يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


على مدار 3 قرون، استغل العثمانيون جزيرة سواكن لإرسال الحملات العسكرية إلى السواحل السودانية بغية احتلالها ونهب مواردها وثرواتها، واليوم يسير رجب إردوغان على نهج أجداده المفتون بماضيهم المخزي، ويسعى مع رفاق دربه "العثمانيين الجدد" إلى إحياء سلطنتهم المقبورة.

رجب استغل ظروف السودان الاقتصادية لإحكام قبضته على شبه الجزيرة ذات الموقع الاستراتيجي في البحر الأحمر، ورتب زيارة لها ديسمبر 2017، حاملا معه الكثير من الوعود لإنقاذ اقتصاد الخرطوم المترنح بـ22 اتفاقية، مقابل الاستيلاء على الأرض الزراعية وجزيرة سواكن المهمة.
جرى الاتفاق خلال الزيارة على تأجير الجزيرة إلى تركيا لمدة 99 عاما، وإقامة مشروعات عسكرية تركية في الجزيرة، وتعهدت الخرطوم بتوفير الدعم اللازم لإتمام المشروعات، هكذا نجح رجب في احتلال الجزيرة التي ظلت في قبضة الغزاة العثمانيين لمدة 3 قرون، ما يبرهن على سيره المنتظم في طريق "العثمانية الجديدة".

إردوغان يعي جيدا أهمية سواكن الاقتصادية والسياسية والأمنية، ولا يخفي عزمه إعادة نفوذ تركيا الاقتصادي في القارة السمراء كما كانت قبل 100 عام، إذ حظيت الجزيرة بمكانة مهمة في العهد العثمانلي، وكانت مركزا لأسطولها في البحر الأحمر، وضم ميناؤها مقر الحاكم العثماني لجنوب شرق إفريقيا.

وكالة "رويترز" أفادت في تقرير لها  أن أنقرة تسعى إلى إعادة الدور العثماني القديم في البحر الأحمر عبر السودان، وإعادة الأسطول التركي إلى قوته القديمة مستغلة موقع الجزيرة الاستراتيجي، مؤكدة أن الأمر لا يقتصر على الجوانب العسكرية، وأن تركيا سوف تحقق مكاسب اقتصادية وأمنية وسياسية أيضا بإتمام هذه الصفقة.


تجهيز سواكن

 

إردوغان قال خلال زيارته إلى الخرطوم :"حصلنا على جزء من السودان هي جزيرة سواكن، سترونها منطقة محورية في البحر الأحمر بمشروعات سياحية وميناء لنقل الحجاج عبر البحر الأحمر إلى مكة"، محاولا التستر على أطماعه العسكرية والتوسعية في البحر الأحمر، وتحركاته الخفية على أرض الجزيرة تمهيداً لإعلانها قادة عسكرية تركية في أقرب وقت.
موقع "إفريقيا إنتليجنس" المتخصص في الشؤون العسكرية والاستخباراتية كشف في تقرير له نشر بعد زيارة إردوغان للخرطوم، أن الرئيس التركي طلب من الحكومة السودانية تشكيل لجنة لدفع تعويضات لسكان الجزيرة سواكن، وإخلاء سواكن من الأهالي بأسرع وقت تمهيدًا لنشر قوات تركية وتأسيس منشآت ومرافق عسكرية هناك.

وذكرت وسائل إعلام سودانية أن أنقرة منعت بواخر البضائع التركية من الرسو في ميناء سواكن بداية من مايو المقبل، وأن نائب مدير الموانئ كابتن محمود أحمد أبلغ غرفة التوكيلات الملاحية بالقرار، واعتبر معتمد محلية سواكن خالد سعدان أن القرار يهدد بنسف استقرار المنطقة.
تركيا تعمل عبر ضخ المزيد من الأموال في الجزيرة لإعادة بنائها على وجه السرعة، وأعلن السفير التركي لدى الخرطوم عرفان نذير أوغلو أن تكلفة إعادة تأهيل مباني وميناء الجزيرة تبلغ 400 مليون دولار، موضحا أن عدد المباني العريقة في الجزيرة تبلغ 100 مبنى.

