يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


كانت كامرأة جريحة تحاول ستر عورتها التي تهتكت أمام أعين العالم، في حربين متتاليتين، خسرت فيهما كل شيء: دولتها، وسلاطينها، وتاريخها، وشرفها العسكري أيضا.
هكذا كان حال تركيا ما بعد الحرب العالمية الثانية، تبحث عمن يسترها ولو ببيع ما تبقى من شرفها، أو ما اعتبرته شرفها، وأخيرا.. أسفر بحثها الطويل المترنح في طرقات السياسة المتشابكة بين عواصم وقوى كبرى تتشكل، عن ضالتها في عميل صغير لم يكن شيئا مذكورا مقارنة  بـ"العملاق التركي"، عميل خدمته الظروف فتحول إلى دولة.. تسمى إسرائيل.
كانت تل أبيب طوق نجاة وحضن الدفء الوحيد الذي وجدته أنقرة، بعد طرق كل الأبواب شرقا وغربا، وخسارتها أحضان العرب بسبب ما جنته أقدامها الغليظة في بلادهم خلال قرون الاحتلال والقمع والدم، لكن كهنة الدولة الصهيونية الوليدة لم يكونوا من الشهامة بحيث يسترون عورة تركيا الشريدة دون ثمن.. وكان الثمن تحالفا سريا دام سبعة عقود، هو كل عمر الدولة العبرية نفسها، جعل من الدولة التركية زوجة سرية على الطريقة الكاثوليكية.. لن تحصل على حريتها أبدا.
تبدلت الوجوه وتغيرت الأيديولوجيا بينما ظلت تركيا ثابتة على موقفها الداعم لإسرائيل والمتعاطف مع القضية الصهيونية، فبين السلطنة العثمانية في إسطنبول، وبين الجمهورية العلمانية في أنقرة، ضاع بيت المقدس بفعل فرمانات السلاطين التي وطأت أرض فلسطين العربية أمام هجرات اليهود، و انسحقت القضية العادلة أمام "ميثاق شبح" وقعه الأتراك مع تل أبيب في ذروة الصراع العربي الإسرائيلي وطعنوا به العرب من خلف على عادتهم، وكما اقتضت دوما سياستهم.

لعل المؤرخ للعلاقات التركية _ الإسرائيلية في حلقتها التاريخية الثانية الكبرى، والتي شهدت تأسيس الصلات بين تركيا في نسختها الجمهورية وبين الكيان الصهيوني المؤسس في العام 1948 يلتزم في الأغلب بتحقيبها زمنيا إلى ثلاث مراحل تاريخية متمايزة: 
الأولى: تمتد من العام 1948 وتنتهي في العام 1992 وتعرف باسم "السنوات المبكرة" وهي المرحلة الأطول زمنيا، وقد شهدت توقيع الاتفاقات السرية بين الطرفين ضد العالم العربي والمعروفة إعلاميا باسم "الميثاق الشبح". 
الثانية: وتعرف بـ "العصر الذهبي" وتمتد من العام 1992 حتى العام 2008، وفيها انقلبت العلاقات بين الطرفين من السر إلى العلانية والعمل المكشوف.
الثالثة: وتمتد من العام 2008 إلى الوقت الحاضر ويمكن اعتبارها امتدادا للحقبة الثانية ولكن مع وقوع قطيعة مؤقتة في العلاقات بين البلدين بسبب حادث سفينة مرمرة والذي لا يمكن اعتباره سوى مجرد غيمة في نهار صيف حار. 

