يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


اختفت صرخات ضحايا المذابح التي نفذها العثمانيون بدم بارد في الدول التي احتلوها، تحولت على يد كتيبة حزب "العدالة والتنمية" الحكام فى أنقرة إلى مسلسلات رومانسية يدافع فيها السلطان عن الشعوب الإسلامية بوصفه "السلطان العثمانى" لا رئيس الدولة، كما يروج العثمانيون الجدد عبرها لوهم عودة "الخلافة"، التى تكاد تتحول إلى بالون كبير يتم نفخه ليل نهار، لينفجر فى النهاية فى وجوههم، ووجه "الخليفة المنتظر" رجب إردوغان، الحالم بالجلوس على العرش واختطاف "شرعية زائفة" لنهب ثروات الشرق العربي وإعادة السيطرة على المنطقة من جديد.
يروق لإردوغان وصف "خليفة المسلمين" الذي يطلقه عليه كاهن جماعة الإخوان المسلمين يوسف القرضاوي، فالرئيس التركي يحلم بالمنصب الروحي الذي سعى إليه من قبل سلاطين الدولة العثمانية فيما لم يتمكن أحدهم من الحصول عليه، ويتوهم من داخل قصره الأبيض أنه يقف على رأس إمبراطورية مترامية الأطراف تضم دول الشرق الأوسط، في حين كشف عن أطماعه في التوسع جنوبا على حساب سورية والعراق، وغربا بالتهام أجزاء من قبرص واليونان.
تبنى "العدالة والتنمية" إطلاق حملات تزوير التاريخ بالتأكيد على شرعية الحكم التركي وترويج أكذوبة الخلافة العثمانية، في الوقت الذي يقود رجب تيار العثمانيين الجدد تحت غطاء شعارات إسلامية مزيفة، رافضا الميراث العلماني للدولة التركية التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك على أطلال الخلافة العثمانية عام 1923.
وجد رجب في ركوب موجة العثمانيين الجدد إشباعا لغروره وتحقيقا لمطامعه في امتلاك سلطة بلا قيود، فسارع إلى التحالف مع جماعة الإخوان في العالم العربي، والتي كانت في حاجة ماسة إلى تنفس صناعي يعيدها إلى الحياة بعد دفنها على قوائم الإرهاب.
التقارب في الأفكار بين الجماعة المنبوذة مكن الرجل الواهم من قيادة الجماعة بالشكل الذي يرضي الطرفين، فمن المعروف أن الجماعة تأسست بعد سقوط الدولة العثمانية عام 1928، كبديل يسعى لسرقة "الخلافة الإسلامية" المفقودة، ما جعل إردوغان يعمل دائما على تسويق نفسه كإمام للإخوان باعتباره الخليفة المنتظر، وهو ما يحقق حلم أستاذية العالم للإخوان.
 
 
أكاذيب أوغلو 
لا يخجل رئيس الحكومة الأسبق، ووزير الخارجية أحمد داود أوغلو من الدفاع عن السياسة الاستعمارية لبلاده، رغبة في إحياء "الخلافة" على حساب شعوب الجوار، ووضع في كتابه "العمق الاستراتيجي" ما يمكن وصفه بالخطوط العريضة لأفكار العثمانيين الجدد، حيث يرى أن الصراع بين الأنماط الثلاثة الإسلامي، والعثماني، والقومي على الحكم في تركيا خلال بدايات القرن العشرين، أدى في النهاية إلى انتصار النمط الأخير بإعلان الجمهورية في 1923، الأمر الذي مثل نكسة كبرى في مسيرة الشعب التركي - وفق أوغلو - وأدخل البلاد في كبوة طويلة، أفقدتها الكثير من ثقلها الاستراتيجي في المنطقة في ظل عدم ثبات الرؤية لدى العلمانيين الأتراك، حسب زعمه، وبالتالي فإن العودة إلى الدولة العثمانية السبيل الوحيد لبسط النفوذ التركي على الأقاليم التي شكلت قديما قوام الإمبراطورية العثمانية في البلقان والدول العربية.
وقع طرح أوغلو في العديد من الأخطاء التاريخية القاتلة، فالعثمانيون لم ينظر إليهم أبدا طوال القرون الأربعة التي حكموا فيها العالم العربي باعتبارهم خلفاء شرعيين، وحتى في عصر السلطان عبد الحميد الثاني الذي  استخدم نظريات الجامعة الإسلامية على نطاق واسع لتعزيز سلطته المتداعية في الداخل والخارج لم يعترف بشرعيته أحد.
 
 
بطل من ورق 
بهدف تحويل نظرية أوغلو إلى واقع، لجأت الدولة التركية في عهد إردوغان إلى تدشين آلة دعائية ضخمة جعلت من حكومته امتدادا طبيعيا لحكم سلاطين آل عثمان، من خلال أعمال درامية وأفلام وثائقية تعطي صورة ملونة للدولة العثمانية باعتبارها آخر خلافة شرعية دافعت عن العالم الإسلامي ضد خصومه من الصليبيين واليهود قديما وحديثا، وتجاهل كل مذابح العثمانيين التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من الأبرياء، من هنا يمكن فهم الاحتفاء الرسمي من قبل إردوغان بمسلسلات تزوير التاريخ مثل "قيامة أرطغرل" و"عاصمة عبد الحميد" باعتبارها أدوات لتثبيت الصورة التي يريد إردوغان ترويجها لنفسه باعتباره خليفة المسلمين المنتظر.
إنها محض محاولة ساذجة لطمس حقائق التاريخ في ظل وجود العديد من الوثائق والمكاتبات الرسمية للسلاطين العثمانيين أنفسهم تؤكد أنهم لم يتولوا الخلافة أبدا، ولم ينعقد لهم إجماع الأمة الإسلامية لمنحهم شرفا لا يستحقونه.
 
 
يقدم إردوغان نفسه على أنه "السلطان"، وفي زيارته الأخيرة إلى البوسنة في مايو من العام 2018 قال الرئيس البوسني بكير عزت بوجوفيتش بأن "الأمة التركية اليوم لديها رجل مرسل من الله هو رجب طيب إردوغان" في نسخة جديدة من الشرعية الدينية التي أسبغها آل عثمان على أنفسهم باعتبارهم "ظل الله على الأرض"، وهكذا يريد سلطان أنقرة الجديد أن يكون.

Qatalah