ومنذ بداية 2018، راحت الخطوط الجوية التركية تقل متخصصين أتراك إلى الجزيرة وميناء بورتسودان، ووصل أكثر من 20 مهندسا وفنيا إلى الخرطوم فبراير 2018، ووضعوا خارطة طريق ومخططا عاما للمشروعات المستهدفة بين الجانبين، حسبما أفادت وكالة "رويترز".

وكشف موقع "ميدل إيست آي" البريطاني مارس الماضي أن عمالا وخبراء ومهندسين أتراكا سينفذون مشروعا إنشائيا في سواكن، مشيرا إلى نقل معدات ثقيلة والعديد من العمال الأتراك إلى الجزيرة، مع توجيههم بضرورة عدم الحديث عن طبيعة عملهم لوسائل الإعلام أو لغيرهم.
وسط أجواء التكتم والسرية الشديدة التي تحيط بالأعمال على الجزيرة، لم يتمكن الموقع البريطاني من الحصول على تفاصيل إلا من مصدر تركي رفض ذكر اسمه، مؤكدا أن 30 خبيرا في عدة مجالات تشمل: البناء والتشييد يعكفون على تنفيذ مشروع كبير لكنه يظل سريا.
المصدر التركي أضاف: "الخبراء الأتراك يعملون في المرحلة الأولى من تنفيذ المشروع بعد الانتهاء من الدراسات البحثية اللازمة، وسيعملون بدءا من الآن (مارس) على تنفيذ مشروعات ستغير شكل الجزيرة تماما، في إشارة قوية على إعادة بناء هذه المنطقة المهملة".

سواكن عثمانية

فور الانتهاء من الاتفاق على منح سواكن لتركيا في 2017، وزيارة وزير الدفاع التركي خلوصي أكار في يناير 2018، نشرت المديرية العامة للأرشيف العثماني في تركيا وثائق قالت إنها تظهر أبرز أنشطة الباشاوات العثمانيين في جزيرة سواكن السودانية في الفترة ما بين 1517 و1882.

المديرية في إطار احتفالها بإعادة العثمانيين إلى سواكن تحدثت عن أهمية موقع الجزيرة الاستراتيجي على الطريق الواصل بين الدولة العثمانية والحبشة (إثيوبيا)، وبحسب وثيقة عثمانية نشرتها مقدّمة إلى الصدر الأعظم "رئيس الوزراء العثماني" صوقللي محمد باشا، بعنوان "أحكام بيلربك الحبشة" التي تعود للقرن السادس عشر، فإن القبائل المحلية هاجمت عام 1571 جزيرة سواكن، فواجهتها قوات الأمن هناك باتخاذ الإجراءات الكفيلة بضبط الأمن.

أضافت: "أظهرت وثائق أخرى أهم الإجراءات التي اتخذتها قوات الأمن لضمان أمن وسلامة المنطقة طوال فترة الحكم العثماني، كما أظهرت بعض الوثائق المحررة عام 1854 معلومات عن أعمال الترميم التي أجريت على مقر قائم مقامية منطقة سواكن وبعض الأحياء في الجزيرة، وأخرى تضم مراسلات موجهة من قائم مقامية سواكن والسلطات القضائية هناك إلى الصدر الأعظم في الآستانة".

تابع: "هذه المراسلات تحتوي على توصيات بضرورة تجديد مبنى الجمارك، وإنشاء ميناء جديد، على أن تدفع التكاليف من قبل إدارة الجمارك في جدة بولاية الحجاز، كما تشير وثائق أخرى إلى توصيات من الإدارات المحلية في سواكن، حول ضرورة تعزيز التحصينات العسكرية لصدّ أي هجمات خارجية محتملة في المستقبل، وضرورة إرسال كميات من الذخيرة".


أغراض خبيثة

سواكن جزيرة مسطحة، يبلغ طولها 750 مترا، وعرضها أقل من 500 متر، تضم منطقة أثرية تاريخية، حولتها الرياح الصحراوية القاسية إلى منطقة شبه مهجورة، وكانت تحتضن ميناء السودان الرئيس قبل نقله على يد الاستعمار البريطاني إلى ميناء بورتسودان عام 1910.
السودان أعاد الحياة إلى الجزيرة، وأنشأ فيها ميناء لتصدير النفط، وتضم سواكن أقدم ميناء في السودان، يستخدم عادة لنقل المسافرين والحجاج والبضائع إلى ميناء جدة السعودي، ويأتي الميناء في المرتبة الثانية بعد بورتسودان حسب الأهمية، ويقع إلى الشمال منه على بعد 60 كم.

