يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تتوالى أضرار نظام رجب إردوغان على حرية الرأي والصحافة في تركيا، ودخلت 19 صحيفة تركية في مرحلة الاحتضار، وتتجه لغلق أبوابها، على خلفية الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، بعد أن قفزت أسعار الورق المستورد وماكينات وأدوات الطباعة إلى ثلاثة أضعاف ما كانت عليه قبل 4 أشهر فقط، بسبب انهيار قيمة الليرة مقابل العملات الأجنبية.
وفي محاولة منها لتفادي كارثة الغلق قررت 19 صحيفة محلية في مدينة عنتاب إصدار صحفها باللونين الأبيض والأسود، وإلغاء الصفحات الملونة، فضلا عن تقليل عدد الصفحات. 

"حتى لا نموت"
لم تجد نقابة الإعلان الصحافي، التي أجرت في السابق اجتماعا لدراسة تداعيات الأزمة الاقتصادية على الصحف، حلولا غير تقليص عدد الصفحات وتصغير حجم الصحف، بالإضافة إلى تقليل عدد النسخ المطبوعة، وفي تعليق على ما اتخذته النقابة من إجراءات، عبر رئيس صحيفة جونجال التركية يعقوب تشيشك عن استنكاره، وقال إن ما اتخذ من قرارات لم يكن حلا على الإطلاق، فهى سمحت للصحف أن تسير أمورها لفترة قصيرة، وسرعان ما اختفى تأثيرها بعد فترة وجيزة، وأن ما يجب على الدولة فعله من أجل الحفاظ على هذه الصناعة الحيوية هو تخفيض أسعار الورق والقوالب، حتى لا تموت.
يبدو أن الأزمة الاقتصادية التي تلقي بظلالها المخيفة على صناعة الصحافة تأتي على هوى السلطان العثماني رجب إردوغان، فرغم سماحه بزيادة ميزانية مؤسسة الشؤون الدينية التي تتهمها العديد من دول أوروبا بالقيام بأعمال تجسسية على المعارضين، وضربه بإجراءات التقشف عرض الحائط، رفض الرئيس التركي تدخل الدولة لإنقاذ الصحافة، ورفض مطالب دعم أسعار الورق والمواد المستخدمة في الطباعة، التي اقترحتها الصحف. 
أشار رئيس صحيفة جونجال التركية إلى أن أسعار الورق ارتفعت من 40 إلى 120 ليرة تركية بنسبة زيادة بلغت 300 %، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار القوالب من 8 إلى 22 ليرة تركية، بمعدل زيادة ثلاثة أضعاف عن مايو الماضي. وأعرب شيشيك عن استيائه لعدم وجود تحرك ينقذ هذه الصناعة المهمة، التي تقوم بدور كبير في توعية المواطنين الأتراك، فيما تعجز حاليا عن مجابهة تغطية تكاليف إصدارها، الأمر الذي سيؤدي بها حتما إلى التوقف، تشيشك نبه إلى أن الأزمة التي تمر بها الصحافة حاليا أدت إلى خفض تداول الصحف بنسبة 40 %، وأن هذه الحالة لا تلقي بتداعياتها على الصحافيين فقط، وإنما على كل القطاعات الاقتصادية التي ترتبط بها، وكل العاملين في هذا المجال.


سياسات قمعية

تعاني الصحف على الجانب الآخر من ملاحقات النظام الحاكم لها بالمصادرة حينا وعقوبات السجن لمحرريها، وبإجراءات الاستيلاء على ملكيتها حينا آخر، كما حدث بحق مجموعتي إيباك وفضاء، اللتين كانتا تضمان عشرات القنوات التلفزيونية والصحف اليومية والمجلات الأسبوعية، في الأول من مارس 2016.
يأتي هذا في وقت تتزايد أعداد الصحافيين المعتقلين في سجون إردوغان، خاصة عقب مسرحية انقلاب يوليو 2016، حيث شهد اليوم الثاني للانقلاب اعتقال 319 صحافيًّا، وصدرت مذكرات اعتقال بحق 142 صحافيًا آخرين مشردين خارج البلاد، وخلال عام 2017 جرت محاكمة 839 صحافيًّا آخرين في قضايا نشر،  بينما اعتقل 124 صحافيًّا كانوا يعملون في المؤسسات الإعلامية لحركة الخدمة بتهم عضوية منظمة إرهابية والترويج للإرهاب ومحاولة الإطاحة بالحكومة، وهناك 44 صحافيًا متهمون بانتمائهم لحزب العمال الكردستاني أو لاتحاد كردستان، و11 صحافيًّا يساريًّا من جريدة جمهوريت متهمون بالعمل لصالح حركة الخدمة وحزب العمال الكردستاني، وحكم بالسجن المؤبد على عدد من الصحافيين أبرزهم ناظلي إلجاك والصحافي أحمد ألتان وأخوه الصحافي محمد ألتان. 
لم يسلم الإعلام كله من التصفية، حيث أغلق النظام التركي 189 وسيلة إعلامية مختلفة، منها 5 وكالات أنباء، و62 جريدة، و19 مجلة، و14 محطة راديو، و29 قناة تليفزيونية، و29 دار نشر، فضلاً عن كثير من القنوات والإذاعات، بخلاف حجب 127 ألف موقع إلكتروني و94 ألف مدونة على شبكة الإنترنت منها موقع ويكيبيديا الموسوعي الشهير.


30% من المحررين عاطلون

استكمالا لمسلسل القمع يتعرض المعتقلون من الصحافيين في سجون النظام التركي إلى أنواع من التنكيل والإساءة والتعذيب والانتهاك البدني والنفسي، حيث تفرض السلطات قيودًا صارمة على اتصال السجناء مع محاميهم، فضلا عن طول فترة الحبس الاحتياطي، وعقوبة الحبس الانفرادي، والتعذيب النفسي والجسدي، وعدم المراعاة الطبية لذوي الاحتياج من المرضى، وتكديس المحتجزين في عنابر لا تسعهم.
أما عن الصحافيين خارج السجون، فإن 30 % منهم باتوا بلا وظائف، بالإضافة إلى وضع أسمائهم في القوائم السوداء لدى أجهزة الأمن، بينما اتجه كثير منهم إلى أعمال أخرى.

Qatalah