.

زود السلطان السفينة بأربعة مدافع وعشرات الجنود، لحماية عشيقته وابنها من القرصنة في البحر المتوسط، خصوصا فرسان القديس يوحنا (الاسبتارية) من مالطا.

خبر الكنز الثمين والحمولة الكبيرة على السفينة وصل إلى علم القراصنة، فتحركوا لنهبها، عرف قائدها بنيتهم حين رست في جزيرة رودس، وطلب من سنبل آغا الاستراحة لعدة أيام في الجزيرة، لتضليل فرسان مالطة.

الآغا وقاضي مكة والحجاج رفضوا خطة البقاء، وأصروا على الإبحار، حتى يلحقوا موسم الحج، ودخلت السفينة مياه جزيرة كريت، فحاصرها القراصنة، ووقعت معركة بينهما، انتهت بالاستسلام، ومقتل سنبل آغا، والربان، ووقع قاضي مكة في الأسر.

القراصنة ظنوا أن ابن الجارية هو أحد الأمراء العثمانيين، لجمال هيئته، وإحاطته بمظاهر العظمة والوقار، فأخذوه إلى البندقية، وتم تنصيره، واشتهر في أوروبا باسم (بادرو أوطومانو).

غضب السلطان
استشاط السلطان العثماني غضبا، حين وصلته أخبار الحادثة المشؤومة، وأقسم على استعادة حبيبته وابنها، وأمر باعتقال قناصل البندقية وإنجلترا وهولندا،  ولم يفرج عنهم، إلا بعد أن أقنعه رجال دولته أن ابن الجارية بصحبة رهبان فرنسيين، لا يتبعون حكومة باريس.

قرر السلطان الانتقام باحتلال جزيرة كريت، وإنقاذ الجارية وابنها بنفسه، وأمر بتجهيز أسطول بحري قوي.

الجزيرة كانت خاضعة لحكم البندقية، وقد وصلها الأسطول عام 1646 وعلى متنه خمسين ألف جندي، وكان الحظ في جانبه، لقد تأخر أسطول البنادقة عن الوصول إلى كريت للدفاع عنها.

نزل الجنود إلى الجزيرة، وسيطروا عليها، عدا حصن كانديا القوي الذي صمد ضد الأتراك.

قرر أسطول البندقية بعد وصوله قطع الإمدادات عن العثمانيين، وفرض حصار حول قواتهم، وتدمير سفنهم، وإغلاق مضيق الدردنيل، وبحر إيجة.

بطولات البنادقة أذلت الجنود العثمانيين، وأزهقت أرواح الآلاف منهم، دب الرعب في قلوب الجند، وأعلنوا التمرد، وامتد شغبهم إلى داخل إسطنبول، وقبضوا على السلطان إبراهيم، وعينوا ابنه محمد الرابع سلطانا، وهو في الـ7 من عمره.

قتل الإنكشارية السلطان العاشق، قبل قيام جنود "السباهية" بتحريره من قبضتهم.

فرار السلطان
اعتمدت البحرية على البندقية في احتلال جزيرة تندوس، في مدخل بحر إيجة، وفي 27 يناير 1647 واجهت سفينة القائد توماسو موروسيني وحدها أسطولا عثمانيا من 47 سفينة، بقيادة القبطان موسى باشا، فأنزلت به خسائر كبيرة، بفضل شجاعة ومهارة قائدها، لكن التفوق العددي للأتراك حسم النزال لصالحهم، وقتل القائد الشجاع، ولم يتمكن الأتراك من أسر السفينة، بسبب النجدة التي وصلتها.

بعد 4 سنوات ثأر البنادقة من العثمانيين، في موقعة ناكسوس عام 1651  وأغرقوا عددا كبيرا من سفنهم.

موارد البندقية كانت محدودة مقارنة بالعثمانيين، الذين عملت ترساناتهم البحرية في القرن الذهبي على إنتاج أسطول جديد، وانضم إليهم قوات بحرية من تونس والجزائر وغيرها، وكونوا أسطولا قوامه 74 سفينة، التقى مع 26 سفينة للأوربيين، عام 1654، في بحر إيجة، ورغم الفارق الكبير بين القوتين، فر الأتراك، ونجحوا في الانسحاب دون خسائر كبيرة.

موقعة أخرى حدثت عام 1956، انتهت بهزيمة ساحقة للعثمانيين، خسروا فيها 60 سفينة، ووقعت 24 في الأسر، وطرد الأتراك من تندوس وليمنوس، وتم تشديد الحصار عليهم، وتعرضت إسطنبول لنقص في الأغذية، وكادت المجاعة أن تفتك بأهلها، وفر السلطان محمد الرابع خوفا على حياته، وتمرد الجند على السلطنة، وانتشرت الفتن واعمال السلب والنهب.

شيخوخة البندقية
السلطانة كوسم تدخلت لإنقاذ الدولة، فأعادت محمد باشا كوبريلي للصدارة العظمى، ونجح الرجل في إعادة الأمن، وحكم البلاد بقبضة من حديد، ضعفت قوة البنادق بموت قائد أسطولهم موشنجو، في حادث عرضي.

كوبريلي باشا أعد حملة ضخمة لفتح حصن كانديه، والذي صمد لمدة عامين، وإزاء اشتداد المعارك، قررت البندقية تسليم الحصن، مع الاحتفاظ بعدة قرى في الجزيرة، ووقعت معاهدة مع العثمانيين بذلك عام 1669.

البندقية تعرضت لخسائر كبيرة نتيجة الحرب مع العثمانيين، لأنها تعتمد في اقتصادها على التجارة معهم، واضطرت لتوقيع المعاهدة مقابل تجديد الامتيازات التجارية.

بلغت خسائر العثمانيين 70 ألف جندي، في الحرب التي استمرت لمدة 24 عاما، ولم يعوض الاستيلاء عليها نفقات غزوها، لقلة مواردها، وربما أحجم السلاطين السابقون عن احتلالها قبل إبراهيم لذلك، هو لم يكن يبحث عن غنائم أو أموال، كان يريد عشيقته،  فورط دولته في حرب استمرت ربع قرن.

المصادر :

1 - محمد فريد: تاريخ الدولة العلية العثمانية
2 - أحمد رفيق: آغا البنات
3 - بول كولز: العثمانيون في أوروبا

Qatalah