إسرائيل..أقصر طريق إلى قلب واشنطن
لفهم العلاقات القائمة بين أية دولتين، لا بد أولا من تفسير الدوافع التي تحفز كل طرف لتأسيس صلة تربطه بالطرف الآخر سلبا أو إيجابا، تلك الدوافع التي تختلط فيها أسباب التاريخ برؤى الساسة ومخططي الاستراتيجية الحالية والمستقبلية يمكنها أن تقدم تفسيرا منطقيا للتاريخ العلائقي وحركته صعودا أو هبوطا.
بالنسبة لتركيا، فمن غير الممكن تفهم دوافعها لإقامة علاقات إيجابية مع إسرائيل لها صفة الدوام وطابع الاستمرارية سوى في ضوء التركة الثقيلة التي خلفها العثمانيون لقادة الجمهورية التركية الناشئة التي انبثقت عن معاهدة لوزان الموقعة في العام 1923 بين الحلفاء وبين حكومة أنقرة القومية برئاسة أتاتورك وكتبت فصل الختام لاضطرابات ما بعد الحرب العالمية الأولى. 
في لوزان حيث أعيد تشكيل منطقة الشرق الأوسط بالكامل، ألغيت السلطنة العثمانية للأبد وتم التوافق بين الأطراف المتفاوضة على إقامة جمهورية تركية على أنقاض الإمبراطورية المقبورة، وقد أصبح مفروضا على تركيا تبعا لبنود المعاهدة أن تخوض صراعا على كل حدودها، مع الاتحاد السوفيتي إلى الشمال من البحر الأسود، ومع الامتدادات الجغرافية القديمة للاحتلال العثماني، في اليونان والبلقان، وكذلك في العالم العربي.

 
ولقد كان الثقل في الوجود السوفيتي أولا، ثم الأزمات الحادة مع سورية والعراق ثانيا سببا قويا دفع الأتراك إلى البحث عن حليف دائم تمثل في الولايات المتحدة الأميركية. فقد تابع الاتحاد السوفيتي الذي ولد عملاقا بموارده الهائلة وإمكانياته الجيوسياسية الجبارة و إيديولوجيته الشيوعية ذات التوجه العالمي نفس الرغبة القديمة لروسيا القيصرية في الوصول إلى المياه الدافئة للبحر المتوسط من خلال السيطرة على البحر الأسود و منطقة المضائق في البوسفور والدردنيل. 
وفي الجنوب، كانت معاهدة لوزان قد ضاعفت من العداء التاريخي بين الأتراك والعرب وحولته من نطاقاته القديمة كصراع بين محتل "هو الطرف التركي" وبين مقاوم للمحتل "هو الطرف العربي" إلى نزاعات على الحدود وعلى الموارد بين الطرفين خاصة من طرف تركيا التي استولت على "لواء إسكندرونة" التابع  لسورية، وأظهرت طمعها الدائم في مدينتي الموصل وكركوك العراقيتين والغنيتين بخام النفط. 
لقد بدأ التطلع التركي إلى واشنطن في وقت مبكر للغاية وفي الأروقة الخلفية لاجتماعات لوزان نفسها، حيث تولى"عصمت إينونو" رئيس الوفد التركي في المفاوضات عملية إجراء محادثات موازية ومنفردة مع أعضاء البعثة الأميركية لتدشين تحالف استراتيجي بين البلدين. 
ولكن حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، ظلت المساعدات الأميركية المقدمة إلى تركيا على مستوى الدعم المالي أو التسليح بعيدة تماما عن توقعات الأتراك، الأمر الذي دفعهم إلى البحث عن وسيط على درجة كبيرة من الثقل يمكنه النفاذ إلى دائرة صناع أصحاب القرار في البيت الأبيض كما الكونغرس. ولم تكن تركيا لتجد بغيتها تلك سوى في إسرائيل الناشئة فوق الأرض العربية المغصوبة واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة من ورائها.

الهرب من كماشة العرب
وفي الوقت الذي نظرت فيه تركيا إلى إسرائيل باعتبارها وسيلة لنيل غرض، نظرت إسرائيل إلى تركيا باعتبارها "حليف تاريخي" و"صديق عظيم القيمة" لا بد من جعله على الدوام إلى جانب تل أبيب وفي صفها. 
إن الذاكرة اليهودية بخصوص أتراك الأناضول وماضيهم العثماني لا تزال تحتفظ إلى اليوم بصور زاهية وملونة عن السلطنة العثمانية التي فتحت أبوابها واسعا أمام شتى الهجرات اليهودية من أوروبا إليها، وكان أهم تلك الموجات ما جرى في نهايات القرن الخامس عشر حين سمح السلطان العثماني ليهود السفارديم الانتقال من إسبانيا إلى المدن العثمانية حيث أتيح لهم الانتعاش الاقتصادي واللاهوتي طوال القرون التالية.
ومنذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، عاش الرعيل الأول من الحركة الصهيونية بأنفسهم في الشرق داخل المستوطنات التي أقاموها في صحراء الجليل بفرمانات عثمانية. وخلال ذلك الوقت الطويل، كان للصهاينة دور رئيس في توجيه دفة السياسة في إسطنبول وإدارة ماليتها، وقد عاشوا بأنفسهم اللحظة التي انهارت فيها الدولة العثمانية وتأسست الجمهورية التركية على أنقاضها. وإذا كان ثمة درس قد استخلصوه من تجربتهم الثرية تلك فهو أن تركيا أيا ما كانت في نسخة عثمانية أو علمانية فإنها ستكون نصيرا مخلصا لإسرائيل وعونا عظيما لقضيتها.


