يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تزوير التاريخ هي المهمة التي ألقت بها جماعة الإخوان الإرهابية على عاتق علي الصلابي، المدرج على قوائم إرهاب عدة دول عربية، ليتحول إلى أداة رخيصة في يد تركيا، يروج مشروعاتها التوسعية بكتابات زائفة تدافع عن سلاطين آل عثمان، وتمجدهم، وفق رؤية - مدفوعة الأجر- تعاند حقائق تاريخهم الأسود. 

أخونة التاريخ
ينتمي الصلابي لجماعة إخوان ليبيا، لكنه يلعب على كل الحبال، أحاطه السلفيون وجماعات التكفير بهالة تقدير بالغة، فيما كان يمد علاقة قوية مع خصمهم اللدود سيف الإسلام القذافي، من خلال  عضويته  في مجلس أمناء مؤسسة القذافي الخيرية، ليحصل بجدارة على لقب المتلون.
يتنقل شقيق الإرهابي الدولي إسماعيل الصلابي ما بين السطو  على سيرة الخلفاء الراشدين وتاريخ الإسلام، والكتابة عن مرحلة النضال ضد الصليبيين بـ "موسوعة الحروب الصليبية"، بينما يصل في محطته الأخيرة إلى كتابة تاريخ جديد خالٍ من دسم الجرائم لأسياده الجدد في إسطنبول، بكتابه "الدولة العثمانية:عوامل النهوض وأسباب السقوط" إضافة إلى مؤلفه الذي حظي بسخرية المفكرين حول السلطان محمد الفاتح.

من بين جميع مؤلفاته يبرز كتابه "الدولة العثمانية"  الذي لا يخجل فيه من ممارسة سلطة متشددة تفوق كل ما تناوله كتبة التيارات السلفية والإخوان حول التاريخ العثماني، حيث يتبنى أفكارا جامدة غير قابلة للنقاش، ما يمكن القارئ من فهم العلاقة المتينة بين جماعات تسييس الإسلام في الوطن العربي والعثمانيين الجدد.
يدافع الصلابي عن فكرة إعادة الدولة العثمانية بوصفها النموذج المثالي (الأخير) للدولة الإسلامية التي تطبق الشريعة والجهاد، ويغض الطرف عن مذابح ارتكبها من عاشوا على السلب والنهب وتدمير الحضارات في البلدان التي احتلوها.  

تاريخ متخيل
يصطدم القارئ من البداية بمقدمة الكتاب الموجهة، فحسب قوله يهدف إلى "كشف الزور والبهتان الذي تعرضت له الدولة العثمانية من الأقلام المسمومة" و"الدفاع عن إخواننا في العقيدة (العثمانيين) الذين تعرضوا للظلم ونسب إلى تاريخهم أباطيل وأكاذيب"، ويصف كتابه بأنه محاولة لـ"إثراء المكتبة الإسلامية التاريخية بالأبحاث المنبثقة عن عقيدة صحيحة وتصور سليم بعيدا عن سموم المستشرقين وأفكار العلمانيين من أجل خدمة أهدافهم". 

ولا يلبث أن يهاجم المعكسر المضاد والمدارس التي سجلت بالوثائق فضائح العثمانيين ، من واقع أرشيف الدولة العثمانية نفسها، في حين لا يقدم هو منهجا بديلا، ويعتمد على تفسيرات شعبية انتشرت في سبعينيات القرن الماضي في مطبوعات الجماعات التكفيرية، التي منحت القداسة لبعض الأشخاص عن طريق اختلاق سير متخيلة لا يؤمن بها إلا أصحابها.
رسم لوحات ملونة لقديسين عثمانيين - وليس سلاطين قتلة -  لا تغادر أياديهم المسبحة ولا يفارقون المساجد إلا للجهاد، بينما تعامل مع الغزو العثماني للمشرق العربي وما صاحبه من مجازر على أنه فتح، وعلى يديه يتحول الوجود العثماني من سبب في تخلف الشرق مئات السنين إلى "حقبة مزدهرة للشريعة الإسلامية". 

مصادر الصلابي
المزايدة في معسكر كتاب التاريخ المأجورين لحساب "السلطنة"، جعلت من الصلابي خصما وناقدا بحدة لمنافسه الدكتور عبد العزيز الشناوي صاحب كتاب "الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها"، الذي وجه له الصلابي سهام نقده، لأنه تجرأ وتناول جرائم فرق الإنكشارية في حق الشعوب المحتلة، فضلا عن السلالة العثمانية نفسها، بينما يراهم مجاهدين في سبيل الله، فيما يكيل عبارات المديح لمحمد حرب صاحب  كتاب "العثمانيون في التاريخ والحضارة" لأنه يدافع باستماتة عن كل ما هو عثماني.

الجنسية ثمن التزوير
محمد حرب أكاديمي مرتزق، أقام في تسعينيات القرن الماضي مركزا للدراسات التاريخية العثمانية في القاهرة بتمويل تركي، نشر خلاله عددا من الكتابات الدعائية التي تفتقر لأي معيار للبحث التاريخي، حتى منحه الرئيس التركي السابق عبدالله غول الجنسية التركية عام 2013، تقديرا لجهوده في طمس الحقائق وتجميل التاريخ القبيح لدولته.  
 
