يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


على الرجعية والفساد، اجتمع الشيخ والأغا في دولة آل عثمان، وتعاونا على الإثم والعدوان في البلاد، إذ تلاقت مصالح طبقة العلماء، والتي يترأسها "شيخ الإسلام"، مع مصالح الإنكشارية، فتحكما في مصير الدولة بسلاح الفتوى وقوة العسكر، واستخدما من أجل ذلك سلاطين ضعاف انشغلوا بمطاردة الجواري في حرملك القصر السلطاني.

الإنكشارية كانت في حاجة إلى الشرعية في صراعها لاحتكار السلطة والنفوذ، وهي ما تملكه المؤسسة الدينية التي كانت في حاجة إلى القوة العسكرية التي توفرها الإنكشارية، فنشأ التحالف بينهما، فكانت فتاوى العلماء تشرعن بغي الإنكشارية، وبنادق الإنكشارية تحمي مصالح العلماء.

العلاقة بين الطرفين لم تسر على وتيرة واحدة، فقد شهدت خلافات متفرقة انتهت بعدد من رؤوس شيوخ الإسلام المعلقة على الخوازيق. لكن الحلف بين الجانبين زاد تماسكا ورجعية مع تدهور السلطنة، خصوصا في القرنين الثامن والتاسع عشر، فكان على أي سلطان راغب في التحديث أن يقضي على كل منهما، وهو ما نجح فيه محمود الثاني بعد فشل مقتل اثنين من أسلافه في محاولات سابقة.

دين وسلطة
شيخ الإسلام كان الشخصية الثالثة في الدولة العثمانية من حيث الأهمية بعد السلطان والصدر الأعظم، وإن كانت مكانته الأدبية تأتي مباشرة بعد السلطان، وكان له عبر مركزه تأثير كبير فيها. لقد كانت الكلمة الأخيرة في القضايا الدينية تعود إليه، وكانت القضايا الدنيوية للدولة تحتاج إلى فتواه، في إعلان الحرب كما في تحقيق الإصلاحات والتغييرات الحكومية.

لقد كان من حق شيخ الإسلام عبر فتواه أن يقرر ما إذا كانت انتفاضة ما قامت بوجه الدولة شرعية أم باطلة، وما إذا كانت المطالبة بالعرش صحيحة أم غير قانونية.

منذ بداية تأسيس مركز شيخ الإسلام، وما تبعه من إضافة صلاحية التعيين في طبقة العلماء إلى المنصب، منتصف القرن السادس عشر، كان له تأثير سياسي في شؤون الحكم والإدارة.

وفي القرن السابع والثامن عشر، حيث تتابع على الحكم أكثر من سلطان في سن الطفولة، ولم يكن هناك وزراء عظام أقوياء، ازداد ميل شيخ الإسلام للتدخل في الدولة، وقوى النفوذ الديني له، وكانت تلك الفترة التي شهدت انحطاط الدولة العثمانية، وزيادة تمردات الإنكشارية والميليشيات العسكرية.

شيخ الإسلام وطبقة العلماء أخذوا في الاتفاق مع الإنكشارية، مما زاد في ضغط هذه القوة للتخلص من السلاطين والوزراء الذين حاولوا التصدي لهذا التحالف.

حلف البغاة
تعاون الطرفين نجح في التحكم في قرار السلطان في تولية شيوخ الإسلام، حتى لا يأتي شخص مناوئ لقادة طبقة العلماء أو الإنكشارية. خوجه زاده مسعود كان ممن وصلوا إلى المنصب بإرادة الإنكشارية عام 1656، وكان أحد أدواتهم في السيطرة على السلطة وفي خلافه مع الصدر الأعظم اتفق مع الإنكشارية على إثارة الفوضى، لإجبار السلطان على عزله، لكن خصومه سبقوه ووشوا به إلى السلطان الذي أمر بقطع رأسه.

عام 1603، ثارت الإنكشارية اعتراضا على عزل الصدر الأعظم حسن باشا، وانضم إليهم شيخ الإسلام وقاضي العسكر، وكتب العلماء رسائل إلى السلطان محمد الثالث، بمطالب الجند وحققوا مطالبهم.

حين أراد السلطان عثمان الثاني أن يسافر في ثياب الحج إلى بلاد العرب، كحجة للتمويه على الهدف الحقيقي، وهو تكوين جيش جديد أحسن تنظيما من الإنكشارية، وتكون عناصره من العرب، تكاتف شيخ الإسلام محمد أسعد، والصدر الأعظم والإنكشارية ضده، وأصدر شيخ الإسلام فتوى بأن الحج ليس ضروريا للحاكم.

بعد إصرار عثمان الثاني على السفر ورفض الفتوى، تدخلت الإنكشارية والسباهية، بعد أن أجاز شيخ الإسلام عزل السلطان، وتم عزله ثم قتله عام 1648.

مصير السلطان إبراهيم، حدده شيخ الإسلام عبد الرحيم أفندي و الإنكشارية الذين تمردوا على السلطان، مستندين إلى فتوى عبد الرحيم، وعزلوه، ثم قتلوه بفتوى تبيح ذلك.

