يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


أدار العثمانيون ظهورهم لـ400 عام من التحضر، حرّموا فيها الطباعة على أراضيهم ليضمنوا ولاء الرعية تحت سيف التخلف.. اغتالوا  الأفكار التقدمية قبل أن تصل إلى رؤوس شعوبهم حتى لا تعلن الثورة على حكمهم الظالم وتطالب بحقها في حياة كريمة بعيدا عن أغلال العبودية المفروضة عليهم.

جريمة - لا يمكن وصف بشاعتها - أبعدت المشرق العربي الإسلامي بأكمله عما يحدث في الغرب، ليقدم المواطنون فروض الطاعة والولاء لسلاطين اعتبروا أنفسهم ظلا لله على الأرض فقتلوا من أرادوا ونشروا الرعب والفساد وأباحوا لأنفسهم الزنا والشذوذ ومعاقرة الخمر، وحتى حين سمح آل عثمان بإدارة المطابع خصصوها لأصحاب الديانات الأخرى بعيدا عن أعين المسلمين لتنشر الأفكار الماسونية الهدامة، ويثبت سلاطين الدولة أنهم يعملون على إماطة التحضر من طريق المسلمين.

400 عام نسف فيها خدام التضليل كتب التنوير وأرسوا فيها قواعد الرق على من يحكمونهم على الرغم من أنهم كانوا على علم كامل بتقنية الطباعة منذ اختراعها في مدينة ماينز الألمانية على يد "يوهانس غوتنبرغ" في العام 1439.

 

الوسيط اليهودي 
لم تجد الطباعة موطئ قدم في العالم العثماني قبل العام 1494 ، عندما أقحم يهود السفارديم - الذين طردتهم إسبانيا واستضافهم السلطان بايزيد الثاني -  فأتوا معهم بمطابعهم، وأقاموها في أماكن تجمعاتهم بوطنهم الجديد بين إسطنبول وسالونيك وإزمير و أدرنة، هكذا، عرفت الطباعة طريقها إلى الأراضي العثمانية من خلال الوسيط اليهودي، ولكن التحريم العثماني باستخدامها ظل مستمرا على المسلمين ومقصورا على أصحاب الأديان الأخرى، الأمر الذي يثير بإلحاح التساؤل حول الدوافع الحقيقية وراء ذلك. 

حجج واهية
تحجج العثمانيون بأن رفضهم للطباعة يعود إلى خشيتهم من "تحريف النصوص الإسلامية المقدسة" وعلى رأسها "القرآن الكريم"، وقد تفهم البسطاء الطرح العثماني خاصة أن المطبعة في بواكيرها كان يستحيل معها طباعة المصحف دون وقوع أخطاء في الرسم والتشكيل، إلا أن تمديد عملية التحريم لـ 400 عام كاملة تطورت فيها آلات الطباعة، فضحت نواياهم الخبيثة، ونسفت حججهم ، لأنهم كانوا يُجرمون طباعة الكتب الدنيوية المكتوبة بالعربية كذلك.

 

فهل وجدت تركيا الحديثة ما تدافع به عن سلاطينها الذين ناصروا الجهل على امتداد قرون؟

نعم، لجأ مؤرخو مدرسة التطرف ممن يعتبرون الماضي العثماني جذرا قوميا لحاضرهم يدافعون عنه حد الاستماتة، رغم أن المبررات التي ساقوها لا تستطيع إقناع صبي، لقد لصق مزورو التاريخ التهمة بطائفة الخطاطين في إسطنبول وأشاعوا أنهم وقفوا بضراوة وراء تحريم الطباعة لأن التقنية الجديدة تحاربهم في مصدر رزقهم الوحيد.

فهل يمكن لعاقل أن يتخيل مجموعة من الخطاطين لا حول لها ولا قوة تعيق سلاطين الدولة عن عمليات التحديث التي كان على العثمانيين أن يسعوا إليها في مجالات الفكر والثقافة والتي كانت المطبعة ستشكل حجر أساس في دفعها للأمام؟!

من الإنصاف الاعتراف بالدوافع السياسية التي رأى السلاطين من خلالها في الطباعة نافذة يمكن من خلالها بناء منصات معارضة للسلطة بين الشعوب المسلمة التي أخضعوها بالسيف، وأن المطابع يمكنها من خلال منشوراتها أن تشكل وعيا سياسيا وثقافيا يهدم الرغبة التركية في الإبقاء على مجتمعاتها خاملة بدون حراك نهضوي.

