يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


المكان:  قصر السلطان العثماني في إسطنبول.
الزمان: يوم عادي من أيام عام 1563 ميلادية.
الحدث: ستة من سفراء الدول الكبرى يقفون في خضوع أمام السلطان، يتقدم أحد الحُجَّاب ويدوس على رأس أحد السفراء ليجبره على مزيد من الانحناء، حتى ينكفئ السفير على وجهه تحت أقدام السلطان الذي يجلس على عرشه الفخم في تعالٍ، لا يكاد ينظر إلى الواقفين أمامه إمعانا في إذلالهم، السفراء يبلعون الإهانة خوفا من غضبة الحاكم، إشارة منه قد تقضي بسجن أحدهم لشهور أو لأعوام، بل وربما قطع رأسه من دون تردد.
 
المكان: القصر السلطاني نفسه.
الزمان: يوم عادي من أيام عام 1913 ميلادية.
الحدث: ستة من سفراء الدول الكبرى في مجلس السلطان العثماني، الذي يجلس منكس الرأي، متهدل البنيان، لا يكاد ينبس ببنت شفة، بينما السفراء يتحدثون في شؤون السلطنة، ويقررون للحاكم ما ينبغي عليه فعله، من عزل ولاة أو فرض ضرائب أو إقرار امتيازات تجارية لدول معينة، أو شن حرب أو سحب جيوش أو التنازل عن مدن وقلاع وأراضٍ لصالح بلادهم.
 
مشهدان في غاية التناقض، لكن كلا منهما يجسد مرحلة مهمة من مراحل علاقة الدولة العثمانلية بالأجانب، من السيادة والسطوة والقوة والجبروت، إلى المهانة والخضوع والتبعية الكاملة. مشهدان يفصل بينهما 350 عاما، جرت خلالها في النهر مياه كثيرة.. ودماء أكثر.
هذا الملف يرصد تلك الرحلة، بكل ما فيها من تقلبات ومؤامرات ودراما ودماء. منذ أن كان مجرد حضور السفراء إلى دولة العثمانيين دليلا على الخضوع إلى الباب العالي، الذي يعتبر نفسه "ملجأ الملوك وملاذ العالم"، كما وصفه سليمان القانوني لفرانسوا الأول، ملك فرنسا. وحتى صار بقاء السلطان نفسه في منصبه مرهونٌا بقرار سفراء 6 دول معروفين بلقب "ملوك القسطنطينية الستة".
 
ملوك القسطنطينية .. 6 سفراء أوروبيين يحكمون السلطنة العثمانية
"بيرا بيرا، أنت عش الأوغاد"، ما سبق مطلع لأغنية شعبية تركية، أما  بيرا فهي المنطقة التي اتخذت فيها السفارات الأجنبية مقرات لها حتى نهاية الدولة العثمانية، إلا أنها تخطت مكانتها كحي دبلوماسي إلى مجتمع أوروبي ووكر جواسيس وغرفة صناعة للقرارات المصيرية بشأن السلطنة.
بيرا وقصور الحكم العثماني فصل بينهما خليج القرن الذهبي وقامت بينهما علاقة عكسية، كلما زادت قوة أحدهما ضعفت الأخرى لكن الكفة كانت غالبا في صالح سفارات بيرا منذ القرن الثامن عشر، ما جعل وجود السلطنة مرهونا بيد 6 سفراء وهم البريطاني والفرنسي والروسي والنمساوي والألماني والإيطالي.
لم يكونوا مجرد سفراء بل حماة التوازن الأوروبي وكان من سلطتهم استدعاء أساطيل بحرية وإعلان حرب وتقديم دعم عسكري، فيما وقفوا وراء حركة الإصلاحات التي قامت بها السلطنة في منتصف القرن التاسع عشر، ولولا تدخلهم لكانت القسطنطينية تتحدث اليوم الروسية. للمزيد
 
