يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


الأغنية هي خزانة آلام الشعوب وأفراحها، وكان للشعب الفلسطيني رصيد وافر فى تلك الخزانة، لكن من الأحزان والنواح والألم فقط، بما حفظته الأغنية الشعبية - وعلى رأسها "الشلعيات" - من سجلات المآسي والقهر على يد المحتل العثماني، طوال أربعة قرون بائسة.

فرض العثمانيون ضرائب باهظة إلى جانب الجزية على الشعب، ما أدى إلى انتشار القحط والفقر في كل مكان من الولايات العربية تحت حكمهم، وفى مقدمتها فلسطين، وحفظت لنا ذاكرة الأمثال الشعبية الفلسطينية صورة هذا القحط، بعبارت خاطفة تلخص المأساة مثل "راحت جوابي وعشور" كناية عن ذهاب أموال الناس في تسديد الضرائب العثمانية الباهظة.

ابتلى العثمانيون أهل فلسطين بالتجنيد الإجباري، الذي أفنى حياة مئات آلاف الشباب في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، فيما لم يتم تجنيد العرب للدفاع عن بلادهم، بل من أجل خوض حروب الأتراك في أوروبا وآسيا، وكان أغلبية المجندين يلقون حتفهم، بسبب سوء الإدارة العسكرية ونقص الإمدادات ووائل العلاج والأنقاذ، فضلا عن الفساد فى الجيش العثمانى، فكان التجنيد مصيبة حلت على العرب، وعبرت الاغنية الشعبية الفلسطينية عن ذلك في بكائيات عرفت باسم "الشلعيات".

جيش الهلاك

بدأ تجنيد العرب في الجيش العثماني في عهد السلطان محمود الثاني عام 1826، وكانت مدة الخدمة العسكرية تصل إلى 25 عاماً، يلقى الأتراك خلالها بالكتائب العربية في مناطق القتال والموت، ما أدى إلى هلاك عشرات الآلاف من الشباب العرب، فيما استثنى الأتراك الأغنياء من التجنيد، مقابل دفع رشاوى مالية، لكن حظ الفقراء غالبا كان الموت.
كانت النسوة تبكي وتصرخ إذا جاء دور أبنائهم فى التجنيد، فقد كان نذير شؤم يشرد العائلات ويفرق الأحبة، خاصة من لا عائل لهم سوى الإبن أو الزوج المطلوب للخدمة.

حفظت لنا الذاكرة الشعبية معاناة العائلات الفلسطينية في بكائيات، تعبر فيها الأمهات والزوجات عن فقدان الأحبة وغربة الشباب عن الوطن. وسميت هذه الأغاني "الشلعيات"، من الشعلة، أي الكلام الذي يشعل القلب ناراً من الحزن والألم على ضياع مئات آلاف الشباب في جيش الهلاك العثماني.

خدني معك

كانت الأستانة تجبر الشباب على الانخراط في الجيش والسفر إلى الثغور وساحات القتال، وغالباً لا يعود من يذهب في مثل هذه الحملات، لذلك تطلب المرأة من زوجها أن يصحبها معه، فقد كانت تعلم أنها لن تراه مرة أخرى، كما ذكر عمر عودة في كتابه " البكائيَّات في الأدب الشَّعبيِّ الفلسطينيِّ".

وصفت أغنية شعبية ألم الفراق بسبب التجنيد بكلمات تقطر حزناً على لسان زوجة حزينة: 

سَافِرْ وْخُذْنِي مَعَاك فِي الْبَحَر وِارْمِينِي - بَصْبِر عَ المُوت ما بَصْبِر تْخَلِّينِي / سَافِر وْخُذْنِي مَعَاك عَلَى كِتْفَك- وْعَلِّقنِي بَصْبِر عَ العَذاب مَا بَصْبِر تْفَارِِقْنِي.

فى أغنية أخرى تناشد زوجة زوجها أن يأخذها معه، لأن حياتها بعده ستخلو من الفرحة، ولن يبقى لها إلا الحزن، تقول المرأة المكلومة: سَافِر وْخُذْني مَعاك عَ مِينْ تْخَلِّينِــي - لا أمَّك حَنًُونة وَلا أخْتَك تْسَـلِّينِي.

