يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


إنه الوزير الأول، والوكيل المطلق، وظل السلطان في أرض الخراب والفساد والدم التي حكمها آل عثمان بالحديد والنار والخيانة، خاصة في أرجاء العالم العربي، قرونا طويلة مظلمة.
"الصدر الأعظم" أو الرجل الثاني في البلاط العثماني، شريك كل الجرائم التركية في المنطقة العربية، والولايات التي احتلتها جيوش الآستانة في شرق أوروبا، ثم السلطان الفعلي في سنوات الضعف التي سرعان ما ضربت سلطنة إسطنبول، ما جعل منه هدفا لكراهية الشعوب المحتلة، وسخريتها أيضا، حتى اشتهر أصحاب هذا المنصب بألقاب "المرتشي" و"السفاح" و"الخائن". 
 
كان علاء الدين باشا أول وزير في الدولة العثمانية، عينه والده السلطان عثمان بن أرطغرل وليا للعهد، ليدور صراع على وراثة العرش مع أخيه أورخان، انتهى لتجديد وزارته بدرجة مستشار للسلطان، إذ دامت وزارته 11 عاما.
أطلق العثمانيون على الوزير لقب "بيرفان" بمعنى القائد، وهو مصطلح فارسي اقتبسه العثمانيون من سلاجقة قونية، وكان مفوضا من السلطان وله صلاحيات واسعة، إذ تركوا جزءا كبيرا من سلطاتهم لـ "البيرفان".

شكلت التوسعات الحدودية للدولة تحديا كبيرا للإدارة العثمانية، فهم قبائل رعوية لم تعتد حياة المؤسسات، فتم تعيين وزيرين لمساعدة البيرفان تحت اسم وزير "ثاني وثالث".
احتلت أسرة جاندارلي أغلب مناصب الوزراء، لمدة قرن من الزمان، ما دفعهم إلى طلب درجة سلطانية يخصون بها أنفسهم، فكان لقب "الصدر الأعظم"، أول من فاز به الوزير خليل خير الدين باشا في عهد السلطان مراد الأول، وفي "قانون نامه" الذي أصدره محمد الثاني أُشير إلى الوزير على أنه "الوكيل المطلق".

الصدر الخائن
ظل منصب الصدر الأعظم يشغله مسلمون أحرار حتى دخول القسطنطينية، وكان أغلبهم من أسرة جاندارلي، وفي العام 1453 كان خليل باشا يتولى منصب الصدر الأعظم، لكن السلطان محمد الثاني خشي على العرش من نفوذ عائلته، وشك في تآمره مع البلاط البيزنطي، واتهمه بالخيانة العظمى ونفذ فيه حكما بالإعدام.

اتجه تفكير السلطان إلى إلغاء منصب الوزير الأول والاستغناء عن خدماته اتقاء للشبهات التي تحوم حول شاغل المنصب، وظل المنصب شاغرا لمدة 8 أشهر، ثم رأى أن يجعل التعيين في هذا المنصب مقصورا على القولار أي طبقة العبيد، وفعلا عين محمود باشا عدني كأول وزير من العبيد السلطاني.
يذكر المؤرخون أن هناك 23 وزيرا بدأوا حياتهم خدما في القصور السلطانية، ثم دارت الأيام دورتها، ليتولوا منصب الصدر الأعظم، فيما كان منهم مربي السلطان، أو خادمه، أو حطاب القصر.

صانع الحلوى يتزوج الأميرة
بدأ الوزير داماد إبراهيم باشا حياته كصانع حلوى بقصر إسكي سراي، إذ تقرب من السلطان أحمد الثالث وأهداه صنف حلوى جديدا يوميا، فكافأه وعينه في مناصب عليا بقصور إسطنبول، وفي العام 1717 فاز بالزواج من الأميرة فاطمة، وحصل على لقب "داماد" أي صهر السلطان، ليحصل بعدها بسهولة على منصب الصدر الأعظم، دون كفاءة إدارية أو عسكرية تذكر.

أصبح تعيين "الصدر" مرهونا برغبات الحريم السلطاني، فكن يتدخلن إما مباشرة أو عن طريق أغوات الخصيان، وكان السلاطين غالبا ما يستجيبون لرغباتهن.
أدرك كل مسؤول ووزير متطلع لهذا المنصب، أو البقاء في منصبه نفسه، أنه مدين للسلطانة الوالدة، بل ورضاء الحرملك كله، ومن ثم كانوا أداة طيعة بأيديهن، وكان أي تباطؤ في تنفيذ رغباتهن كفيلا بالعزل، ورغم ذلك فإن الحرملك كثيرا ما كان ينقلب على الوزراء دون أخطاء كبيرة، كلما انتهت الحاجة إليهم.

وضع الحرملك عدة مواصفات للوزير، تتعارض كلها مع المصالح العليا للدولة، أهمها السلبية وضعف الشخصية والتقدم في السن ومصاهرة السلطان، وقبل ذلك كله الولاء المطلق لسيدات القصر.
في ظل مؤامرات الاستحواذ والسيطرة، أصبح المنصب عرضة للزلازل، إذ شهد عهد السلطان مراد الثالث (1574 - 1595) جلوس 10 وزراء على كرسي الصدر الأعظم، بمعدل وزير كل عامين تقريبا، وفي عهد السلطان مصطفى المجنون (1622 - 1623) تعاقب 6 وزراء على اللقب، في أقل من 15 شهرا، بمعدل "صدر" كل 75 يوما. 

