يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم يشفع لهم كونهم من نسل فاطمة بنت رسول الله، كما لم يشفع لهم احتماؤهم بالمسجد.. المئات من الأشراف، المنتسبين إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فاضت أرواحهم على يد مجموعة من الإنكشارية، الذين أطلقهم سلطان العثمانيين على المسلمين، نهبًا وسلبًا وتأديبًا وسفك دم.

الإنكشارية عاثوا فسادا في المدن العربية التي استقروا فيها، وتجاوز دورهم مهمة الحماية، بل تحولوا إلى أهم مراكز القوى في المدن، وكان لهم مصالح اقتصادية وروابط اجتماعية حاربوا في سبيلها، بينما لم يحاربوا في سبيل نشر الأمن، فكانوا أحد أسباب انعدامه.

بعد أن قويت شوكتهم، دخلت فرقة الإنكشارية في صراع مع الولاة، ذاق خلاله الرعايا العرب الويل من صراع مرتزقة الوالي مع الإنكشارية، فكانت المدن والقرى تُنهب والنساء تُنتهك أعراضهن والدماء تُراق أنهارا.

مدينة حلب شهدت مرارا حوادث صراع الوالي مع الإنكشارية وصراع الأخيرة مع طبقة السادات (آل البيت/الأشراف)، ولم يقدر الولاة على لجم جماح الجند، ودفع السكان العرب من دمائهم وأموالهم ثمن الاحتلال العثماني.

عام 1797 شهدت حلب مذبحة نفذتها الإنكشارية بحق آل البيت، كانوا محتمين في أحد بيوت الله، فانتهكه الجنود ودنسوه وسفكوا دماء المتحصنين به.

الإنكشارية المحلية
الحاميات الإنكشارية التي تركها السلطان سليم الأول في المدن بعد احتلالها، تحولت بمرور الوقت إلى قوى مستقلة، عُرفت باسم "الإنكشارية المحلية"، هذه الحاميات لم تكن تتلقى رواتب من إسطنبول ولا تتلقى الأوامر منها، ولا تشارك في الحروب إلا قليلا. لهذا استغلت قوتها في تحقيق دخول مادية، فشاركوا في التجارة والاقتصاد باحتكار بعض السلع أو الاستحواذ على الأراضي.

الوضع الجديد لهذه الحاميات جعلها في تماس دائم مع القوى المحلية، مما نتج عنه تنافس وصراع مصالح، وكانت الإنكشارية تستخدم قوتها شبه العسكرية دائما ضد خصومها سواء كانوا ولاة أو الوجهاء والأعيان.

في مدينة حلب، كان لطبقة السادات (الأشراف/آل البيت) وجود مستقل ومصالح مشتركة، يدافعون عنها ضد أطماع الإنكشارية، مما أدى إلى نزاع دائم بين الطرفين. شهدت حلب صراعات عديدة كانت الإنكشارية طرفها سواء ضد الولاة أو السادات أو ضد فرق عسكرية أخرى.

واقعة جامع الأطروش
الحادثة المعروفة باسم "واقعة جامع الأطروش" في عام 1797 هي إحدى حلقات الجرائم الإنكشارية بحق السادات وسكان حلب.

منذ عام 1526 شهدت حلب ثورات عديدة للسكان ضد ظلم الولاة والإنكشارية، ومع الوقت استقلت الإنكشارية عن سلطة الولاة وأصبحت لاعبا مستقلا ضد السكان والولاة معا.

الأهالي واجهوا ظلم الإنكشارية مرات عديدة وشهدت المدينة على مدى قرون حروبا بين الفريقين تخمد حينا وتشتعل حينا آخر، عام 1790 شهدت حلب اشتباكات دموية بين الإنكشارية وأهل حلب يقودهم السادات بسبب فساد الفئة الأولى وطغيانها ولم يقدر الوالي على إيقاف طغيانهم.