ظهر تقدير الصلابي لكتابات حرب بشدة عندما تطرق إلى الغزو العثماني لمصر والشام، حيث أخفى شهادة المؤرخ ابن إياس المعاصر للحدث، رغم وجود كتابه  "بدائع الزهور" ضمن قائمة المصادر بالكتاب، في مقابل نقله الحرفي لما سجله حرب، والذي يتلخص - ببجاحة - في أن أهل الشام ومصر استنجدوا بسليم الأول لغزو بلادهم.
أزاح الصلابي 100 عام من جهود الباحثين الذين استفاضوا في شرح أسباب سقوط الدولة العثمانية، المتمثلة في فشل التحول عن نمط الإنتاج الريعي الإقطاعي، والصراع بين القوى الغربية، وبزوغ القوميات، وغير ذلك، وحصر السبب في الانحراف الديني للسلاطين المتأخرين، وابتعادهم عن الشريعة.

"السلاطين رضي الله عنهم"
يزعم كاتبنا المأجور أن عصر ازدهار الدولة العثمانية وقوتها يرجع في الأساس إلى تولي سلاطين طبقوا الشرع الحنيف على سائر الولايات ، في مغالطة فجة، ويتخذ من بداية  القرن التاسع عشر تاريخا للضعف لأن قادة الدولة تمسكوا بعقيدة الولاء والبراء - على حد وصفه - واندفعوا إلى تقليد الغرب الأوروبي على عكس الرعيل الأول "رضي الله عنهم الذين استعلوا بدينهم وعقيدتهم على قوتهم وجبروتهم حتى في وقت الهزيمة ولحظة الفشل". 

تغافل الصلابي عن أن الرعيل الأول من العثمانيين  كانوا أول من أخذوا عن غير المسلمين باعتمادهم على النظم البيزنطية في تنظيم الدولة، وأن "القيادات الربانية" ومنها محمد الفاتح كان لها اليد الطولى في تلك السياسة بعد الاستيلاء على القسطنطينية.
من العجيب أن مؤرخ الإخوان يعزو الانبهار بـ "الكفار" إلى "الواقع المليء بكل صور الانحطاط من فقر وضعف وجهل ومرض وخرافة في مقابل الواقع الأوروبي"، في حين يعرض عن ذكر من صنع ذلك الواقع المنحط والجاهل، وهم العثمانيون أنفسهم بعد أن احتلوا العالم العربي و أذلوا شعوبه.

العبادة الشاملة
يعود مؤرخ الإرهاب إلى مسألة إيمان العثمانيين واهتمامهم بتطبيق الشريعة الإسلامية، قائلا إن انتصارهم في البداية كان بسبب "تحقيق مفهوم العبودية الشامل كما فهموه من القرآن والسنة النبوية وكما أخذوه من السلف الصالح"، ويصف حياتهم بأنها أصبحت "حافلة بالأعمال العظيمة من تقوية الدولة المسلمة، وتربية دائمة لرعاياها، وتعليم القرآن والعلم، وجهاد الكافرين والمنافقين، والقيام على أمور المسلمين وتنفيذ أهداف التمكين". 

يمتلئ الكتاب بعبارات فضفاضة وثرثرة فارغة لا تستند إلى دليل، ففي معرض تصديه للرد على منتقدي جرائم العثمانلية، راح يتحدث عن إنجاز العالم الأوروبي المسلم "بيري ريس" برسم خرائط للأميركتين قبل اكتشافهما فعليا، بينما لم يدلنا على العلاقة بين نبوغ فرد قادته ظروفه ليصبح أحد الأسرى العلوج في بلاط السلطان العثماني وبين دولة كانت ترعى التخلف والجهل وتقطع رؤوس العلماء، وللمصادفة السيئة قطعت رأس بيرى نفسه.  
يلح الصلابي كثيرا على قضية الجهاد، بوصفها أحد الأعمدة التي شوهها الفكر التكفيري من الإخوان إلى داعش، ولا يفوته أن يتلاعب بآيات القرأن المجيد، يقول :"يوم كانت (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) عبادة لم يجرؤ أحد على احتلال أراضي المسلمين واستلاب خيراتهم" في إشارة إلى فترة طغيان الدولة العثمانية، إذ يتغافل  مرة أخرى عن التباس مفهوم "الجهاد" عند آل عثمان الذين قادوا حملات همجية ضد المدنيين في قرى اليونان وحلب والعراق ومصر، ووجهوا بنادقهم وسيوفهم إلى صدور المسلمين.

يفرد المؤلف فصلا كاملا حول معركة وادي المخازن، التي دارت بين الدولة السعدية في المغرب والقوات البرتغالية بوصفها صفحة مشرقة للمشاركة العثمانية في "الجهاد ضد الصليبيين"، متجاهلا أن العثمانيين أنفسهم اغتالوا سلطان المغرب الشريف عبد الملك السعدي قبيل لحظات من المعركة، وفق كتاب "الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى" للسلاوي الناصري  الذي ألف وطبع عدة مرات قبل ولادة الصلابي نفسه.

المصادر :


Qatalah