زوجات الصدر..سبايا
التجأ الصدر الأعظم لكسب تأييد فرق الإنكشارية المسلحة، ليستطيع بمساندتهم السيطرة على مقاليد الأمور بالسلطنة، فأسرفوا في تقديم المنح والامتيازات وإجراء الترقيات السريعة لعناصر تلك الفرق، فقد أمر الصدر الأعظم  مير حسن باشا مساعديه بأن يفتحوا الخزائن السلطانية لهم لينهبوها عن آخرها.

نتيجة لضعفهم في مقابل زيادة نفوذ الإنكشارية، بات الوزراء ألعوبة بأيديهم، إذ ثارت الفرقة في العام 1690 على الصدر الأعظم سياوس باشا، بسبب تأخر دفع الإتاوة الشهرية، فاقتحموا قصره، وقتلوه، وألقوا القبض على زوجاته واتخذوهن سبايا.
ضغط الإنكشارية على السلطان سليم الثالث في العام 1806 لعزل الوزير حافظ إسماعيل باشا، وأمروه بتعيين قائدهم "أغا الإنكشارية" حلمي إبراهيم باشا صدرا أعظم، ليحتفظ معه بمنصب القائد العام للجيش، وبات سيد القصر العثماني بلا منازع.
 
انفرد العسكريون بالوزارة بعد رحيل السلطان سليمان القانوني، فأصبح الصدر الأعظم هو الحاكم الفعلي للسلطنة، إذ تولى قيادة المعارك الحربية بدلا من السلطان، الذي كان يؤثر السلامة والعزلة عن الجماهير، وينغمس في المتعة والترف في أجنحة الحريم.
السلطان محمد الرابع رغب في التملص من المسؤوليات الإدارية، فشيد في العام 1654 مبنى الباب العالي، ليقيم به الصدر الأعظم وأسرته، وخصص به أجنحة لاجتماعات كبار موظفي الدولة، بعيدا عن مقر إقامة السلطان، فكان "الباب" مقرا للديوان، وكان درويش محمد باشا أول من سكنه، حيث أصبح بيته هو مركز الإدارة السياسية للدولة.

صوقولو يبيع الجزر
ارتبط الفساد بأصحاب منصب "الصدر الأعظم"، إذ استغلوا المنصب منذ اليوم الأول أسوأ استغلال، وتفننوا في ابتداع وسائل الكسب غير المشروع، ولم يقتصر فسادهم على الوضع الداخلي، بل تعداه إلى العلاقات الخارجية، فتورطوا في قضايا خيانة عظمى.

اشتهر صوقولو محمد باشا بلقب "المرتشي"، إذ حصل على منصبه بتقديم رشوة مالية للسلطان سليمان القانوني، ثم تزوج من الأميرة "أسمهان" ابنة السلطان سليم الثاني، ليحصل على لقب داماد، وظل متربعا في منصبه مدة 15 عاما، برشوة ثلاثة سلاطين.

استن صوقولو سنة خبيثة في الدولة العثمانية، إذ فرض على الولاة شراء مناصبهم سنويا، واقترن قرار التمديد السنوي بتقديم الهدايا النقدية والعينية علنا، وتنوعت بين المجوهرات والجواري، وكانت ولاية مصر الأغلى بين الولايات المحتلة، فكان واليها يدفع 100 ألف بندقي كل عام، وإذا توفى أحد شاغلي المناصب، يعين صوقولو من يدفع أكثر خلفا له.

امتدت أطماع صوقولو وجرائمه إلى العلاقات الخارجية مع الدول الأوروبية، إذ نجحت جمهورية البندقية في شراء معاهدة سلام منه في العام 1573، تم التنازل بموجبها عن بعض الجزر بالبحر المتوسط، وحصل مقابل الصفقة على 10 آلاف دوكة ومجموعة مجوهرات ثمينة سنويا، لكنه نقض العهد بعد رفضهم استئناف إرسال الهدايا دوريا، وأمر جيوشه بالهجوم على قبرص، فقتل منها الآلاف، ثم تراجع وقبل الصلح مقابل 15 ألف دوكة.

"بلطه جي" محارب بالأجرة
من أشهر الشخصيات فسادا في هذا المنصب بلطه جي باشا، وزير السلطان أحمد الثالث، الذي تقرب منه ودفع مبالغ مالية طائلة ليتولى الوزارة، واتخذها فرصة لجمع ثروات طائلة، من احتكار توريد البضائع لولايات الأناضول، وفرض إتاوات على موظفي الدولة.

طلبت مملكة السويد دعم العثمانيين في حربها ضد روسيا، ثم دخل الصدر الأعظم الحرب في العام 1711، بعد حصوله على رشوة مالية كبيرة، وتلقت القوات الروسية هزائم كبيرة، وتمت محاصرة القيصر قرب نهر بروث، هنا عرضت الملكة كاترين على بلطه جي باشا الصلح، وعرضت عليه 230 ألف روبل مقابل رفع الحصار، وافق الصدر الأعظم ثم وقع على معاهدة "بروث"، التي خسرت الدولة العثمانية بموجبها جزيرة كريت وبلجراد ومعظم بلاد الصرب.

المصادر :


Qatalah