يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


كل ما هو مقدس لديهم كان وسيلة مضمونة للسيطرة على الشعوب المحتلة التي يدين أغلبها بالإسلام، حتى تحولت الأراضي المقدسة إلى محميات عسكرية، والشعائر الدينية إلى تقاليد مهملة يفرضونها على الرعية، ويدعون حمايتها وتقديسها، بينما يتبرأون منها ويستهينون بها إلى حد "الكفر".
ربما كانت مفاجأة لمن أشربوا تاريخ العثمانيين المزيف أن يعرفوا أن واحدا من  سلاطين العثمانيين و"خلفاء المسلمين"، الذين قطعوا الأرض شرقاً وغرباً لإخضاع الشعوب وخوض الحروب، طوال 600 عام، لم يدخل الحجاز ولم يؤد فريضة الحج ولو مرة واحدة.

الفريضة المنبوذة
36 سلطاناً شهدتهم دولة آل عثمان، لم يوثق التاريخ لأحدهم رحلة حج واحدة، طوال ستة قرون، رغم أن أداء شعائر الحج سنويا - فضلا عن كونه فريضة إسلامية- كان تقليدا رسميا لجميع حكام الدول الإسلامية، خاصة العربية، قبل الغزو العثماني لنصف العالم الإسلامي.
استهانة السلاطين بشعيرة الحج سرعان ما انتقلت إلى الأمراء والوزراء وحريم القصر، ما عكس حالة من عدم التوقير للإسلام نفسه، صبغت عهدهم كله حتى أسلموا المنطقة إلى قوات الاستعمار والأساطيل الغربية.
وقد حاول المؤرخون المتباكون على أمجاد السلطنة العثمانية افتعال مبررات لهذا السلوك الشائن، فقدموا عدة تبريرات منها مشقة الطريق، واضطراب الأمن، والخوف من اغتيال السلطان، وتقديم مصلحة الجهاد على الحج، إلا أن كل هذه الحجج لا تصمد أمام النقد الموضوعي لها.
ويذكر كتاب "السلطانتان خرم و مهرماه" لجان ألبجو هذا العذر الأول وهو مشقة السفر، يقول :"لقد كان سلاطين الدولة العثمانية والسلطانات يرسلون في الغالب من ينوب عنهم من أجل أداء فريضة الحج، بسبب ما كانت رحلة الحج تستلزمه من وقت يتراوح بين الثلاثة والأربعة شهور، وهي المسافة من إسطنبول إلى مكة المكرمة، وما تسببه من مشقة كبيرة، نظراً لظروف وإمكانات السفر في ذلك العصر".

حجج واهية
إن محاولة تبرير نبذ سلاطين آل عثمان للحج بسبب اضطراب الأحوال الأمنية فيه اعتراف بفشل العثمانيين في تحقيق الأمن في البلاد التي استولوا عليها.
فهل يُعقل أن تُوجد مخاطر داخلية على حياة السلطان، رغم انتشار الحاميات العسكرية، في مختلف القلاع والثغور، ووجود عدد كبير من الحرس يحمي شخص السلطان ومرافقيه.
ومن المعلوم أن الحج مرة واحدة في العمر كفريضة، بما يعني أن السلطان عليه أن يؤدي الحج في أية فترة من حياته، قبل أن يكون سلطاناً أو بعدما يصبح السلطان، إلا أن تاريخ العثمانيين لا يذكر اسماً واحداً لسلطان أدى الحج قبل اعتلائه العرش، فهل عجزت دولة الأتراك عن تأمين حياة الأمراء أيضاً.
أما عن مشقة الطريق، فهي حجة أوهى من طول السفر، ففي الوقت الذي لم يدخر السلاطين الوقت والجهد في سبيل توسعاتهم العسكرية، نجدهم يتنكرون لفريضة الحج. 
ومن المعلوم أن الجهاد فرض كفاية، يسقط عن الكل إذا قام به البعض، ومن ثم لم يكن واجباً على السلطان قيادة الجيوش، بل من الناحية الأمنية، فإن تواجد السلطان وقت الحروب على رأس الجيش لهو أخطر على حياته، من وجوده في رحلة الحج، التي لم يعكر صفوها إلا غارات القبائل التي أهملتها السلطة العثمانية، هذا طبعا بعيدا عن حقيقة غياب السلاطين عن ساحات المعارك طوال أكثر من قرنين.
وتذكر كتب التاريخ حادث مقتل السلطان مراد الأول أثناء تفقده ساحة معركة قوصوه عام 1389، فهل كان تواجده في ساحة القتال آمنا على حياته من تلبية نداء الله بالحج.
يذكر مؤلف كتاب "الدولة العثمانية المجهولة" أحمد كوندز أن الخوف على حياة السلطان من غارات البرتغاليين والأسبان كان السبب في إحجام السلاطين عن أداء فريضة الحج، وذلك بدءا من عام 1517 حين استولى العثمانيون على مصر وخضعت الحجاز بما فيها الأماكن المقدسة لحكمهم.
ومن المخجل أن يعتري سلاطين آل عثمان هذا الخوف الكبير على حياتهم من رحلة في سبيل الله،
وتفند أسفار السلاطين العثمانيين هذا الادعاء، فقد كان بمقدور السلطان العثماني سليم الأول الذي استولى على دولة المماليك عام 1517 أن يذهب للحج بكل يسر، في وقت زالت فيه سيطرة المماليك على الأراضي المقدسة، وسلمت مفاتيحها للعثمانيين.
إلا أن سليم الأول لم يجد مشقة في زيارة مصر، رغم المخاطر التي تهدد حياته من فلول الجيش المملوكي الممتلئين رغبة في الانتقام لرفاقهم، ولزوال حكمهم، بينما وجد مشقة ومخاطر تتربص به في  الذهاب عن طريق الصحراء أو البحر إلى مكة المكرمة.
يقول شكيب أرسلان في كتابه "تاريخ الدولة العثمانية" عن هذا التنكر العثماني لأداء فريضة الحج على طول تاريخهم: "من الغرائب أن السلاطين العثمانيين  لم يحج أحد منهم قط، بل إن السلطان عبد العزيز زار باريس لحضور أحد المعارض عام 1867، ومن قبل زار مصر لحضور حفل افتتاح قناة السويس 1863، ولم يقم بزيارة مكة لأداء الحج، ولا مرة في تاريخه".
ومنذ القرن السابع عشر كان النفوذ البرتغالي على الخليج العربي والبحر الأحمر قد تلاشى، بل إن المؤرخين يتحدثون عن القوة الكبيرة للأسطول العثماني، إلا أن ذلك لم يكن كافياً في نظر السلاطين، ومؤسسة شيوخ الإسلام التي كانت تفتي لهم بما يوافق هواهم.