لقد نشأت إسرائيل فوق الأرض الفلسطينية في العام 1948 كنقطة عبرية صغيرة وسط محيط عربي واسع، وعلى الرغم من الدعم الغربي البريطاني ثم الأميركي اللامحدود لإسرائيل فإن قادتها اعتبروا أنفسهم يعيشون مأزقا جغرافيا صعبا تحاصر فيه تل أبيب من قبل كتل ضخمة ناطقة بلغة الضاد في مصر وسورية والعراق. 
الحصار الذي رغبت إسرائيل في الفكاك منه، رأت ضرورة مواجهته من خلال تحالفات مع قوى تتشارك مع إسرائيل نفس العداء وذات الخصومة تجاه عرب الشرق الأوسط، وإن تحالفا كان من اليسير على إسرائيل أن تجد أطرافه في ظل الظروف التاريخية للمنطقة والتي كانت تل أبيب على دراية تامة بها. 
ففي الرؤية التي صاغها ديفيد بن غوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل، ومعه إلياهو ساسون أحد قادة إسرائيل وواحد من أقدم الخبراء الصهاينة بمنطقة الشرق الأوسط، تم التأكيد على أن إسرائيل يمكنها النجاة من خلال التعاون مع الأقليات العرقية والدينية داخل الشرق "مثل الأكراد شمال العراق، والموارنة في لبنان"، ثم تشكيل تحالفات واسعة مع قوى طرفية إما تتماس مع عالم العرب "في حالة تركيا، إيران"، أو لها مقدرة التأثير سلبا من بعد على ذلك العالم "في حالة إثيوبيا"، وقد أطلق على رؤية بن جوريون وساسون اسم "الحزام المحيطي"، وضمنوا في حال تعرضت تل أبيب إلى هجوم عربي أن توجه حرابها مباشرة إلى دمشق وبغداد والقاهرة.

الحزام المحيطي.. تل أبيب تطوق العرب
في "الحزام المحيطي"، تحتل تركيا موقعا مركزيا من الرؤية الصهيونية، حيث أدركت إسرائيل أن القدس الشريف لم يكن في نظر الأتراك قضية دينية بقدر ما كان ورقة سياسية ممتازة يمكن الضغط بها في المناورات السياسية مع قوى الغرب الأوروبي كما جرى سابقا في أثناء الحرب العالمية الأولى، وأن العلاقة التاريخية الممتازة بين الصهيونية والأتراك، ثم العداء المتأصل بين الأتراك والعرب، وأخيرا رغبة أنقرة الملحة في الحصول على دعم الولايات المتحدة ستجعل من تركيا حليفا دائما وموثوقا لإسرائيل.
ولقد كانت نبوءة بن غوريون وساسون في محلها تماما، ففي العام 1947، وعندما صدر قرار من الأمم المتحدة بتقسيم أرض فلسطين بين العرب واليهود قامت تركيا بالتصويت ضده، ثم عادت في 28 مارس من العام 1949 لتصبح أول دولة مسلمة تعترف رسميا بالكيان الصهيوني بين أروقة الأمم المتحدة.
وفي صيف العام 1951، اصطفت تركيا مع القوى الغربية ضد قرار مصر إغلاق الممر الملاحي لقناة السويس أمام السفن الإسرائيلية، بل إن المسؤولين الأتراك صاروا يغازلون الولايات المتحدة من خلال إظهار مدى إخلاص بلادهم  للقضية الصهيونية، إذ صرح "عدنان مندريس" رئيس الوزراء التركي أثناء زيارة له إلى واشنطن في يونيو من العام 1954 أن "الوقت قد حان ليعترف العرب بحق إسرائيل في البقاء". 
في إطار تلك التصرفات المتلاحقة، يمكننا النظر إلى خمسينيات القرن العشرين باعتبارها العقد الذي شهد انتقال "الحزام المحيطي" من مرحلة التنظير إلى التطبيق العملي، بعد أن أصبحت التحولات الجديدة في الشرق الأوسط هي التي توجه تركيا بشكل حثيث نحو جعل تل أبيب داعمها وحليفها الرسمي.
ففي الخمسينيات، نشأت القوميات العربية في مصر وسورية على أنقاض الوجود الكولونيالي ثم تقاربت أيديولوجيا وبوضوح مع الاتحاد السوفيتي، ولما فشلت تركيا في تقويض المد العربي بعد فشل حلف بغداد التي انضمت إليه، فإنها قررت نهائيا أن تولي قبلتها نهائيا تجاه إسرائيل. 

