يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم تفلح مساعي إردوغان الرامية إلى إسكات صوت المعارضة، فعلى الرغم من حملات التنكيل وقرارات إغلاق أحزاب سياسية، إلا أن "الشعوب الديموقراطي" ظل من أبرز الكيانات التي تقف حجر عثرة ضد رجب وأطماعه. 
هدد الحزب عرش الرئيس التركي، وتمكن من حصد عشرات المقاعد في برلمان 2015، مستغلاً الكتلة التصويتية للأكراد في مناطق الجنوب والجنوب الشرقي للبلاد، بينما استطاع بعض نوابه اقتناص عضوية المجلس من داخل سجون سلطان أنقرة.

تجسدت أبرز مظاهر قمع نظام إردوغان ضد "الشعوب الديموقراطي" في نوفمبر 2016، باعتقال عدد من رموزه في مقدمتهم صلاح الدين دميرطاش، وفيجان يوكسكداغ رئيسا الحزب، إضافة إلى 9 من نوابه ردا على معارضة عناصر الحزب للهجوم العسكري على عفرين شمال سورية ضد وحدات حماية الشعب الكردية.

يعود تأسيس الحزب إلى 15 أكتوبر عام 2012، بزعامة فاطمة كوك وبافوز أونين، ويقدم نفسه بصفته ممثلا لجميع أطياف الشعب التركي، خاصة المضطهدين والاشتراكيين اليساريين، ما تسبب في غضب إردوغان الذي يريد تركيا خالصة لجماعته.

باعتقالات نوفمبر 2016 وحبس أبرز قادته حاول إردوغان تحجيم نفوذ الحزب في البرلمان لكن الشعوب الديموقراطي واصل نجاحه وأثبت حضوره في انتخابات يونيو 2018، وحصد 11.6 % من إجمالي عدد المصوتين، ليقتنص 67 مقعدا من أصل 600 ويصبح ثاني أكبر حزب معارض بعد "الشعب الجمهوري" وثالث أكبر حزب في البرلمان.

الهيكل التنظيمي للحزب 
يدافع برنامج الحزب عن قيم الديموقراطية الاشتراكية، ومناهضة القومية، ويتبنى تمثيل الأغلبية من فئات الشعب فضلا عن محاربة الاستغلال والتمييز العرقي والطائفي والسعي لتوفير حياة كريمة للمواطن، وتحت شعار "ترسيخ المساواة بين الجنسين" يقتسم مقعد رئاسة الحزب امرأة ورجل.
ينفي الشعوب الديموقراطي الاتهام بأنه صوت الأكراد مشددا على أنه لا يعبر عن  هوية أو عرق محدد وهدفه تمثيل جميع المواطنين دون النظر إلى معتقد ديني أو توجه سياسي، في الوقت الذي يرفض الممارسات القمعية لإردوغان وحزبه الحاكم مؤكدا أن النظام الحالي في تركيا أبعد ما يكون عن الديموقراطية.
حداثة الحزب، وترويج الحكومة الأكاذيب حوله بأنه ممثل الأكراد وواجهة سياسية لحزب العمال الكردي، واضطهاد عناصره لم تمنعه من خوض الانتخابات ففي نوفمبر 2015 حقق نسبة عالية بلغت 13,01 % ليمثله  57 نائبا في البرلمان.

عقب مسرحية الانقلاب التي قام بها إردوغان في يوليو 2016 اعتقلت السلطات أكثر من 350 من أعضاء الحزب بتهمة الإرهاب في مقدمتهم دميرطاش وففيغين يوكسيك داغ زعيما الحزب.
حكم على دميرطاش في سبتمبر الماضي بالسجن 4 سنوات و8 أشهر بتهمة الدعاية لمنظمات إرهابية، فيما يظل ماثلا أمام القضاء في قائمة طويلة من الاتهامات المزيفة التي يأتي على رأسها تأسيس جماعة متطرفة وإدارة وترويج الأفكار الإرهابية، ما يعني أن الأحكام المتوقع أن تصدر في حقه تبلغ 142 عامًا،  أما  حكم وفيجان يوكسكداغ فقد قررت المحكمة سجنها 6 سنوات في مارس 2017، وتراوحت أحكام  باقي النواب بين 4 و7 سنوات.
وجه النظام تهما مزيفة للمعتقلين، منها المشاركة في أعمال عنف والارتباط بحزب العمال والسعي لتشكيل تنظيم يهدف إلى ارتكاب الجرائم والانتساب إلى تنظيم متطرف وتأمين السلاح للعناصر الإرهابية ومشاركتهم والترويج لصالح مسلحين يحاربون الدولة التركية.
وردا على حركة القمع  قرر الحزب تجميد أنشطته البرلمانية وقتها، وأكد  أيهان بلغن المتحدث باسم الحزب على أن الأعضاء مستمرون في البرلمان لكنهم لن يشاركوا في الجلسات.


لم تمنع الاعتقالات أعضاء الحزب من مواصلة المسيرة والوقوف في وجه رجب، فكانوا أبرز الرافضين للانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي الذي مرره إردوغان في الاستفتاء الذي جرى في أبريل 2017 ، وأطلق الحزب وقتها حملة مضادة للاستفتاء ليفضح وجه إردوغان القمعي، وأكمل مشواره بخوض انتخابات البرلمان في يونيو 2018 ليشكل مصدر إزعاج لحزب العدالة والتنمية تحت قبة البرلمان.
حقق الحزب نتائج جيدة بالرغم من أن أغلب قادته في السجن، متحديا الضغوط الرهيبة والتقييدات التي مارسها النظام عليه في العملية الانتخابية من خلال عشرات المخالفات والخروقات أثناء إدلاء الناخبين بأصواتهم في المدن والبلدات.
يؤكد الحزب أن نحو 11 ألفا من أعضائه- بنسبة ثلثي إجمالي عدد الأعضاء- تم اعتقالهم من قبل نظام إردوغان منذ أحداث نوفمبر 2016، ولكن هذا لم يمنع فوز القيادية في الحزب ليلى جوفان التي تقضي عقوبة السجن بتهمة انتقاد الاحتلال العسكري التركي لعفرين السورية، بينما رفضت السلطات الإفراج عنها حتى بعد فوزها بعضوية البرلمان. 
يحرص الحزب دائما على تعيين رجل وامرأة في منصب رئيس الحزب، ففي بداية مشواره عام  2012 تزعمه فاطمة كوك وبافوز أونين ولم يستمرا في القيادة سوى عام واحد، ليرأسه بعد ذلك أرطفرل كوركجو وصبحات تونجيل  ثم أجريت انتخابات داخلية للحزب في 2014 أسفرت عن اختيار فيجان يوكسكداغ  وصلاح الدين دميرطاش كزعيمين جديدين.
وفي فبراير 2018، اختار الحزب قيادة جديدة خلال مؤتمره العام، النائب السابق سيزاي تيميلي (54 عاما)خلفا للزعيم المعتقل صلاح الدين دميرطاش، وبروين بولدان (50 عاما)رئيسة مشاركة للحزب.
وتمثل الإزعاج الأكبر من الحزب لنظام إردوغان خلال  الانتخابات الرئاسية بترشيح زعيمه المعتقل  صلاح الدين دميرطاش ليتمكن الأخير من الحصول على 8.1 % من الأصوات رغم أنه خاض المعركة الانتخابية من سجنه في أدرنة.

Qatalah