يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


المتتبع لتاريخ الدولة العثمانلية، سيجد روابط عديدة تربط بين ما يفعله رجب إردوغان، وما كان عليه أسلافه في الدولة المقبورة، خصوصًا فيما يخص العنجهية ومحاولة اقتحام شؤون الدول الأخرى، ثم ما يلبث أن يعود بخفي حنين، يجر أذيال الخيبة.. السلطان مصطفى الثاني، كان على شاكلة سلطان أنقرة الحالي، وضع نفسه في صورة أكبر بكثير من حجمه وإمكانياته، وطمع في غزو أوروبا، لتلحق به هزيمة نكراء، انتهت بتوقيعه اتفاقية كارلوفيتز التي أنهت الوجود العثمانلي في القارة العجوز.

في مخدعه بالحريم السلطاني غرق مصطفى بن السلطان السابق محمد الرابع في أحلام العظمة والبطولة التي ملأت الجواري الفاتنات عقله بها خلال نشأته بينهن حبيسا بعد موت أبيه وتولي عميه سليمان وأحمد الحكم.
تصور نفسه فاتحا يقود الجيوش مثل جده محمد الثاني، ورسم صورا عديدة عن عودته محملا بالغنائم ومن خلفه طابور طويل من الأسرى الحفاة وقد زينت أبواب وشوارع القسطنطينية وتراص الناس على الجانبين يهتفون بحياته ومجده.

30 عاما من الحياة في الحريم محت الخيوط الفاصلة بين الأحلام والواقع في عقل مصطفى الذي جلس على العرش خلفا لعمه فطلب حصانه ودعا الجيش وخرج على رأسه ممنيا نفسه بانتصارات كبرى يتغنى بها المغنون ويلهج بالثناء عليه المؤرخون لكن الأعداء لم يكونوا مثلما تخيلهم فبدلا من أن يفروا وقفوا بثبات وسحقوا جيشه وأنزلوا به هزائم مذلة على جميع الجبهات ولم تقف الهزائم إلا بعدما وقع على معاهدة كارلوفيتز المذلة.
مصطفى عاد إلى قصره قانعا بملذات الحريم وأمان الجدران العالية كما فعل من سبقوه وفي سره يردد: لعنة الله على قصص الجواري.

أوهام عثمانلية
مصطفى الثاني يأتي ترتيبه الثاني والعشرين في قائمة سلاطين الدولة العثمانلية. هو ابن السلطان محمد الرابع من المحظية "ماه بارة سلطان" ولد عام 1664 وتولى الحكم بين عامي (1695-1704) في فترة حرجة تغيرت فيها موازين القوى لصالح الأوروبيين وشهدت القوة العثمانية انحسارا.

الدب الروسي خرج من قمقمه على يد بطرس الأكبر وغرس أنيابه في جسد السلطنة العثمانلية ونزع منها قطعة وراء أخرى بينما النمسا تتوغل في المجر وتقضم قطعة وراء أخرى من الأرض التي رفعت العلم العثماني يوما.
كما كان الداخل العثمانلي يعاني من فوضى الإنكشارية والضرائب الباهظة وضعف قيمة العملة وكان الوضع يزداد سوءا يوما عن آخر.

مصطفى الثاني المشبع بقصص البطولات القديمة والغائب عن إدراك تغير موازين القوى ظن أن ما ينقص القوة العثمانلية هو إعادة إحياء عادة خروج السلطان على رأس الجيش فأصدر خط شريف بعد ثلاثة أيام من اعتلائه العرش أنكر فيه أفعال أسلافه في التقاعس عن قيادة الجيش وقرر أن يقوده بنفسه ضد إمبراطور النمسا.
أغوات الإنكشارية والصدر الأعظم والوزراء حذروا السلطان من خطر خروجه على رأس الجيش لعدم درايته بالحرب لكنه تمسك برأيه وخرج وحده على رأس حملة عسكرية عام 1696 وكان الحظ في جانبه فحقق انتصارين صغيرين على قلعتين في المجر وعاد يسوق أمامه 300 أسيرا وبعض الغنائم.

السلطان ظن أن خطته نجحت وأن خروجه على رأس الجيش هو الحل وقبل أن يعاود الكرة مرة ثانية لإحراز مزيد من المجد عاد إلى القسطنطينية ليدخل في موكب المنتصر. بناء على أوامره تم تزيين المدينة ودخل مصطفى الثاني وسط موكب النصر والموسيقى وطلقات المدافع واستعرض الأسرى والغنائم أمام العامة.

بطل من ورق
نشوة النصر الزائفة تملكت من السلطان فقرر الخروج على رأس حملة جديدة أملا في تحقيق نصر جديد فسار بجيشه عام 1697 إلى بلجراد لمهاجمة أراضي النمسا لعله يمحو عار هزيمة فيينا عام 1683.

أحلام السلطان تبددت على صخرة الواقع النمساوي فقد تم استبدال القادة الضعفاء بقائد عسكري فذ وهو الأمير يوجين حاكم سافوي. الفوضى التي ضربت السلطنة طالت مؤسسة الجيش فخلال الحملة اختلف قادة السلطان في الاجتماعات حول خط سير الحملة بينما السلطان عاجز عن اتخاذ قرار نتيجة افتقاره للخبرة العسكرية.
تضمن خط السير عبور أحد الأنهار وعلم الأمير يوجين بذلك فقرر عرقلة مسيرة السلطان وسارع بالمسير إلى مدينة زنتا وشن هجوما على شكل نصف هلال على العثمانيين ونجح في إنزال هزيمة ساحقة بهم على الرغم من تفوقهم عددا.