عام 1793 عينت الدولة سليمان فيضي باشا على حلب، بشرط إصلاح ذات البين بين الإنكشارية وأهل المدينة، ونجح في الصلح بين الطرفين، إلا أن الإنكشارية سرعان ما نقضوا العهد واعتدوا على وجهاء حلب وعادوا إلى ما كانوا عليه من نهب وسرقة أقوات حلب وقوافل التجارة، لكن الصلح تجدد بين الطرفين.

الصلح كان هشا ولم تمض سنوات قليلة حتى اندلع القتال بين السكان والإنكشارية عام 1793 في عهد الوالي درويش مصطفى باشا.

سياسة السلطنة في تبديل الولاة وبث الفرقة بين الفرق العسكرية منعا لوجود ولاة أقوياء، كانت سببا في تجبر الإنكشارية على الجميع. القتال اندلع بين السكان يقودهم السادات والإنكشارية التي كانت الغلبة لهم بفضل تفوقهم العسكري، فعاثوا خرابا في المدينة ونهبا وتقتيلا وانتهاكا للحرمات، والتجأ السادات إلى جامع الأطروش يتحصنون ببيت  الله من مطاردة الإنكشارية.

الإنكشارية لم تحفظ للجامع حرمته وحاصروا اللائذين به ومنعوا عنهم الماء والطعام حتى شارفوا على الهلاك جوعا وعطشا، فاستأمنوا الإنكشارية على أنفسهم، فأمّنوهم وحلفوا لهم بالأيمان المغلظة على ذلك، فوثق السادات منهم وفتحوا أبواب الجامع فما كان إلا أن هجمت الإنكشارية على المسجد ودخلوه بأحذيتهم، وفتكوا بهم قتلا وجرحا وسلبا.

السادات ومن تبعهم من السكان سقطوا تحت أقدام الإنكشارية، الذين نكلوا بجثثهم بعد أن قتلوهم، المئات فقدوا أرواحهم جراء غدر وخيانة الإنكشارية وأصيب مثلهم وهتكت الأعراض والخدور.

تخليد المأساة
الفاجعة كان وقعها أليما على السكان بكل طوائفهم وخلدها الشعراء بقصائد نعوا فيها الضحايا العرب وهجوا الإنكشارية.

الشيخ محمد وفا الرفاعي قال عن الفاجعة:
هي المصيبة في آل الرسول فكم
سرى بأخبارها في الناس ركبان
من آل بيت رسول الله شرذمة
من النوابغ أحداث وشبان
آووا لبعض بيوت الله من فرق
فمن العدو للأعداء عدوان
فجاء قوم من الفجار تقصدهم
فآمنوهم ولكن عهدهم خانوا

الشاعر محمد أفندي الخسرفي كتب عن الواقعة قصيدة منها:
سلوا عليهم سيوف الكيد وابتدروا
سلبا وقتلا وما دانو وما لانوا
هدرتم دم أبناء الرسول فهل
فرعون أوصاكم فيه وهامان
يتمتموا كل طفل لا لسان له
كأن والده للهول نشآن

سلطنة الخوف
العداء بين الطرفين ظل قائما حتى عام 1801، حين توسطت السلطنة بين الطرفين لعجزها عن ردع الإنكشارية، وقام الوزير يوسف باشا بالمهمة، وإرضاء للسادات تم نفي 43 من الإنكشارية وأخذ القلعة منهم.

الحل العثماني للصراع الدائم كان الغرامة المالية التي يدفعها المعتدي إلى الحكومة وهو حل كثيرا ما تكرر في النزاعات رغم أنه لا يساهم في صيانة الدماء والأعراض والأموال إلا أنه يساهم في ملء جيب رجال إسطنبول.

الصراعات بين الطرفين ظلت مستمرة حتى القضاء على فرقة الإنشكارية عام 1828 في إسطنبول ومطاردة الإنكشارية المحلية في المدن والبلاد، لكن ظلم العثمانلي لم ينته إلا عام 1918 حين طرده الثوار العرب من سورية.

المصادر :


Qatalah