مراسم الإذلال .. طريقة العثمانلي البائس لتعويض هزائمه أمام أوروبا
الأعراف الدبلوماسية، لم تكن موضع احترام سلاطين الدولة العثمانية، كانوا ينظرون للعالم بدونية، وغطرسة، يرفضون إرسال سفراء للدولة الأخرى، حتى القرن الثامن عشر، يعتبرون هذا الإجراء المتحضر نوعا من الخضوع.
الدولة العثمانية التي استقبلت سفراء من أوروبا وآسيا وإفريقيا، بعد الهزائم المتتالية لجيوشها على جبهات القتال، اضطرت لقبول فكرة إرسال سفراء لها إلى عواصم العالم.
طوال قرون من الزمان، ظل العثمانيون يعاملون السفراء باحتقار، بتنظيم مراسم استقبال مهينة لهم في قصور الخلافة، كانوا يعيشون في خوف على حياتهم، خشية غدر ومكر السلاطين، حتى أجبرتهم أوروبا على احترام السفراء للمزيد
 
حروب المكانة .. العثمانلي يركع في حضرة سفراء أوروبا
اعتبر سلاطين الدولة العثمانية فكرة التمثيل الدبلوماسي نوعا من الضعف، ولم تكن في أوج قوتها ترسل السفراء والقناصل إلى العواصم العالمية، كانت تستقبلهم فقط، كان وصول السفراء إلى بلاط السلطان، اعترافا بالخضوع من وجهة نظر العثمانيين.
حددت تلك الرؤية العثمانية المريضة شكل العلاقة مع السفراء، كأنهم مجرد ضيوف على السلطان، يتولى الإنفاق على إقامتهم، حياتهم كانت دائما في خطر، حسب مزاج الحاكم، فإذا غضب على دولة ما، عاقب سفيرها بالسجن أو القتل، أو تعمد إهانته.
طرأت تغيرات كبيرة على تلك العلاقة المشوهة، مع أفول القوة العثمانية، وصعود أوروبا، حيث أصبحت طقوس إذلال السفراء غير مقبولة، لكن العثمانلي الغارق في أمجاد الماضي، ظل متشبثا بها، لكن السفراء لم يمتثلوا لها، لتندلع بسبب ذلك حرب عُرفت باسم "حرب المكانة"، كان النصر فيها من نصيب السفراء، ومن ورائهم بلادهم القوية.
عامل سفراء القوى الكبرى العثمانيين بنفس المبدأ، وتعمدوا إذلالهم وإهانتهم مرات عديدة، ليجني سلاطين الباب العالي ثمار أفعالهم الدنيئة للمزيد
 
"إغناتيف" .. سفير روسي بدرجة سلطان في إسطنبول
لم تهدأ ثورات البلقان ضد ظلم سلاطين آل عثمان، أعماهم غرورهم وغطرستهم، عن إدراك تبعات رفض مطالب شعوب تلك المنطقة، بالعدل والمساواة، ورفع الظلم عنهم، فارتفع سقف مطالبهم من الإصلاح إلى الاستقلال التام.
واجه السلطان عبد العزيز ثورة البلقان، بسفك دماء الآلاف من الأبرياء، فتدخلت روسيا لنصرة السلافيين، ونجحت في طرد جنود الدولة العثمانية، حتى حدود الآستانة.
دفع السلطان ثمن الارتماء في أحضان قيصر روسيا، ولم ينقذ عرشه من السقوط سوى تدخلات القوى الأوروبية، ليس حبا فيه، ولكن للمحافظة على مبدأ توازن القوى العالمية، ومنع تزايد نفوذ الروس داخل السلطنة.
السفير الروسي في الآستانة، وممثل القيصر، إغناتيف، كان في صدارة السفراء الأجانب، وحاز ثقة السلطان والصدر الأعظم، بعد أن زين لهما سوء أعمالهما في معاداة الإصلاح، واستغل ثقة عبدالعزيز العمياء به، لإزاحة رجال الدولة الأقوياء، وإضعاف السلطنة، استعدادا للانقضاض عليها.
عبد العزيز دفع ثمن الخضوع للروس، وأجبر على عزل الصدر الأعظم، وتطبيق الإصلاحات والتنازل عن العرش، بعد نشوب ثورة شعبية بالآستانة للمزيد
 