الميثاق الشبح 
فعندما اندلعت حرب السويس _ والمعروفة باسم العدوان الثلاثي _ في العام 1956 واجتاحت القوات الإسرائيلية سيناء، اختارت تركيا العودة إلى سيرتها الأولى في التلون واتخاذ مواقف ظاهرية تتضاد وسياستها في الواقع، فتراها من جانب تخفض تمثيلها الديبلوماسي مع إسرائيل في إطار ما سمته بالاحتجاج على العدوان الإسرائيلي، بينما أنه في أعقاب عامين فقط من الحرب كانت إسرائيل قد وقعت مع دول الحزام المحيطي اتفاقات شفاهية واسعة وعلى درجة كبيرة من السرية، تلك الاتفاقات التي سيطلق عليها لاحقا اسم إعلامي هو "الميثاق الشبح" بعد الكشف عنها أخيرا منتصف الستينيات. 
لقد انبثق الميثاق الشبح عن اجتماع سري عقد في أغسطس من العام 1958 بين بن جوريون وعدنان مندريس نتج عنه تحالف على قدر كبير من الخطورة بين الطرفين في المجالات الاقتصادية والديبلوماسية والعسكرية، واشتمل على زيادة التعاون وتنشيط التبادل التجاري بين الطرفين، ودعم الصناعة التركية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والسماح بالمناورات العسكرية الإسرائيلية فوق الأراضي التركية، واستخدام تركيا كقاعدة دائمة يعمل منها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على تقوية الجيش الإسرائيلي، وضرورة تبادل العون العسكري بينهما في حالة الطوارئ.

 

هكذا نجحت إسرائيل في ضمان حليف لها على درجة كبيرة من الثقل الجيوسياسي كان من شأنه أن يحقق لإسرائيل التوازن الإقليمي أمام العرب وأن يفك الحصار السياسي المفروض عليها والذي زادت حدته بإعلان الوحدة بين مصر وسورية في نفس عام توقيع الميثاق الشبح، فإذا كانت دمشق والقاهرة قد وضعت الكيان الصهيوني بين فكي كماشة، فإن أنقرة مثلت خنجرا يمكن أن توجهه إسرائيل بسهولة إلى شمال سورية .
وفي مقابل ذلك الدعم السياسي واللوجستي، أثبتت إسرائيل أنها قادرة على الوفاء بواجباتها تجاه الصديق التركي، فعندما رفضت الولايات المتحدة الأميركية في الخمسينيات تقديم أية قروض جديدة إلى تركيا، قدمت إسرائيل إلى الأخيرة قرضا قيمته 150 مليون دولار، كما أن اللوبي اليهودي في واشنطن واصل دعمه لأنقرة في واشنطن. 
مقابل ذلك، بات من الواضح أن إسرائيل صارت بموجب التحالف تتصرف كما يحلو لها في تركيا وتتحكم في توجهاتها وتستدل على الأخيرة بدعمها ماليا واقتصاديا وسياسيا إلى الحد الذي عجز الأتراك أمامه عن التصرف كدولة ذات سيادة، وهو أمر عبر عنه بن غوريون في تصريحه بالقول: "تركيا تهددنا بسيادتها، ولكننا تزوجنا بها فعلا وهي عاجزة عن تقبل ذلك". 