وحول أهمية الجزيرة الاستراتيجية والأهداف الجيوسياسية التي حققها إ{دوغان بسيطرته عليها، نشر موقع "إفريقيا إنتليجنس" المتخصص في الشؤون العسكرية والاستخباراتية تقريرا يناير الماضي أكد فيه  أن "إردوغان يعتبر السودان عنصرا أساسيا في توسع إمبراطوريته في إفريقيا، وأنه توجه إلى الخرطوم في رحلة استغرقت يومين ليطلب من نظيره السوداني جزيرة سواكن".

المسؤولون الأتراك يحاولون تبرير إنفاق مليارات الدولارات بمزاعم "إعادة بناء وإعمار الجزيرة لأغراض سياحية وتجارية"، لكن الخبراء يرون أن اندفاع تركيا لإنشاء قاعدة عسكرية في موقع استراتيجي على شاطئ البحر الأحمر وراءه أسباب عسكرية واقتصادية دفينة لن تخرج للعلن.
موقع الجزيرة منحها أهمية استراتيجية عسكريا واقتصاديا، إذ تقع تقريبا في نقطة وسطى بين قناة السويس شمالا ومضيق باب المندب جنوبا، وأكد مركز خدمات المعلومات الجيوسياسية الأوروبي أن أنقرة "نجحت في اقتناص أراضي الجزيرة لمدة 99 عاما في انتصار جيوسياسي كبير".
الموقع أضاف: "الجزيرة تتيح لأنقرة توسيع قاعدة تحالفاتها في المنطقة بالوصول إلى البحر الأحمر، والانتصار الجيوسياسي الثاني يتمثل في تهديد القاهرة التي توترت علاقتها بأنقرة عقب إسقاط حكم جماعة الإخوان وخلع الرئيس محمد مرسي إبان ثورة المصريين 30 يونيو 2013.
مضى قائلا :"أنقرة تعمل على زعزعة العلاقات بين مصر والسودان، وصفقة سواكن تسببت في تدهور سريع للعلاقات الدبلوماسية بين الجارتين، فالمصريون اعتبروا تسليم الجزيرة لإردوغان وبناء قاعدة عسكرية تركية على أرضها بمثابة عمل عدواني يضر بمصالح وأمن بلادهم".




أسباب اقتصادية

وحول المكاسب الاقتصادية للأتراك من صفقة سواكن، أكد معهد دراسات الشرق الأوسط أن "تركيا تريد الاستفادة من الأهمية الاقتصادية والتجارية للبحر الأحمر، حيث إن عشر التجارة البحرية العالمية يمر عبره، وهذه النسب قد ترتفع بعد تنفيذ طريق الحرير الذي تعتزم الصين إنشاءه للربط بين قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا بـ 47 مليار دولار".
المعهد أضاف: "الطريق يمر عبر 56 دولة، ما سيجعل البحر الأحمر منطقة مرور مزدحمة بحركة السفن، كمنطقة ربط بين أوروبا والشرق الأقصى، كما يأتي ذلك مع توقعات بتضاعف عدد سكان حوض البحر الأحمر بحلول 2050، ما يعني تضاعف تجارة إفريقيا مع آسيا وأوروبا".
الباحثة في معهد الأبحاث الأوروبية والأمريكية شول شاي تقول :"تركيا ترغب في تأمين علاقاتها الاقتصادية مع إفريقيا عبر السودان، حيث زادت حجم تجارتها مع القارة السمراء أكثر من 6 أضعاف العقد الماضي ليبلغ 17.5 مليار دولار مع حجم استثمارات مباشرة بـ 6.5 مليار دولار".
أضافت: "أنقرة لا تريد أن تجد نفسها خارج السباق التجاري والاقتصادي في منطقة البحر الأحمر، وتسعى إلى ضمان موطيء قدم في موانئه المهمة"، مشيرة إلى أن "موقع مضيق باب المندب ليس بعيدا عن الحسابات والخطط التركية، حيث تدخل أنقرة في الصراع حول الممر المائي".
مضت قائلة: "المضيق يربط البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب، وتتنافس عليه دول عربية وأجنبية مثل تركيا، حيث يمر به أكثر من 19 ألف ناقلة بحرية وأكثر من 1.5 مليار برميل نفط سنويا قادمة من الخليج العربى إلى أوروبا وأمريكا، لذا ترغب أنقرة في تعزيز مكانتها هناك".
الباحثة أردفت قائلة: "جزيرة سواكن تبعد 50 كم فقط عن ميناء بورتسودان، وقاعدتها العسكرية في الصومال، والتي تعد الأكبر في ذلك البلد العربي الفقير"، مشيرة في الوقت نفسه إلى مخطط إردوغان للإضرار بمصالح مصر والسعودية، بمنح أنقرة موطيء قدم في المنطقة.