ستراتفورد .. سفير بريطاني "تملك القسطنطينية" ورسم مستقبل الدولة العثمانلية
فيما كانت أطراف الدولة العثمانلية تتآكل من الضعف والوهن، كان السلطان العثمانلي، يتذلل تحت أقدام أوروبا لإنقاذه من محمد علي باشا تارة ومن الروس أخرى ولحل المشاكل الداخلية وصار بقاؤه معتمدا على ما يقرره سفراء هذه الدول في القسطنطينية حتى صار لقبهم "ملوك القسطنطينية الستة".
السفير البريطاني كان أهم هؤلاء منذ القرن التاسع عشر وفي مقر سفارته كان يتم اتخاذ القرارات المصيرية للسلطنة، في تلك الفترة الحساسة بعثت لندن بشخصية حازمة على رأس سفارتها وهو اللورد ستراتفورد دي رادكليف في مهمة إنقاذ السلطنة وإجبار السلطان على قبول الإصلاحات.
نجاح ستراتفورد في إنقاذ السلطنة من الخطر الروسي مرتين وفرض التحديثات على السلطان جعله يتمتع بمكانة قوية داخل السلطنة وصلت إلى حد تلقيبه بـ "ملك القسطنطينية" للمزيد
 
شموع وليالٍ حمراء .. سفير البندقية يفضح العثمانلي في أحضان الجواري
بينما يرتع سلاطين آل عثمان في أحضان الجواري، كانت الخادمات تتسللن جاثيات إلى غرف الجنس السلطانية لإضاءتها بالشموع، أسندت تلك المهمة لإماء سوداوات طاعنات لضمان عدم إزعاج صاحب الحضرة في لياليه الحمراء.
"سلاطين يأكلون السحت من الرشاوى والبقشيش، سلطانات تحكمن الدولة وتترأسن الديوان، ودراويش يعبدون المشايخ والأولياء"، هكذا وصف سفير البندقية أتفيانو بون أوضاع إسطنبول عاصمة العثمانيين في مطلع القرن الـ17.
بون وثق مسيرته في إسطنبول البالغة 4 سنوات في كتابه "سراي السلطان"، رصد فيه انحلال العثمانيين، وميلهم إلى استعباد الجميع: أطفالا ونساء وشيوخا، ووصف طقوس السلاطين في أحضان الجاريات داخل الحرملك
للمزيد
 
مذكرات "وليام شالر" .. حثالة الإنكشارية احتكروا السلطة والثروة في الجزائر
العثمانلي أثبت أنه لا يفقه سوى لغة القوة ولا يحترم إلا من يذل أنفه في التراب.. هكذا أكدت مذكرات وليام شالر أول قنصل أمريكي في الجزائر (1816-1824) بربرية وجهل الاحتلال العثماني ليس فقط في الجزائر وإنما لكل الدول التي سقطت تحت الاحتلال التركي.
قبل هذا التاريخ كانت الولايات المتحدة تدفع ضريبة سنوية إلى داي الجزائر لضمان سلامة أمن سفنها من القرصنة العثمانلية، ولكن ذلك الوضع تبدل بعد حصار الأسطول الأمريكي للجزائر وإرغامه الداي على التوقيع على معاهدة مذلة.
قضى شالر 8 أعوام في الجزائر زار خلالها البلاد وكتب عن أحوالها وعاداتها ووصف مساوئ الحكم التركي الذي احتكر السياسة والتجارة وأثقل كاهل الجزائريين بالسخرة والضرائب.
مذكرات شالر تفضح بربرية الأتراك وتبين زيف مقولة الجهاد العثمانلي في البحر المتوسط التي هي قرصنة من الطبقة التركية الحاكمة الباحثة عن المال والأسرى الأوروبيين
 للمزيد
 