بطولات زائفة لكسب النفط
وحتى منتصف الستينيات، ظل التحالف التركي الإسرائيلي فاعلا في كل ميادينه، وكان أن أمسكت تركيا بالعصا من المنتصف على عادتها بعد ظهور "المسألة الفلسطينية" في أعقاب حرب 1967، حيث راحت توازن بين تماهيها الظاهري مع التعاطف الشعبي التركي تجاه قضية اللاجئين الفلسطينيين وبين عملها السري مع تل أبيب.
ولكن السبعينيات شهدت تغيرا مهما في العلاقات التركية الإسرائيلية ومدى قابلية الاتفاقات بينهما للتطبيق، فمع الأزمة الطاحنة التي عاشتها أنقرة على صعيد الطاقة، وجد الأتراك أنفسهم في حاجة إلى التقرب من العرب من جديد خاصة في منطقة الخليج الغني بالنفط لعلاج مشكلاتهم الاقتصادية الخاصة، وفي سبيل ذلك، عمدت تركيا إلى اتخاذ مواقف حاولت من خلالها الظهور كبطل داعم للقضية الفلسطينية أمام الرأي العام العربي والإسلامي. 
لقد رفضت تركيا استخدام قواعدها من قبل الناتو في حرب الأيام الستة للعام 1967 ، ثم عادت في أكتوبر من العام 1973 لترفض نفس الأمر من قبل الولايات المتحدة بعد أن نجح الجيش المصري في العبور إلى الضفة الشرقية من قناة السويس بادئا حربه من أجل تحرير شبه جزيرة سيناء. وبتلك الصورة، ضمنت أنقرة المكافآت الخليجية السخية.  
وقد بدا أن لعبة تركيا من أجل المال النفطي مجزية ومربحة، وبالتالي فإنها واصلت قراراتها في سنوات ما بعد حرب العبور في سبيل المزيد من المكافآت الخليجية، ففي العام 1975 صوتت تركيا مع العرب داخل أروقة الأمانة العامة للأمم المتحدة للموافقة على مشروع طلب عربي باعتبار الصهيونية فكرة عنصرية، وفي يونيو من نفس العام اعترفت تركيا بمنظمة التحرير الفلسطينية، ثم سمحت لزعيم الحركة "ياسر عرفات" بفتح مكتب للحركة في أنقرة خلال العام 1979.
وفي العام 1980، رفضت الحكومة التركية الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل وخفضت من مستوى التمثيل الديبلوماسي مع الأخيرة. ومكافأة لها على البطولة الورقية، عاد وزير الخارجية التركي "إلتر توركمان" في ذلك الحين من الرياض وفي يده شيك من المملكة العربية السعودية بمبلغ 250 مليون دولار.  

الطريق إلى "السنوات الذهبية"
ولكن مع التحولات الإقليمية خلال الثمانينيات بدا أن تركيا يمكنها أن تعود من جديد إلى أحضان حليفتها التاريخية إسرائيل، ففي ظل ظهور حزب العمال الكردستاني، وفي ظل دعم النظام السوري لمقاتلي الأكراد، لجأ الأتراك فورا إلى إسرائيل لطلب مشورتها حول كيفية التعاطي عسكريا مع الميليشيات الكردية خاصة أن الأكراد تشابه قتالهم والفصائل الفلسطينية التي خبرتها إسرائيل جيدا، وفي أواخر العام 1986، عينت تركيا "أكرم جوفيندرين" مندوبا لها في تل أبيب ليكون حلقة الوصل بينها وبين حكومة أنقرة. 
وإذا كانت العودة التركية إلى تل أبيب قد جاءت على هذه الصورة، فإن بداية التسعينيات شهدت التفعيل الكامل للعلاقات بين البلدين، فأمام قبول العرب وضع السلاح وقبول الاشتراك في مفاوضات السلام التي جرت في مدريد العام 1991، فإن تركيا لم تعد في حاجة إلى أن تخفي علاقتها الحقيقية بالكيان الصهيوني، وهكذا ففي نفس عام مؤتمر مدريد، سحبت تركيا تصويتها ضد الصهيونية في الأمم المتحدة، كما قررت أن ترفع تمثيلها الديبلوماسي مع تل أبيب إلى أقصى درجة، حيث تم تبادل السفراء بين الجانبين لأول مرة منذ إنشاء إسرائيل، ليبدأ بذلك ما اصطلح على تسميته "العصر الذهبي" أو "شهر العسل" في تاريخ العلاقات بين البلدين.

Qatalah