نهاية السلطان مصطفى الأول كتبها التحالف الثنائي، فقد كان المفتي مناوئا للسلطان وقام بإثارة  الإنكشارية ضده حين عودتهم من غزو بلاد الفرس، فهاجموا العاصمة ولم يكن السلطان فيها، وأصدر المفتي فتوى بخلعه، ونفذت الإنكشارية الفتوى.

مرة ثانية، أعادت الإنكشارية مستندة إلى رجال الدين السلطان مصطفى إلى الحكم، بعد قتلهم عثمان الثاني، لكن قاموا بعزله وتولية مراد الرابع بكل بساطة.

أحمد الثالث كانت نهايته على يد التحالف الثنائي أيضا، وقام قاضي إسطنبول ظلالي أفندي بتدبير مؤامرة لعزله، وأشرك الإنكشارية فتمردت، وصدرت فتاوى المؤسسة الدينية بعزل السلطان، وتم ذلك.

أعداء الإصلاح
محاولات الإصلاح والتحديث العسكري التي دعا إليها عدد من النخبة العثمانية وتبناها بعض السلاطين، بدءا من عثمان الثاني وسليم الثالث، كانت تلاقي معارضة شديدة من الإنكشارية ورجال الدين، الذين أدركوا أن التحديث يهدد مصالحهما.

الفساد كان قد استشرى في المؤسسة الدينية، وصار التعيين فيها حكرا على الأقارب، وساد المؤسسة الجمود والتخلف، ولم تعد الكفاءة مقياسا في شغل الوظائف، وأدرك العلماء أن أي تحديث أو إنشاء مدارس جديدة خارج التعليم الديني الخاضع لهم، من شأنه خلق طبقة جديدة تهدد مصالحهم، وتحل مكانهم في وظائف الدولة.

المخاوف ذاتها بدرجة أقوى كانت لدى الإنكشارية، فوجود فرق عسكرية نظامية كان من شأنه إزاحتهم والقضاء على امتيازاتهم التي طالما أخذوها، بدعوى أنهم جند السلطان ونخبته العسكرية.

سليم الثالث كان مدركا لحقيقة تعاون المؤسستين العسكرية والدينية وتحالفهما ضد الإصلاح الذي يهدد مصالحهما، وحاول إصلاح المؤسستين تدريجيا، فقام بإنشاء فرق عسكرية موازية، وبدأ في افتتاح مدارس جديدة، استبعد التعليم الديني منها، بهدف إخراج جيل من المتعلمين خارج سلطة المؤسسة الدينية.

الإنكشارية والمؤسسة الدينية لم يكونا غافلين عن تحركات سليم الثالث، وتحالفا ضده، وتعاون شيخ الإسلام محمد رفيق، وقاضي إسطنبول مراد زاده، مع الإنكشارية في الإطاحة بسليم الثالث عام 1807، ووقف حركة الإصلاح، وانتقمت الإنكشارية من الفرق النظامية التي أنشأها.

منذ ذلك الوقت تبلور اتجاهان في السلطنة، الأول مع الإصلاحات على الطريقة الغربية، والثاني اتجاه محافظ من مراكز القوى التقليدية، وهي المؤسسة الدينية والإنكشارية.

الإصلاح المنشود لم يتحقق إلا في عهد السلطان محمود الثاني، الذي نجح في تفكيك التحالف الثنائي، بضم العلماء إلى جانبه بالامتيازات والأموال، فبقي الإنشكارية وحدهم ضد الإصلاح.

السلطان سحق تمرد الإنكشارية بالقوة، مدعوما بالعلماء الذين أصدروا الفتاوى ضدهم، وحثوا الناس على دعم السلطان ومحاربتهم، كان موقف العلماء ملخصا لانتهازيتهم، ورهانهم الدائم على الفريق الأقوى. 

عداوة الأصدقاء
حلف الشيخ والأغا تخلله فترات متقطعة من العداوة والتنافر، حال تضارب مصالح الفريقين، وكان شيخ الإسلام يدفع رأسه أو منصبه ثمنا لذلك.

بعد عزل الصدر الأعظم خسرو باشا عام 1632، تمردت الإنكشارية وطالبت برؤوس من تسبب في ذلك، وكان من بينهم شيخ الإسلام زكريا زاده، ولم ينقذه من القتل سوى اختبائه في القصر، وتواريه عن الأنظار حتى هدأت الفتنة.

عام 1652 انضمت الإنكشارية إلى المطالبين بعزل شيخ الإسلام أبو سعيد أفندي، وفي عام 1655 انتفضت الإنكشارية ضد الصدر الأعظم وشيخ الإسلام أسعد زاده، وكان مصير الأول القتل، والثاني نهب بيته ونفيه.

في عهد السلطان مصطفى الثاني انتفضت الإنكشارية عام 1703، وعزلوا السلطان وقتلوا شيخ الإسلام فيض الله أفندي، الذي كان له تأثير كبير على السلطان.

كان التحالف بين الشيخ والأغا صورة حية للانهيار الداخلي للدولة العثمانية، كاشفا عن مدى التفسخ الإداري الذي عرفته على مدار قرون عدة كانت فيها ألعوبة في يد الغرب، ولا تمارس القمع إلا على رعايا دولتها، بين الصراع على أشده بين النخبة الحاكمة التي لم يشغلها إلا نهب مقدرات الشعوب.

المصادر :


Qatalah