"شهادة سفير أمريكا" .. تركيا دخلت الحرب العظمى تنفيذا لأوامر ألمانيا
"إن مآرب ألمانيا لتأسيس إمبراطورية كبرى تمتد من البحر الشمالي إلى الخليج العربي قد تمت، أو كادت أن تتم، فقد أصبح لها اليد الطولى في إدارة شؤون تركيا"
بتلك الجملة يفتتح هنري مورغنتو السفير الأمريكي في الآستانة عام 1913 مذكراته عن دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى تنفيذا لأوامر ألمانيا. 
ليس هناك من هو أكثر خبرة من سفير دولة ظلت محايدة في بداية اندلاع الحرب، لكشف خبايا الهيمنة الألمانية على الدولة العثمانية، مستخدمة عملاءها الممثلين بحكومة الاتحاد والترقي، وعلى رأسهم الثلاثي الخائن، الباشوات أنور وطلعت وجمال.
يكشف سفير واشنطن عن جناية العثمانيين على أنفسهم، بدخولهم الحرب، وما جرته على البلاد من بلاء، وانتهت بضياع البلاد العربية، واحتلال القسطنطينية ذاتها عام 1918
للمزيد
 
صانع الولاة .. قنصل بريطاني هزم الوالي العثمانلي دون رصاصة واحدة
لم يكن مجرد قنصلٍ يمثل حكومته لدى دولة أخرى، بل كان أكثر نفوذا وسطوة وأقوى تأثيرا في البلاد من حاكمها نفسه.. إنه المقيم البريطاني (القنصل) في بغداد، جيمس كلوديوس ريج، إبان حكم الدولة العثمانية للعراق.
العراق كان مهما بالنسبة لبريطانيا، لقربه من مصالحها في الخليج وإيران والهند، وكان التمثيل الدبلوماسي فيه يتبع شركة الهند الشرقية، لا وزارة الخارجية في لندن. ومن أجل السيطرة على التجارة التي تمر بالعراق، وإنشاء خطوط مواصلات مع الأناضول عبر نهري دجلة والفرات وصولا إلى شط العرب، والآثار، أنشأت بريطانيا مقيمية (قنصلية) لها في بغداد.
جيمس كلوديوس ريج، كان أول من شغل منصب المقيم، وكان مؤهلا بحق له فقد كان ملما بعدد كبير من اللغات والعادات والأعراف الشرقية. وبفضل مهاراته وذكائه ودهائه والأموال وفساد العثمانيين وتنازع المسؤولين أصبح ريج الرجل الأقوى في العراق وأحد اللاعبين الأساسيين في شؤونه السياسية والاقتصادية ووظف ذلك في خدمة مصالح بلاده.
وصل الأمر بكلوديوس إلى دعم المناوئين للولاة، دون أن يجرؤ أي منهم على الاحتجاج، ولعب دورا كبيرا في تعيين الولاة بعد وفاة سليمان باشا للمزيد
 
بتواطؤ العثمانلي .. بريطانيا تحتل العراق بسفينة نهرية
لم يجن العرب من وراء العثمانيين ولصوص دولة الخلافة سوى البؤس والشقاء، طوال قرون من الاحتلال، سادت فيها الخرافة والجهل والنهب، وهتك الأعراض على يد إنكشارية سلاطين الباب العالي وولاتهم.
كان الدفاع عن الدين الإسلامي حجة الدولة العثمانية، التي لا يهمها سوى المغانم، وفرض الضرائب، وتجنيد الشبان العرب في جيوشها الغازية، وفي أول مفترق طرق، يقامر السلطان العثماني بمصير الشعوب العربية، ويسلم بلدانهم فريسة سهلة إلى مستعمر أوروبي جديد، فعلها الأتراك في كل بلدان الوطن العربي، كما فعلوها في مصر وتونس والجزائر والعراق، حتى فلسطين تركوها للعصابات الصهيونية.
 حماية مستعمرات التاج البريطاني في الهند، كانت المحرك الرئيس للسياسة الخارجية للندن، وهي التي حددت شكل علاقاتها مع الدول، سواء بالصراع أو التحالف.
 تأصلت هذه الركيزة بعد الحملة الفرنسية على مصر والشام عام 1798 والتي استهدفت ضرب مواصلات بريطانيا مع الهند.
بريطانيا وضعت نصب عينيها السيطرة على العراق وشواطئ الخليج العربي، لمنع منافسيها من الاقتراب من إيران والهند، لتحقيق ذلك عملت على أن يكون لها اليد الطولى في الشؤون الاقتصادية والسياسية ببلد الرافدين، الذي حكمته آنذاك السلطنة العثمانية للمزيد

 

Qatalah