يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


أعلى العثمانيون من الشعوذة على حساب العلم، اختاروا طريق الجهل، وقتلوا طموحات كل من يحاول أن يرتقي بالعلوم ويضع الدولة على خارطة التقدم، في وقت كانت فيه أوروبا تنتصر للعلماء وتوفر لهم كل ما يحتاجون إليه. فبعد الاكتشافات الحديثة في القرن الـ16 والتي غيرت مجرى الجغرافيا، سيطر البرتغاليون والإسبان على خطوط التجارة البحرية في المحيطين: الهندي والأطلنطي عن طريق رأس الرجاء الصالح، فتدفق الذهب والفضة إلى خزائن أوروبا، بينما لم تستطع الدولة العثمانية القفز من أسوار التخلف.

مركزية الشمس 
اخترع الرياضي والفلكي نيكولاس كوبرنيكوس نظرية "مركزية الشمس" ألفي عام سيطر فيها الاعتقاد بدوران الشمس حول الكواكب على الفكر الأوروبي، وشيد الملك فريدريك الثاني في العام 1573 مرصد يورانيبورغ لرعاية أبحاث العالم الفلكي تايكو براهي، وكانت له إنجازات مبهرة، في مقابل تراجع الاهتمام بالعلوم الطبيعية في الأوساط العثمانية.

 

تحدي الجمود

يروي سامر عكاش في كتابه مرصد إسطنبول: هدم الرصد ورصد الهدم قصة التخلف والجمود العثماني، فقد سطع نجم العالم الدمشقي تقي الدين بن معروف عالم الهندسة والفلك والرياضيات، والذي رحل إلى إسطنبول قادما من القاهرة وتقرب من الخواجة معلم السلطان، الذي استطاع أن يقربه من الجالس على العرش ليتم ترشيحه في العام 1571 ويصبح "منجم باشا" أي رئيس المنجمين والفلكيين، لدى سليم الثاني، ثم عرض تقي الدين على السلطان مراد الثالث إنشاء مرصد في إسطنبول، يحاكي مرصد يورانيبورغ، وقدم إليه تقريرا حول أخطاء الحسابات الفلكية المنتشرة في تلك الفترة، وطالبه برعاية العلماء والأبحاث الجديدة، وتدريب كوادر عثمانية قائلا: "إن علم الفلك والجغرافيا أحق بالاهتمام والدراسة، ومن لم يتفكر في هيئات السموات فهو في معرفة الله عقيم"

 

مؤسسة الشعوذة

دارت مناقشات طويلة تناولت الإنجازات العلمية السابقة للدول الإسلامية، وأهمها مرصد نصير الدين الطوسي في مراغة (القرن الـ13)، ومرصد ألغ بيك في سمرقند (القرن الـ15). أما السلطان فقد نحّى كل ما ذكره تقي الدين جانبا واشترط عليه أن يخدم المرصد أغراض التنجيم وقراءة الطالع للقصر، ليجد تقي الدين نفسه أمام رجل يضرب بالعلم عرض الحائط.

 

أدرك تقي الدين أن رفضه لأوامر السلطان يعني الخروج عليه، ويمهد لإعدامه، ولا سيما في ظل خصومه الذين يتحينون الفرصة للقضاء عليه بأية وسيلة لأن تجاربه العلمية تحارب مصدر رزقهم من الشعوذة والدجل، وتذكردائرة معارف الإمبراطورية العثمانية أن تقي الدين وافق على أمل أن يتمكن في المستقبل من تحقيق نجاحات تساعده في تغيير أفكار السلطان حول علوم الفلك، وجمع طلبة لدراسة العلوم الحديثة، وشيد برجا للرصد ضم مكاتب الفلكيين وقاعة درس ومكتبة ومبنى لسكن العاملين، وجُهز المرصد بأحدث آلات.

 

انهمك تقي الدين في تجاربه العلمية، وتجاهل شرط مراد الثالث حتى وشى به رجال الدولة وأوغروا صدر السلطان عليه فاستدعاه ليقرأ له الطالع في معاركه مع الدولة الصفوية، فأدرك على الفور أنهم يدبرون مؤامرة للإطاحة برأسه. احتفظ تقي الدين برأسه وتقدم بالتهنئة للسلطان، وهو يقول له إنه شاهد مُذنبا في سماء إسطنبول، وهو ما يعني النصر للدولة العثمانية، فانشرح قلب مراد الثالث وتهللت أساريره وأمر له بمكافأة وسط ذهول رجال الدولة الذين كانوا يتهيأون للانقضاض عليه.

 

الغريب أن نبوءة تقي الدين تحققت بالفعل ولكن الخسائر في الأرواح كانت كبيرة، كما انتشر الطاعون بين الجنود والأهالي، فانتهز أحمد شمس الدين أفندي قاضي زاده شيخ الإسلام الفرصة وشن حملة معادية للمرصد، ونجح في إقناع السلطان بهدمه، وهو ما رواه كرم كيدو في كتابه "مؤسسة شيخ الإسلام في الدولة العثمانية".

 

سلطان الرجعية

تزعم شيخ الإسلام تيارا دينيا يحرّم علوم الفلك والطبيعة، وأصدر فتوى للسلطان مراد الثالث تدعوه لهدم المرصد ومحاكمة القائمين عليه، وأعد الوزير سنان باشا تقريرا عن خطورة مرصد إسطنبول على مستقبل السلطنة، فصدرت الأوامر من الباب العالي في العام 1580 بتحريك فرقة من البحرية لأداء المهمة.

 

كان المرصد حديث البناء، لم يمض على إتمامه ومباشرة الأعمال الفلكية فيه سوى عامين، وخلال ساعات تم تسويته بالأرض، مما تسبب في صدمة كبيرة لدى العلماء والفلكيين، الذين كانوا يمارسون عملهم بنشاط وحيوية. وفي عصر مراد وجهت اتهامات لتقي الدين الدمشقي بالكفر والهرطقة بسبب آرائه ونظرياته الفلكية والعلمية، وعوقب بالإقامة الجبرية والتعهد بعدم مزاولة البحث العلمي لتنتصر الرجعية العثمانية بهدم المرصد الفلكي وحرق أجهزته.

 

أرشيف التخلف

محاكمة تقي الدين كانت امتدادا لمواجهات دامية بين علماء السلطان وعلماء الطبيعة، أو بمعنى أدق بين العلم والرجعية، في دولة نصبت نفسها وصية على العقل و الشرع تنحاز فيها للجمود وتقتل المعرفة، ويذكر متين كونت في كتابه عن السلطان سليمان القانوني أن هذه الواقعة لم تكن الأولى من نوعها في تاريخ الجهل العثماني، ففي عهد سليمان القانوني عوقب عشرات العلماء بتهمة الاشتغال بعلوم الفلك والرصد، واتهم عالم الجغرافيا بيري رئيس بالجنون والهرطقة، بسبب نظرياته العلمية حول كروية الأرض ووجود قارات جديدة، وحكم عليه بالإعدام في العام 1554، وصودرت أمواله.

Qatalah