يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


حطم الرئيس التركي رجب إردوغان العدالة عن طريق اختراع فرضه على ساحات المحاكم منذ 2004، هو الشاهد السري، واستعان الرئيس التركي به في حسم التهم الملفقة للمعارضين في القضايا السياسية، بحيث تصبح أحكام الإدانة قانونية بموجب شهادته، دون الإفصاح عن هويته، بحجة الخوف من تعرضه للخطر.
برر إردوغان سن هذا التشريع بأنه محاولة لإنجاز العدالة وحفظ الحقوق القضائية، فيما أصبح عصاة غليظة بيد الرئيس يستخدمها في تلفيق وتزوير الشهادات المطلوبة لإطلاق أحكام جزافية، على كل معارضي النظام، وإكسابها الغطاء القانوني المطلوب، وأحيانا تبرئة آخرين، كما حدث في قضية القس الأميركي أندرو برانسون، الذي جرت إدانته بالسجن عامين ثم تبرئته بواسطة أقوال الشهود السريين أنفسهم، دون خوف من مساءلة الرأي العام التركي أو العالمي. 

مطالبات بإلغاء شاهد الزور
افتضح أمر النظام التركي، وثبت أن العديد من الأحكام القضائية التعسفية بحق المعارضين تم إصدارها بالاستعانة بالشاهد السري، ما دعا محرم أركاك مساعد رئيس حزب الشعب الجمهوري للمطالبة بإلغاء تشريع "الشاهد السري" من قوانين المحكمة الجنائية، مؤكدا أنه تسبب في  وجود كثير من ضحايا القضايا الملفقة.  
أوضح أركاك أن سبب قيامه بتقديم مقترح بتشريع لإلغاء الشاهد السري إلى رئاسة البرلمان التركي هو أن الشاهد السري أهدر مبدأ العدالة وتسبب في تحييد سيادة القانون والديموقراطية، وأشار إلى أن مناقشات تجري في البرلمان حالياً حول استقلال القضاء، وأن من بين هذه النقاشات المهمة هو الشاهد السري الذي يظهر في القضايا السياسية فقط.



قضايا ملفقة

2004 كان عاما محوريا، في سيطرة حزب العدالة والتنمية على مفاصل الدولة، بعد أن أطلق إردوغان اللجام لطموحاته السياسية، وأسكن الأهل والعشيرة في أهم المناصب، لكن استعصى عليه نسبيا تغليف القمع لمعارضيه بغطاء قانوني، فلجأ وجماعته إلى إقرار نظام "الشاهد السري" في المحاكم، وبرره وقتها بأنه سيحقق العدالة الناجزة، وأكد أنه لن يضار منه أحد.
قال كاراك إنه تم تشريع الأخذ بأقوال "الشاهد السري" في قوانين المحكمة الجنائية بحجة أن الشخص الذي يدلي بهذه الشهادة تكون حياته في خطر، لذلك وفر له القانون سرية هويته، منذ ذلك الوقت جرى إساءة استخدام التشريع، وتزايدت القضايا الملفقة مثل قضايا منظمة أرغينيكون وخطة المطرقة وصحيفة "أودا تي في" وقضايا أعمال التجسس العسكري وصحيفة شيكا. 
وأوضح كاراك أن تلك القضايا ضمت 60 شاهدًا سريًا، وتم الاستماع إلى 31 منهم في المحكمة، وأهمهم، كانت إفادة الشاهد رقم 9 ضد المتهمين، حيث اتضح فيما بعد أن هذا الشاهد هو عثمان يلدريم المحرض على هجوم مجلس الدولة والفاعل في أحداث تفجير صحيفة جمهوريت، وتم إدانة الكثير من المتهمين بسبب إفادته، ما يعني أن إردوغان استغل عناصر إجرامية واضحة في مثل هذه الأعمال المنافية للشرف، حسب قوله. 

الشهود هم المجرمون 
بالطبع، لم يكن الشاهد السري - المفترض الاستعانة به لتحقيق العدالة الناجزة -  بمنأى عن الشبهات، إذ ثبت أن أغلب أصحاب هذه المهمة  أصحاب سوابق جنائية، ويشير أركاك إلى أن بعض الشهود صدر بحقهم أحكام جنائية في جرائم مثل القتل و الاغتصاب والاتجار في المخدرات، بالإضافة إلى قضايا ابتزاز واحتيال، مذكرا بالقبض على عضو حزب الشعب الجمهوري إرين إرديم، العضو السابق في البرلمان التركي، بسبب إفادة "شاهد سري" لم يتم الإفصاح عن اسمه. 

انقلب السحر على إردوغان
أسلوب إردوغان القذر للافتراء على معارضيه،  بتلفيق القضايا ضدهم، ارتد إلى صدره في صورة خنجر في قلب سياسات تركيا الخارجية، يؤكد أركاك أن "الشاهد السري" وراء الأزمة الدولية التي اندلعت بين تركيا وأميركا "لقد غير الشاهدان السريان مسار قضية القس برانسون، حيث تراجع الشهود السريون عن ادعاءاتهم التي تفيد بأنه "إرهابي وعميل" ما أضعف التهم الموجهة إليه مسبقا"، ويطالب بإلغاء كل الأحكام التي تتعلق بالمادة رقم 58 من قانون المحكمة الجنائية، الخاصة بهذا الخلل الكبير، حتى تتحقق الشفافية القضائية المنشودة.  



تعد قضية احتجاز القس الأميركي برانسون عام 2016، على خلفية اتهامه من جانب السلطات التركية بالضلوع في عمليات إرهابية، والتعاون مع حركة الخدمة التي يقودها الداعية الإسلامي المعارض فتح الله غولن من الخارج، عقب مسرحية الانقلاب الفاشلة،  أكبر دليل على انقلاب السحر على إردوغان، حيث استندت كل الاتهامات الموجهة للقس إلى شهادات من شهود سريين، لم يفصح عن هويتهم.
قال إسماعيل جيم المحامي التركي عن برانسون إن الاتهامات  كانت  لشاهدة  سرية  اسمها دعاء وأنها  لم يسبق لها التعرف على القس، وليست عضوا في الكنيسة التي يعمل بها، بل في كنيسة أخرى تتبع الطائفة نفسها ثم طردت منها، فيما شهدت على القس باعتبارها إحدى رعايا كنيسته في إزمير.
وجرى نفي أقوال آخر أفادت بتواصل برانسون مع أحد منتمي جماعة "غولن" المعارض، وقال إنها ادعاءات لا أساس لها، ما أدخل تركيا في أزمة ديبلوماسية واقتصادية كبيرة، ورغم تراجع الشهود السريين عن إفاداتهم بإيعاز من إردوغان، وإطلاق سراح القس قبل أيام، إلا أن أمر الشاهد السري فضح النظام التركي عالميا، وأظهر أنه مجرد أداة يواري سوءة رئيسه.

Qatalah