 

المطبعة العثمانية
انتظر المسلمون حتى القرن السابع عشر ليحصلوا أخيرا على مطبعة تستخدم الحروف العربية في النشر، وذلك بعد أن حصل إبراهيم متفرقة  أحد المثقفين المتأثرين بالفكر الغربي في العام 1727  على فرمان من السلطان العثماني "أحمد الثالث" يأذن له ببناء أول دار طباعة عربية مع حظر إصدار الكتب الدينية من خلالها وقصر الأمر على العناوين الدنيوية الأخرى. 

رغم ذلك، فإن الملابسات التاريخية التي صاحبت إنشاء المطبعة الأولى، والأحاديث التي دارت حول مؤسسها، ومنجزها النهائي سينتهي بالبحث إلى نتائج محبطة للغاية، فإبراهيم متفرقة في الأصل كان مجريا مسيحيا، اعتنق البروتستانتية وهرب من مسقط رأسه في "ترانسيلفانيا" إلى إسطنبول بسبب الاضطهاد الديني الذي مارسه ملوك الهابسبورغ الكاثوليك ضد أمثاله من البروتستانت في نهايات القرن السابع عشر، وفي العاصمة العثمانية، اتخذ الإسلام ستارا واختار لنفسه اسم إبراهيم .

تمتع متفرقة بالعديد من المواهب، كان جغرافيا ورساما للخرائط، وإداريا وديبلوماسيا، ومؤلفا ومحققا للكتب، فسخر تلك المواهب لخدمة الماسونية، وتعرف في إسطنبول على سعيد شلبي السفير العثماني في باريس والذي كان ماسونيا أيضا وأصبحا سويا أعضاء في محفل إسكندرونة في حلب.

هذا عن شخص مؤسس المطبعة، أما منجزها ، فقد أشار وليم واطسن في مقالته عن إبراهيم متفرقة ، إلى أن إبراهيم تمكن في المطبعة الجديدة التي سماها "دار الطباعة المعمورة" واشتهرت أكثر باسم "بسمة خانة" من طباعة 17 كتابا فقط تنوعت بين النحو التركي والجغرافيا والتاريخ بين عامي 1729 و 1742 وفقا لتقرير موقع مكتبة ماكجيل. وقد كان كتاب "تاريخ الهند الغربي" المسمى بـ"حديث نو" والذي تناول تاريخ أميركا الشمالية وشعوبها الأصلية أول مطبوع في بسمة خانة في العام 1730. 

 

لاقى الكتاب بعد صدوره اعتراضات واسعة _ طبقا لتقرير موقع المكتبة البريطانية_ من قبل علماء الدين في إسطنبول لاحتوائه على صور لقبائل الهنود الحمر وهم نصف عراة الأمر الذي يتعارض مع الشريعة الإسلامية والآداب العامة في تصورهم.

 

كررت المعارضة مع منشورات أخرى من مطبعة متفرقة والتي توقف عملها بموته في العام 1745 وتجددت لفترة قصيرة على يد ابنه، ولكن منتجها في الإجمال كان هزيلا لأقصى حد، الأمر الذي عبر عنه المؤرخ شوكرو هاني أوغلو بقوله: "لم يتجاوز عدد الكتب المنشورة في المطبعة العثمانية أكثر من 142 كتابا طوال الفترة الزمنية الممتدة من العام 1727 وحتى 1838، ولم تنل الكثير من تلك العناوين حظ تقديم نسخ عديدة منها، الأمر الذي تسبب بشكل رئيسي في انهيار العلوم والثقافة العثمانية مقارنة بأوروبا".

 

التنظيمات العثمانية 
أطلق السلطان العثماني عبدالمجيد الأول منذ العام 1839 عصر التنظيمات الذي يمثل البداية الحقيقية في تسريع عمليات الطباعة في العالم العثماني، فسعى إلى تحديث الدولة التركية وفقا للنماذج القانونية الغربية بإشراف نخبة عثمانية "ماسونية" رغبة في تنحية الشريعة الإسلامية وإحلال المذاهب الفلسفية الوضعية والمادية محلها.

 

ستخدمت المطابع المنشأة حديثا في الترويج لـ"العصر الجديد" الذي وضعوا قواعده، فتم إصدار الصحف والنشرات الدورية لإذاعة أفكارهم من خلالها. اصطدم السلطان عبد الحميد الثاني بتلك النخبة، ولكن الأمور فلتت من يده فتحولت المطابع إلى منبر للصراع وأصدرت الصحف التي تبادلت الدعايات السوداء بين الطرفين، والتي لم تنته إلا بعزل عبد الحميد الثاني عن عرشه في إنقلاب 1908 - 1909 الشهير.

Qatalah