مآساة مشعل
يقول الشاعر الفلسطيني توفيق زياد في كتابه "صور من التراث الشعبي الفلسطيني": سجل لنا الأدب الشعبي الفلسطيني قصصاً كفاحية لا تعد ولا تحصى، مرتبطة بالكفاح ضد المحتلين الأتراك والمستعمرين الإنجليز.
يحكي زياد قصة شاب فلسطيني اسمه مشعل حاول الهروب من التجنيد الإجباري، إلا أن الأمن التركي قبض عليه، حيث خلد التراث الفلسطيني القصة التي تعبر عن حال شباب العرب بأغنية شعبية، راجت في فلسطين، تقول كلماتها: عالأوف مشعل أوف مشعلاني- كامي تبلّيته هوّي اللي تبلّاني/ شفت واحد واجف جنب البركة- حاكيته عربي جاوبني بالتركي/ نسوان تحكي والأطفال تبكي- مع مين نحكي تركي أو ألماني/ شفت القانون جاي من بعيد- حبيت أهرب ما طلع بإيدي/ قالي الوثيقة؟ ناولته مجيدة- لطش المجيدة وقالي أنت فراري.
كان مشعل مختبئاً قرب عين ماء هرباً من الأمن التركي، الذي يقبض على الشباب من أجل الترحيل إلى معسكرات الجيش العثماني، ثم طارده الأمن، وحاول مشعل رشوة الجندي التركي، على عادة الجنود العثمانيين، إلا أن التركي أخذ الرشوة ثم قبض على مشعل، وساقه إلى التجنيد وسط بكاء وصراخ أهله، حزناً على مستقبله وحياته التي ستضيع في خدمة الأتراك.
تكشف الأغنية عن تغلغل الألمان في الدولة العثمانية، فقد استعانت بهم تركيا من أجل تحديث الجيش، وفرض السلطة على بلاد العرب، فيما لم يشعر العرب يوماً بأن جيش االسلطنة يحميهم، أو أن الحروب التي يخوضها هي حروبهم، لذلك عبرت الأغاني عن ظلم التجنيد، بينما نجد لاحقاً نفس التراث الفلسطيني يمجد أعمال المقاومة والتضحية بالنفس ضد الاحتلال البريطاني والإسرائيلي، ذلك لأن المعركة صارت معركتهم.

"هي يمّا ودعيني"
تناولت الأغنية أيضا قصة الوداع الأليم بين الابن المجند وأمه، ساعة يدرك الشاب أنه قد لا يعود، بل لن تعود جثته إلى أهله على الأرجح، فلم يكن للعربي حياً أو ميتاً قيمة لدى المحتل العثماني، بل كان مجرد رقم يجرى محوه بعد كل معركة.
يقول شاب لأمه، بكلمات تدمي القلب المكلوم: هي يمّا ودعيني قبل ما أمشي- ما تدري بعثراتي وأنا أمشي/ هي يما ودعيني قبل ما روح- ما تدري بعثراتي وين أروح/ ما صبر صبري لا يوسف ولا نوح- ولا أيوب لمنه ابتلى.

"راحت جوابي وعشور"
لم يقتصر التعبير الفلسطيني عن فساد وظلم الأتراك على الأغنية بل تعداها إلى الأمثال الشعبية، والقصص.
يذكر توفيق زياد مثلا متداولا عن فساد العثمانيين هو "راحت جوابي وعشور"، والذي يصور ضياع أموال الناس، كما ذهبت أموال الناس في العهد العثماني.
بينما تحكي قصة شعبية رائجة استعباد الأتراك للفلسطينيين، بأحداث وقعت أثناء بداية الاحتلال البريطاني، إذ يجمع الحاكم البريطاني وجوه أهل حيفا، ويطلب منهم أن يفصحوا عن رأيهم في الحكم الجديد واختلافه عن الحكم العثماني الذي ولى، ويرد عليه رجل يُدعى "أبو الميناء" بالقول إن حال فلسطين لم يختلف في العهدين، في الأول لم يكن لهم حول ولا قوة، وفي الثاني لم يتغير شيء، ثم يختم كلامه قائلاً :"هكذا نحن يا ســيدي في العهد التركي مركوبون وفي عهدكم مركوبون".

طقوس غرس الموتى
كانت مأساة العرب في جيش الأتراك مضاعفة، فقد كان الموت مصير أغلب الشباب، والأمر الآخر أن من يموت يُدفن غريباً عن الوطن، فكان الأهل يزرعون نبتة أو شجرة في حديقة البيت، تذكرهم بابنهم المفقود في جيش الموت التركي. 
يقول عمر عودة في كتابه: تبدأ عملية الربط بين الإنسان والنبات في البكائيات الشعبية الفلسطينية بعملية الدفن، فيكون غـرس النبات إشارة إلى دفن الميْت، وبذلك فإن الدفن زراعةٌ يُنتظر نموها وبعثُها في الحياة، فقد قيـل في الجنود الذين لاقُوا حتفَهم، في الخدمة العسكرية لدى الدولة العثمانية:  وَاالله لَزْرعِك فِي الدار يا عُودَ اللوزِ الأَخضر - وَنا قلْبِي حارِقــنِي عَلِلي تقيد في العسْـكر/  وَاالله لَزْرعِك فِي الدار يا عُـــود البَنْدُوره - وأنا قلبي حارقــني على اللي تقيد في الدولة.

Qatalah