يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بعد الكشف عن أكبر قضية فساد في تركيا العام 2013، لجأ الرئيس رجب إردوغان إلى استنساخ "محاكم الاستقلال" التي ابتدعها مصطفى كمال أتاتورك، قبل 97 عاما، والموصومة بالاستبداد والأحكام المسيسة، ليؤسس ما أطلق عليه اسم محاكم الصلح والجزاء، رغبة منه في السيطرة على القضاء وتوظيفه بما يخدم مصالحه ويغطى جرائمه.
السبب وراء إقدام إردوغان على تقليد سلفه أتاتورك، هو رغبته في تصفية معارضيه والتنكيل بهم بوسائل شبه قانونية، وبالفعل أصدرت المحاكم الجديدة عشرات الأحكام وفق رغبات حكومة حزب العدالة والتنمية الحاكم ضد المعارضين، إلى جانب التستر على جرائم الحزب وغلق كثير من ملفات الفساد التي طالت بالتحقيقات أعضاء بارزين في النظام.
قطعت "الصلح والجزاء" منذ إنشائها في يوليو 2014 حتى فبراير 2015 شوطا كبيرا في تحقيق أهداف الرئيس المذعور من القضاة الطبيعيين، وحسب صحيفة بيرجون التركية حققت المحاكم الجديدة وقتها مع أكثر من 500 رجل أمن في 14 مدينة، في غياب أية أدلة اتهام، ووجهت إليهم تهم الانقلاب على الحكومة والتجسس، فضلا عن عشرات المحامين الذين تصدوا للدفاع عنهم.


أحكام خصوصي
جاء اختيار قضاة المحاكم الجديدة كاشفا لأهداف إردوغان الصريحة في خلق كيان قضائي موازٍ يضمن ستر جرائمه، وعلى رأسهم القضاة الذين اتخذوا قرار غلق التحقيق في قضية الفساد الشهيرة، التي تفجرت بين 17 و25 ديسمبر 2013 ، وأظهرت تورط إردوغان ونجليه و4 من وزرائه في جرائم الرشوة والتهرب من الضرائب والفساد المالي، ومن أمثلة هؤلاء القاضي إسلام تشيشيك الذي أطلق سراح المعتقلين على ذمة قضية الفساد التي تورط فيها وزراء من حكومة العدالة والتنمية العام 2013، ونشر عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" كلمات يمتدح فيها "الرئيس المتهم".


وأسوة بزميله، أطلق خلوصي بور القاضي في إحدى دوائر الصلح والجزاء بإسطنبول سراح 6 متهمين بالفساد والرشوة، من بينهم سليمان أصلان المدير السابق لبنك الشعب الحكومي، والذي عثر بمنزله على 1.5 مليون يورو و 2.5 مليون دولار، مجهولة المصدر.
بينما أثار اسم القاضي بكير ألتون جدل الشارع التركي طويلا، عقب قراره غلق التحقيق في قضية منظمة السلام والتوحيد الإرهابية التابعة لجيش القدس في إيران، بأمر مباشر من إردوغان، ويقول المحامي التركى أوغور بويراز إن محاكم الصلح والجزاء تأسست لأهداف معينة في فترة غير عادية بناء على هوى النظام، وقراراتها لا تتفق مع احترام الحقوق ولا أبسط مبادئ الحقوق المدنية.
من جهته، قرر حزب الشعب الجمهوري المعارض مواجهة محاكم رجب المريبة والاستثنائية، وطعن أمام المحكمة الدستورية العليا على قرار تأسيس "الصلح والجزاء"،  وأعلن الحزب أنها ليست إلا مشروع محاكم "خاصة" لخدمة مصالح النظام، وأن الهدف من تأسيسها التستر على جرائم الفساد والرشوة التي تكشفت في 17 و25 ديسمبر، ووصف زعيم الحزب كمال كليتشدار أوغلو "الصلح والجزاء" بأنها استمرار للمحاكم العرفية.


