يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


عادة قتل السلاطين العثمانيين لإخوتهم الذكور عند اعتلائهم العرش، تسببت في مشاكل عديدة في وراثة العرش، وهددت بقاء السلالة العثمانية أحيانا، وفتحت الباب لتولية محمد الرابع وعمره 7 سنوات فقط، لتتحكم جدته كوسم سلطان، ثم والدته ترخان في السلطنة.

وجود طفل صغير على العرش فتح الباب على تنافس الحريم على إدارة الدولة، لتقود صراع الأحزاب داخل الجيش والإدارة المدنية، مما أدى لسوء الأوضاع داخليا وخارجيا، وتكلل عهد السلطان الطفل بهزيمة مدوية لجيوشه على أبواب فيينا.

محمد الرابع تولى حكم البلاد في العام 1648 وهو طفل صغير لا يدري من أمره شيء، كان حكمه قمة الانهيار الذي وقعت فيه الدولة العثمانية على مدار نصف قرن، عوامل الضعف دبت في الدولة ببطء ولكن بمعدل ثبات، لتأتي سلطنة الطفل محمد كالصفحة الأبرز في مسلسل السلاطين الضعاف الذين تلاعبت بهم قوات الإنشكارية ونساء الحرملك والصدور العظام.

نسل الأبله
والده السلطان إبراهيم الأول كان مختلا عقليا، عاش حياته بين الجواري، وتم خلعه ثم قتله. والدته هي المحظية خديجة تُرخان سلطان، ولد محمد الرابع عام 1642 وتولى الحكم وعمره 7 سنوات، وظل على كرسي السلطنة لمدة 39 عاما (1648-1687)، وخلد عهده كأطول عهود الذل العثماني، حيث شهد هزيمة نكراء على أبواب فيينا عام 1683، وهزيمة ساحقة في معركة موهاج الثانية عام 1687، والتي كانت السبب في عزله ونفيه، وتوفي عام 1693، وإن كانت هناك شكوك حول وفاته مسموما.

كمن سبقه، نشأ محمد الرابع في أحضان الحريم، مما أثر على تكوينه العقلي والنفسي، بجانب أنه تولى العرش صغيرا بتدبير من جدته كوسم سلطان، التي عزلت والده إبراهيم ودبرت مقتله حتى تنفرد بالحكم.
أطماع الجدة اصطدمت بعقبة خديجة سلطان، الوالدة التي رفضت الانصياع لها، وسعت للسيطرة على ابنها، ودخلت السيدتان في صراع على السلطة لمدة 8 سنوات.

السلطان الطفل كان مُبعدا، وكان يتم تسليته وإلهاؤه من خلال اصطحابه في حفلات صيد، التى تحولت إلى إدمان وأصبح الصيد هوايته المفضلة.

البلاد ضربتها الفوضى والقلاقل بسبب صراع الحريم، وصغر سن السلطان. الإنكشارية عاثت في المدن فسادا ولم ترحم صغيرا ولا كبيرا، ودبت الفرقة والفوضى في صفوف الجيش، وشهدت البلاد هزائم كبيرة.

الجيش فشل في دخول مدينة كانديا في كريت وانسحب منها، وتعرضت البحرية إلى هزيمة كبيرة على يد الأسطول البندقي عام 1649. فيما ثار زعماء الأناضول المحليون على العثمانيين بقيادة قاطرجي أوغلي، وكورجي يني، وهزما والي الأناضول أحمد باشا، وسارا إلى القسطنطينية لولا أن دبت الفرقة بينهما واسترضى حكام إسطنبول قاطرجي أوغلي بتعيينه واليا للقرمان.

"كوسم" تحكمت في الصدور العظام، فولت وعزلت من تشاء دون حساب، وزاد ذلك من اضطراب الأمور، وتوالت الثورات تارة من الإنكشارية، وتارة من السباهية الإقطاعيين، وتارة من الأهالي، احتجاجا على نير الضرائب واستبداد الجند واختلال الأمن.

هزائم أوروبية
البندقية هاجمت الأسطول العثماني عند مدخل الدردنيل، وأنزلت به هزيمة ساحقة، واحتلت جزيرة لمنوس وتنيدوس، وفرضت حصارا بحريا على القسطنطينية، ومنعت دخول القمح والطعام، فتفشى الغلاء في المدينة.

خديجة سلطان تمكنت من الإطاحة بالجدة كوسم سلطان وحلت محلها في السيطرة على السلطان، وخافت على انهيار حكم ابنها، فلجأت إلى الوزير محمد باشا كوبريلي، وعينته صدرا أعظم، فاتبع الرجل سياسة الإرهاب، وقام بإعدام مئات الجنود وشنق بطريرك اليونانيين، لكن السلطنة تعرضت إلى هزيمة كبيرة على يد راكوكسي، أمير ترنسلفانيا، وقسطنطين الأول في موقعة ليبا عام 1658.