إسقاط الحج
لم يقف جحود العثمانيين للدين على حد رفض الحج والاستهانة بأحد أركان الإسلام الخمسة، بل تعدى ذلك إلى التآمر على الإسلام بتحريفه، فأصدر شيوخ الإسلام فتاوى تسقط فريضة الحج عن السلاطين.
وقد ذكر ذلك جان ألبو في مؤلفه السابق أن رجال الدين أفتوا السلاطين بجواز إنابة بعض الأفراد عنهم لأداء فريضة الحج، وهكذا تمكن السلاطين وزوجاتهم من  أداء فريضة الحج دون أن يؤدوها فعليا، مستندين إلى تلك الفتوى، عن طريق تكليف موظفين بالحج نيابة عنهم بمقابل مادي.
لكن كان هناك استثناء على وشك الحدوث، ففي عام 1481 عزم بايزيد الثاني قبل أن يتولى الخلافة على أداء مناسك الحج، وبدأ الاستعداد لذلك، حين فاجأه خبر وفاة والده السلطان محمد الثاني، فأرسل الصدر الأعظم رسالة إليه مضمنة بخطابات من كبار رجال الدولة وشيخ الإسلام تطلب منه ترك فريضة الحج، والقدوم لتولي كرسي العرش، حسب كتاب "الدولة العثمانية المجهولة".
وتضمنت رسالة الصدر الأعظم، فتوى من شيخ الإسلام نصها :"عليك بترك فريضة الحج للأهالي، ولمن لا توجد عنده مشاغل إدارة الدولة". وقالت فتوى أخرى - أوردها الكتاب السابق - عن مؤسسة شيخ الإسلام إن "الحج ليس فرضاً على السلاطين، والأولى على السلطان بقاؤه وقيامه بالحكم، لأن من المحتمل ظهور الفتنة".

القتل لمن يرغب في الحج
وقائع وشواهد أخرى تثبت أن الامتناع عن الحج لم يكن بعذر الانشغال بأمور الحكم أو لاعتبارات أمنية، وإنما تحول إلى جحود للإسلام ذاته وشعائره وإنكارها، إلى حد معاقبة من يخرق هذه القواعد بالقتل إذا فكر أن يحج، ويعود لمحراب الله، وهو ما وقع بالسلطان عثمان الثاني عندما أبدى نيته الذهاب إلى الحج.
يقول أحمد كوندز في كتابه السالف إن السلطان عثمان الثاني عزم الذهاب إلى الأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج، بناء على نصيحة معلمه عمر أفندي، إلا أن القرار واجه رفضاً شديداً من الصدر الأعظم، والأدهى من ذلك أن شيخ الإسلام أسعد أفندي انضم للصدر الأعظم وأصدر فتوى بضرورة تخلي السلطان عن مسعاه في الذهاب لبيت الله، وذلك اتباعاً لسنة أسلافه، وسرعان ما أوعزا لفرق الإنكشارية بالتدخل لمنع السلطان وقتله إن لزم الأمر، وبالفعل طالبت بقطع رأس معلم السلطان عمر أفندي جزاءً لإقناعه السلطان بالذهاب للحج، وحين رفض عثمان الثاني تسليم معلمه للقتل، هاجمت الإنكشارية القصر، وحاولت إعدام السلطان خنقاً داخل جامع "أورطة جامع"، ثم أعدموه لاحقاً في مكان آخر.
تعلل السلاطين العثمانيون بأسباب أخرى لهذا السلوك المريب، منها أن غياب السلطان يطمع الأعداء في غزو ديار المسلمين، إلا أن التاريخ كذب ذلك، فرغم غياب السلطان سليم الأول في مصر لم يقم جيرانهم الأوروبيون بمهاجة الدولة العثمانية، بالإضافة إلى أن وجود السلاطين العثمانيين في مقر حكمهم لم يمنع الدول الأوروبية من مهاجمتهم، وفرض معاهدات مذلة عليهم، حين دب الخوار والضعف في أوصال الدولة بعد ذلك.
سبب آخر ادعاه أنصار ودعاة العثمانيين لتبرئة ساحتهم من محاربة الإسلام والاستهانة بشعائره، رغم ادعاءاتهم بأنهم أهل الخلافة، وهو أن التزام السلطان بالبقاء في مقر الحكم كان ضمانة لمنع الفتن والدسائس الداخلية، إلا أن التاريخ يكذب هذا السبب أيضاً، فلم يمنع وجود السلاطين من وجود المؤامرات والدسائس، والتي راح ضحيتها العديد من السلاطين ورجال الحكم.

Qatalah