يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"الصندوق السيادي" مولود تركي خرج من رحم البرلمان، وفق قانون تم تقديمه في الأيام التي كانت فيها البلاد تقع تحت تأثير مسرحية الانقلاب في يوليو 2016، بينما بدأ العمل فيه بطريقة فعلية في 19 أغسطس من العام الماضي.
يملك الصندوق حصصا ضخمة في أكبر الأصول العامة التابعة للدولة بقيمة تصل إلى 60 مليار دولار، إضافة إلى أصول تتعلق بالخطوط الجوية التركية، وبنوك عامة وشركات بترول، فضلا عن إيرادات الموارد الطبيعية، واحتياطي النقد، وصناديق استثمارية إضافية تمولها الدولة. 
أداره رئيس الوزراء في البداية، ونتيجة إلغاء المنصب أصبح تابعا بصورة مباشرة لرئيس الجمهورية الذي وضع يده عليه في ظل سلطته الاستبدادية التي تحكم تركيا.

صندوق عائلي بلا رقابة
"ألا تريدون أن تروا هذا البلد يُدار مثلما تدار الشركات؟ هل تفهمون ما أقول؟ ينبغي أن تُدار تركيا بنفس الطريقة التي تُدار بها الشركات.. بهذه الطريقة سيمضي هذا البلد على الطريق الصحيح"، بهذه الكلمات دافع إردوغان عن صندوقه المثير للتساؤلات، خلال مناسبة بمدينة باليكيسير غرب البلاد في مارس عام 2015.
تحول الصندوق إلى مؤسسة خاصة لعائلة الرئيس، وبوابة لتمرير صفقات الأراضي ومكانا آمنا لإخفاء ثرواتهم بعد أن منع إردوغان الرقابة من الوصول إليه، ورفض إخضاعه لقوانين العطاءات العامة أو التوظيف المطبقة في تركيا، وصنف نفقاته ورواتب العاملين به وعملياته التي يقوم بها مجلس الإدارة على أنها معلومات سرية.



لا يقع أي من مديري الصندوق وموظفيه تحت أية محاسبة جنائية أو مالية أو إدارية عن أية قرارات يتخذها مجلس الإدارة، حتى ولو تسببت في الإضرار بمصالح الدولة، بينما الإشراف الوحيد تمثل في جهة رقابية مستقلة من خلال تقرير يتم إرساله إلى مكتب إردوغان نفسه، وإلى البرلمان على سبيل الإخطار فقط ، قبل أن يتحول الإشراف عليه إلى شركة مستقلة، حسب تقرير لصحيفة "ديكان" التركية في 7 فبراير 2017  التي نشرت خبر إعفاء صندوق الثروة السيادي التركي، من إشراف ديوان المحاسبة وإسناد الأمر إلى شركة مستقلة.
إردوغان رئيسا للصندوق، وصهره  بيرات آلبيراق وزير الخزانة والمالية نائبا له، الأمر الذي اعتبره الاقتصاديون بمثابة تحويل للصندوق من كونه سياديا إلى عائلي، بينما سبقت علامات استفهام أسماء أعضاء مجلس إدارة الصندوق القادمين من القطاع الخاص مثل فؤاد توسيالي، رئيس مجلس إدارة مجموعة توسيالي القابضة، ورفعت هيشارجيكل أوغلو، رئيس اتحاد غرف التجارة والسلع التركية الذي جعل اتحاد الغرف شريكا في المشروع المفضل لإردوغان لإنتاج سيارات تركية المنشأ، ووافق على نقل موارد الاتحاد الذي يترأسه، ويضم مليونا ونصف مليون عضو إلى المشروع.
اسم آخر أثار الشكوك، هو أريساه أريجان، الأستاذة بجامعة قادر هاس في إسطنبول وهي المرأة الوحيدة في مجلس إدارة الصندوق والتي كانت مشرفة على رسالة الدكتوراة التي أعدها آلبيراق عن تمويل مصادر الطاقة المتجددة، وهي الرسالة التي أصبحت مثارا للجدل عام 2016 بعد أن استطاع مجموعة من قراصنة الإنترنت اختراق البريد الإلكتروني لآلبيراق ليكتشفوا أن الذي قام بكتابة الرسالة هي أريجان نفسها بجانب محمد موش النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية الحاكم الأمر الذي مكن أريجان فيما بعد من تولي مناصب مهمة مثل عضوية مجلس إدارة بورصة إسطنبول.

ابتلاع القطاع العام
منح الصندوق السيادي لإردوغان وعائلته الحق في إبرام الاتفاقيات مع الشركات وشراء أسهم وإضافتها إلى الحافظة المالية للصندوق، وتقديم تمويل لها، وبالتالي وقوع الممتلكات العامة ضمن الحافظة ونقلها من أجل تحصيل موارد نقدية جديدة.
وكشفت الصحافة الألمانية عن رغبة إردوغان في توقيع صفقة لبيع شركة السكك الحديدية التركية إلى مجموعة سيمنز الألمانية في الوقت الذي لم يطرح الرئيس الشركة لمناقصة من أي نوع أو يكلف نفسه بإصدار بيان للتوضيح، ما جعل أستاذ الاقتصاد يالكين كارتيبي يؤكد أن الصندوق أداة استحواذ على المؤسسات، ووصفه بـ "هيكل غريب لا يمكن تفسيره اقتصاديا".



وقائع فساد
 
ذكرت جريدة ديكان يوم الجمعة الماضي أن صندوق الثروة السيادية باع 4 طائرات حصل عليها من مؤسسات في الدولة إلى الخطوط الجوية التركية، وقال الصحافي حسين شيمشك، في جريدة بير جون إن الصندوق أخذ 3 طائرات من رئاسة الوزراء وطائرة من وزارة الدفاع القومي، بقرار من مجلس الوزراء أكتوبر 2017، ثم باعها بمبلغ 4 ملايين و600 ألف دولار، ومن بين الطائرات التي تم بيعها، ما تم شراؤها خلال فترة رئاسة وزراء  "تورجوت أوزال" 1983/1989 ورئاسته للجمهورية عام 1993.
واقعة فساد أخرى تتعلق بالصندوق تمثلت في 48 قطعة أرض يحاول إردوغان إخفاءها تماما، إذ لم ترسل المديرية العامة للعقارات الوطنية طوال العام أية معلومات أو مستندات وملفات تتعلق بها وكأنها لم تكن موجودة من الأساس.
وأصدر خبراء - بعضهم أميركيون - يشاركون في تنفيذ القانون الفيدرالي الأميركي المتعلق بمكافحة ممارسات الفساد الأجنبية، تقريرا حذروا فيه من صناديق الثروة السيادية التي تدار بشكل سييء وتخفي بداخلها شبكة من الفساد، وحذروا السلطات الأميركية من التعامل معها  أو التورط في استثمارات أو مسائل تجارية تتعلق بالتعاون الاقتصادي، لعدم الانخراط في ملفات فساد بعضها يكون معقدا.

Qatalah