محمد باشا كوبريلي توفي عام 1661، وخلفه ابنه أحمد، الذي مني بخسارة عسكرية كبيرة أمام النمسا في موقعة سان جوتار، ووقع على معاهدة انسحب بموجبها من إقليم ترانسيلفانيا. لكن سياسة الإرهاب للصدر الأعظم لم تنقذ السلطنة، وخلال عهد محمد الرابع ظهر القائد البولندي سوبيسكي، الذي أنزل هزائم عدة بالعثمانيين واسترد منهم مدينة لمبرج، وتم انتخابه ملكا لبولندا عام 1673.

قرابين السلطان
الصدر الأعظم توفي، وتولى بعده صهره قره مصطفى باشا، الذي أخضع السلطنة لخدمة مصالحه، فباع المناصب العليا ووقع المعاهدات والامتيازات المجحفة بالدولة. بسبب سوء سياسته انقلب القوزاق  على السلطنة، وطلبوا مساعدة روسيا فلبت طلبهم، وحاربوا العثمانيين حتى عام 1681، وانفصلوا عن السلطنة.

مصطفى باشا عقد صلح "رادزين" عام 1681 مع الروس لإنهاء الحرب، تنازل فيه عن جميع مطالبهم في أوكرانيا، وبذلك أصبحت حدود الطرفين متماسة بعد سقوط أوكرانيا كمانع أمام الروس.

القيصر حصل على حق حماية الكنيسة الأرثوذكسية في القدس، وحق إنشاء بطريركية أرثوذكسية في موسكو معترف بها من العثمانيين، بجانب بطريرك القسطنطينية.

قره باشا ظن نفسه فاتحا، فقاد الجيش ضد النمسا وحاصر مدينة فيينا عام 1683، طمح لتحقيق إنجاز جديد، إلا أنه تعرض لهزيمة ساحقة، خسر خلالها 17 ألف جندي، وفر السلطان إلى أدرنة، وكان ينتظر النصر الموعود في مدينة بلجراد. هزيمة فيينا كتبت نهاية قره باشا، الذي أمر السلطان بقتله خنقا لإرضاء الرأي العام، ليكون قربان السلطان الأول لإرضاء الجند والعامة.

نهاية الصياد
بعد هزيمة فيينا تعرضت السلطنة إلى هزائم متتالية، وخسرت أغلب مدن اليونان التي استردتها البندقية، وفي المجر خسرت مدينة يست والعديد من القلاع العامة، ثم مدينة بودا عاصمة المجر، عام 1686، وبذلك تم طرد العثمانيين من أغلب مدن المجر.

الصدر الأعظم سليمان باشا كان أحمق مثل السلطان، فقام بشن هجوم بجيش تعداده 70 ألفا على النمساويين في سهل موهاكس، عام 1687، وتعرض لهزيمة فادحة، كلفت الدولة إقليم ترانسلفانيا. ومثل سلفه قره باشا، صدر أمر بقتله خنقا، لإرضاء الجند الغاضبين.

سلسلة الخسائر تسببت في موجة من السخط في المجتمع، وغضب الناس على السلطان الذي شغل نفسه بالصيد وأهمل شؤون الدولة فثار الجيش يطالب بعزله.

كان التمرد عادة الإنكشارية والجنود، عندما يتعرضون إلى هزيمة ويلقون الاتهامات على القادة، ويطلبون رؤوسهم، وفي هذه المرة كانت الهزائم أكبر من رأس الصدر الأعظم، وطالبوا بعزل السلطان نفسه.

السلطان الضعيف توسل إلى جنوده كي لا يخلعوه، وأقسم أنه لن يذهب للصيد مرة أخرى، لكن الجند ضاقوا به ذرعا، واستصدروا فتوى تجيز عزله لانغماسه في اللهو، وتم عزله عام 1687، ثم نقل إلى أدرنة ليستمتع بإدمان الصيد ما تبقى له من الحياة، لكنه رحل وقد حكم التاريخ عليه بأن عصره كان بداية تحول الدولة العثمانية إلى دولة من الدرجة الثانية في السياسة الأوروبية، ومع نهاية حكمه لم تعد دولة آل عثمان تشكل خطرا على وسط أوروبا، بل أن العثمانيين بدأوا من نهاية حكمة قصة هزائم لا تنتهي حتى سقوطها في أوائل القرن العشرين.

المصادر :


Qatalah