أسباب عسكرية
التحركات المتسارعة لتركيا لتعزيز وجودها في الشرق الأوسط وإفريقيا، والتي بدأتها بافتتاح قاعدة عسكرية في مقديشو في سبتمبر 2017، ثم التجهيز لقاعدة جديدة في السودان، تدل على رغبة أنقرة الحقيقية لمزيد من الانتشار العسكري في المنطقة لتكون على مقربة من مناطق الصراع.
هذا الوجود العسكري يعزز نفوذ تركيا بعد توتر علاقاتها بعدد من الدول المحورية في المنطقة العربية، بسبب دعم الأتراك للجماعات الإرهابية، فضلا عن تصاعد حدة الخلاف مع المجموعة الأوروبية، وذكر معهد "ثيودور كاراسيك" أن أنقرة ترغب في التواجد بالبحر الأحمر.
أضاف: "أنقرة تريد التنافس على النفوذ مع دول المنطقة، وإعاقة القاهرة والرياض في تنفيذ العمليات الاستراتيجية الضرورية لتحقيق أمنهما البحري عبر عمليات اعتراضية لإيقاف كل أنواع التجارة غير الشرعية وتهريب السلاح، ومن المؤكد أن تركيا لا تعاون في هذا الإطار".
تابع :"هذه المقدمات تجعل الأتراك أصحاب النفوذ الأكبر في البحر الأحمر، وممارسة مزيد من الضغط على الدول الرئيسة بالمنطقة، والتي تملك هي الأخرى قواعد عسكرية، وإن كان بعضها داخل حدودها البحرية، بحكم موقعها الجغرافي مثل كل من مصر والسعودية". 
في مقاله المنشور على موقع "المونيتور" الأمريكي يناير الماضي، يقول الصحافي التركي فهيم تاشكين: "تركيا ترغب في دعم حلفائها بالمنطقة، وتحديدا جماعتي الإخوان والحوثيين، وتحويل الجزيرة إلى قاعدة عسكرية بحرية يكفي لإثارة تساؤلات مصر والسعودية".
الصحافي التركي أضاف: "التحالف العسكري بين أنقرة والخرطوم سيؤدي إلى الإخلال بتوازن القوى في المنطقة، والقاعدة التركية سوف تتحول إلى نقطة انطلاق لتعزيز ودعم الحوثيين في اليمن، فضلا عن دعم وجود جماعة الإخوان المسلمين في دول أخرى في المنطقة".


يشعل الحرب
يتوقع مراقبون أن يثير التواجد التركي في جزيرة سواكن كثيرا من الصراعات والأزمات في الشرق الأوسط، لا سيما أن "العثمانيين الجدد" يسعون لإثارة القلاقل والتوترات وتغيير خريطة التحالفات والنفوذ في المنطقة لصالح جماعات وكيانات متطرفة وإرهابية.
الكاتب الأمريكي توماس كوك المتخصص في شؤون الشرق الأوسط يقول تعليقا على الصفقة التركية السودانية وتحويل جزيرة سواكن وما وراءها :"تركيا تسعى لإشعال المنطقة، والدول الكبرى مطالبة بالتصدي لنفوذ إردوغان ومخططاته لوأد النزاعات المتوقعة".
الخبير شاؤول شاي قال في تقرير لمعهد السياسة والاستراتيجية التابع لمركز "هرتسليا" يناير الماضي: "زيارة إردوغان إلى السودان وتوقيع اتفاق جزيرة سواكن أضافا مزيدا من التوتر على الوضع السياسي المحتدم بالفعل في المنطقة، الوضع الآن أصبح خطرا".

Qatalah