يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


5 نوفمبر 2018 "السيادة" لمن لا يعرف

عندما بدأت معركة العراق ضد إيران إبان رئاسة صدام حسين، كان الخلاف على أشده في الداخل (العراقي) من حيث التوقيت وخطورته وأسبابه، فضلاً عن أن الإنسان بطبيعته لا يحب الحروب، غير أنه وبعد أن انقلب سير المعركة لاحقاً وامتص الإيرانيون المفاجأة وبدأوا حربا مضادة شرسة دخلوا فيها أطراف العراق، تحول العراقيون كلهم إلى جندي واحد رافضين أن تمس من أرضهم شبراً، بعيداً عن أن صدام اضطهد المواطنين بكل فئاتهم آنذاك، إلا أن العراق كان مهدداً والخلافات الأخرى تؤجل إلى حين.


في بعض وسائل الإعلام العالمية والتركية والعربية، نشهد حالياً موجة من الحملات المتناغمة مع بعضها في هجوم شرس على المملكة إثر مقتل الصحافي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في تركيا، ولا ريب أن الجريمة شنيعة، لكن رد الفعل يعيدنا إلى شكوك كثيرة طالما راودتنا عن الكيل بمعيارين في ما يخص القضايا التي تحدث في العالم بأسره.

عندما حدثت الجريمة تزامنت مع ظهور مسرحية أبطالها كل من إردوغان وترامب والقنصلية والواشنطن بوست وقناة الجزيرة والسيدة التي قالت إنها خطيبة جمال خاشقجي، وهذه الأدوار تبرز وتضعف مع الوقت، غير أن الجامع المشترك بين الجميع هو الاتحاد لإثبات أن هناك جريمة (وهنا لا نختلف معهم)، وأن هذه الجريمة تستحق أن تطبق لها العدالة (ولا نختلف معهم أيضاً في هذا)، غير أن ما يطلبونه في المقابل حتى الآن غير واضح أو ينتهك السيادة.

بالنسبة للقناة أو الجريدة فببساطة الموضوع لا يعنيهم بشكل قانوني، وبالتالي جدير بنا عدم إضاعة الوقت في توضيح الأمر لهم، نعود لموضوع إردوغان وترامب وغيرهما من الساسة الآخرين، الرئيس الأميركي وغيره من الأوروبيين لا يهموننا إلا من الناحية المعنوية وبحكم تأثيرهم في الرأي العام العالمي، غير أن هذا لا يكون على حساب أسس ثابتة وبمعايير متساوية مع دول أخرى كما في علاقة هذه الدول بالكيان المحتل في فلسطين على سبيل المثال.

نعود للرئيس إردوغان، فهو ينطلق من معركته مع المملكة في هذه القضية من نقاط عدة، أولاً: أن الحادثة في تركيا، وثانياً: معرفة شخصية آيديولوجية مع المرحوم جمال خاشقجي، وثالثاً: الخلاف مع المملكة في قضية الإخوان المسلمين، ورابعاً: وضعه الاقتصادي المهزوز حالياً وأهمية المملكة اقتصادياً، وخامساً: مطامع تركية سابقة تزايدت في فترة إردوغان في قيادة العالم السني وهذه في الواقع ليست بقضية ذات بال، لكن الأخطر هو الرغبة في "تسييس الحج والعمرة".

إذن، محور الخلاف بشكل رئيس هو مع المعالجة التركية والتي كما لخصناه وتكشف شيئاً فشيئاً ترغب في نيل "كعكة" من حادثة خاشقجي، على الرغم أن المرحوم سعودي الجنسية، لكن هذه الكعكة أكبر من أن نمنحها له، لأنها وببساطة تهدم سيادتنا التي لن نتنازل عنها.

استماتة إردوغان في تحويل القضية إلى مأساة إنسانية لن تنجح، بسبب بسيط جداً هو: "انظر إلى من يتحدث"، فبعد محاولة الانقلاب عام 2016 في تركيا استمرت قرارات التضييق على الصحافيين والمعارضين بشكل لا مثيل له، وواجه انتقادات مريرة من منظمات حقوق الإنسان والنقابات الصحافية وجمعيات الرأي في مختلف أنحاء العالم.

المداورة والمناورة والتسريبات في التحقيقات، ومنها كتابته مقالة في الواشنطن بوست لن تخدمه قانونياً، فاتفاق فيينا يعطي المملكة الحصانة الديبلوماسية، وبالتالي فلا قيمة لكل ما يطالب به وليست المملكة ملزمة بتحقيقه.

نعرف بالأخير أن هناك دولاً عدة وضعت ثقلها في الموضوع لكي تمارس ابتزازاً صريحاً، لكنني متفائل بقيادة بلادي بألا تنازل عن أية سيادة أو حق إلا لشعبنا أو مواطنينا.

ومن الأخير، "تسييس الحج والعمرة" خط أحمر لا يقبله أي سعودي، وإذا كان لأية دولة هذا الحماس الديني والشجاعة فليطالبوا بالقدس المحتلة التي انتزعت من الفلسطينيين وأصبحت لدى قوى الاحتلال.

 

نقلا عن صحيفة "الحياة"

Qatalah