كانت النتيجة كما وصفها الأمير يوجين "حمام دم مرعب وهزيمة سريعة للأتراك، وكونت الجثث الغارقة في النهر جزيرة يمكن الوقوف عليها" وعقب المعركة تشتت القوات التركية وفر القادة وقام فرقة من الإنكشارية بقتل قادتها وقتل في المعركة 20 ألف جندي وغرق 10 آلاف أثناء الفرار عبر النهر ولقي الصدر الأعظم و4 وزراء وعدد كبير من الباشوات و 30 أغا من أغوات الإنكشارية مصرعهم.
غنائم الأمير يوجين كانت كمية ضخمة من الأسلحة والنقود تضمنت: 9000 عجلة حربية و60 ألف جمل و1500 رأس من الماشية و700 فرس علاوة على الختم الخاص بالصدر الأعظم والذي لم يسقط من قبل في يد الأعداء.

مرة ثانية خدم الحظ السلطان مصطفى فلم يكن عبر إلى الضفة اليسرى للنهر وإلا كان مصيره الموت مثل قادته أو الغرق مثل جنوده. وقف السلطان يراقب انهيار جيشه وعجزه عن فعل شيء ولم يجد أمامه سوى الفرار فعاد أدراجه إلى تمسفار ومنها إلى بلغراد ثم إلى القسطنطينية.

إذلال السلطان
منذ هذا التاريخ لم يخرج السلطان الصغير على رأس حملة حربية أخرى فقد باءت محاولته بالفشل لافتقاره إلى الخبرة العسكرية وعجزه عن مواكبة تطور التقنيات العسكرية.
تعلم مصطفى الثاني الدرس جيدا حتى إنه تخلى عن ممارسة مهامه ولجأ إلى عائلة كوبريلي فعين كوبريلي حسين في منصب الصدر الأعظم.

لم يشهد عصر مصطفى الثاني شيئا ذا جدوى فمنذ حصار فيينا الذي انتهى بكارثة على العثمانيين عام 1683 استطاعت النمسا تحقيق النصر في تسع معارك كبرى واستولت على تسع قلاع رئيسة.
السلام أصبح هدف السلطان ووزرائه فبعدما كانت عروض السلام تنهال على الباب العالي أصبح بعيد المنال خلال الفترة الأخيرة.

هزائم العثمانيين لم تتوقف وتقدمت النمسا في المجر إلا أن تقلبات الساحة الأوروبية أنقذت العثمانيين مثلما فعلت سابقا وستفعل مرارا فقد أُنهكت البندقة من كثرة الحروب وأيقن قادتها أن مجدهم قد ولى بينما انتهى دور بولندا في الشؤون الأوروبية بوفاة ملكها القوي سوبيسكي الذي أذل العثمانيين على أسوار فيينا.
أما النمسا الإمبراطورية القوية المنتصرة فقد انشغلت بحرب الوراثة الإسبانية فاكتفى الإمبراطور ليوبولد بتقوية المناطق التي استولى عليها والتي ساهمت في إثراء دولته وتخلى عن طموحاته بتسيير حملة إلى البوسفور.

من بين الأوروبيين بقي بطرس الأكبر قيصر روسيا على عدائه للعثمانيين وحاول الضغط على النمسا للتعاون معه لكنه فشل ودخلت أوروبا في حروب داخلية خدمت العثمانيين فقد تقربت إليها إنجلترا وهولندا وتوسطوا لعقد معاهدة سلام للإبقاء على الوضع الراهن.
الوساطة الإنجليزية-الهولندية نجحت عام 1698 وعقد مؤتمر السلام في مدينة كارلوفيتز في كرواتيا بحضور مندوبي الدول الكبرى وتم عقد معاهدة لمدة 25 عاما احتفظت النمسا خلالها بسلافونيا وترنسلفانيا وقسم كبير من المجر ولم يعد بيد الأتراك سوى ثلث أملاكهم فيها.
بولندا استعادت بودويا وكامينيك وغرب أوكرانيا وإقليم يقع شرق تيزا. البندقية احتفظت بالمورة وجزيرة سانتامورا وغالبية دالماشيا وألبانيا.

روسيا حصلت على منطقة أزروف على البحر الأسود ولم يكن بطرس قانعا بتلك الغنيمة فلم يوقع على معاهدة سلام وإنما هدنة لمدة عامين استجابة للوساطة الأوروبية فقط.
هزيمة مصطفى الثاني ومعاهدة كارلوفيتز كانت نهاية حقبة من تاريخ السلطنة وُصفت بالعدوانية والتوسعية وانتهى عصر القوة العثمانية وحسب أقوال الساسة الأوروبيين "أصبح الانحطاط العثماني حقيقة واقعة سياسيا بتزايد استقلال أقاليم السلطنة"

عصر مصطفى الثاني وضحت فيه اتساع الهوة الحضارية والعسكرية مع الأوروبيين وفي المجال الداخلي زاد التخلف والفقر وتردي الأوضاع وعانت الدولة من التدهور والسقوط بينما وقف الدب الروسي يترقب اللحظة المناسبة للانقضاض.

المصادر :


Qatalah