محاكمة 500 فرد شرطة
يؤكد قانونيون أتراك أن قرارات تلك المحاكم سياسية وبعيدة كل البعد عن القانون، وأكدوا أنها مشوبة بشبهة التلاعب، المحامي الدكتور مصطفى زكي يلديريم قال إن إردوغان يعتبر قضاة "الصلح والجزاء" وسيلة لا أكثر لبسط سيطرته وتنفيذ رغباته، ما يعد تدخلا سافرا في استقلال القضاء يجعل جميع القرارات الصادرة عنها معيبة وموضع شك. 

وشبه الرئيس السابق للمحكمة العليا في تركيا سامي سلجوق المحاكم الجديدة التي شرعت فور تأسيسها في محاكمة مسؤولي الشرطة المشرفين على فضيحة الفساد الرئاسية، بـ "محاكم الانقلابيين" التي قضت بالإعدام على عدنان مندريس أول رئيس وزراء منتخب في تاريخ البلاد عام 1960، بتهمة الانقلاب على نظام الحكم العلماني وتأسيس دولة دينية.
سلجوق أوضح أن تشكيل محاكم بعد ارتكاب الجريمة يعد مخالفا لنظام القضاء الطبيعي، مشيرا إلى أن حزب العدالة والتنمية ضرب بقوانين حقوق الإنسان الأوروبية والدستور التركي عرض الحائط، مختتما "هذه السياسات تضر كلا من الحزب الحاكم والدولة التركية على حد سواء".

محاكم المشانق الاستثنائية
محاكم إردوغان تشبه محاكم الاستقلال التي أسسها أتاتورك العام 1920، وأغلقها في فبراير 1921، باستثناء محكمة أنقرة، وكانت - بمعايير استقلال القضاء - مجرد محكمة استثنائية خاضعة لشهوة الزعيم في الانتقام من معارضيه ولا تمت للاستقلال بصلة.
بعد تأسيس المحكمة أُطلق اسم "عصر الرجل الواحد" على ولاية أتاتورك،ويقول الكاتب فيليب م. برايس في كتابه "تاريخ تركيا" إن هذه المحاكم أخمدت الثورة الكردية وكانت سلاحا مهما في القضاء عليها عام 1925، حيث استخدمت في قمع المعارضين والتنكيل بهم.

اتخذ مجلس الأمة قرارا بتشكيل محكمتين للاستقلال في 1921: واحدة منهما لعموم تركيا مقرها الدائم أنقرة، وتتمتع بصلاحيات محدودة، إذ كان لابد لإصدار أحكام الإعدام من تصديق مجلس الأمة عليها، والثانية في الولايات الشرقية ذات الأغلبية الكردية، وتمتعت بصلاحيات مطلقة. 


أدت تلك المحاكم مهمتها بإخلاص بالغ، فقضت على كل نشاط معارض وأجهضت الحريات المحدودة التي نص عليها الدستور، وساهمت في صنع ديكتاتورية طويلة الأمد لحساب حزب "الكماليين".
في 12 مارس 1925، أصدرت محكمة الاستقلال في أنقرة تهديدا في شكل قانون ينص على أن "المحكمة ستعاقب عقابا شديدا كل من يقوم بتأليب الرأي العام ضد النظام القائم ويشجع الثوار، وكل من يتملص من أداء الخدمة العسكرية أو يشجع الآخرين على الفرار من الجيش لأنه يساعد الثورة بهذه الطريقة"،  واستهدف القانون تصفية ثورة الأكراد بقيادة الشيخ سعيد النورسي ضد الحكومة في أنقرة، كما قضت المحكمة على الناشط سيد عبد القادر بالإعدام، بدعوى تعاونه مع حزب العمال الكردستاني، وأصدرت حكمًا بإعدام النورسي وغيره من قادة ثورة 1925، الذين أعدموا شنقا في يونيو من العام نفسه.
تقول وسائل إعلام محلية إن محكمة الاستقلال أصدرت أحكاما بالإعدام في ولاية آلإزيغ التركية على ما يقرب من 400 شاب كردي، فيما يؤكد المؤرخ التركي جانار أرابجي أن محاكم الاستقلال قضت بإعدام 1645 شخصا على الأقل.

Qatalah