يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يفقد القضاء "العثمانلي" الذي يربيه رجب إردوغان - على يديه- هيبته في تركيا ويتعرى يوما بعد يوم، بسبب عبث النظام به، وولع سلطان أنقرة البالغ بالتلاعب بالقضاة وملاحقة الشرفاء منهم وإحلال الفاشلين وغير المؤهلين والظلمة من أتباعه ومواليه، ما رفع أعداد التظلمات المقدمة أمام المحاكم العليا من قرارات المحاكم المحلية في البلديات والمدن بشكل ملحوظ، فوفقًا للإحصائيات القضائية تلقت المحكمة العليا العام الماضي طعونًا على أحكام صدرت في 560 ألف قضية، جرى إلغاء الأحكام المطعون عليها في 62% منها، بسبب أخطاء وتجاوزات  القضاة وتعسفهم في تطبيق القانون.
قضاة  فاشلون
كشفت الإحصائيات أن القضايا المعروضة على المحكمة العليا في 2010 تضمنت أخطاء في جزء منها بنسبة 0.3%، بينما ارتفعت النسبة بحلول 2017 إلى 31.6%. وأشارت إلى أن عدد القضايا المعروضة على المحكمة في العام 2010 بلغ 375 ألفا، بينما وصلت إلى 560 ألف قضية في 2017، لافتة إلى إصدار المحكمة العليا أحكاما قضائية تبطل تلك سابقتها الصادرة عن المحاكم المحلية، بنسبة 62 بالمئة.
ورصدت الإحصاءات أن المحكمة العليا أصدرت قرارات بإبطال الأحكام السابقة كليا، وإعادتها للمحاكمة، في أغلب تلك الطعون، بينما اكتفت في الجزء الأقل بتعديل الأحكام فقط.
في السياق ذاته، أوضح المحامي جواد كاظما أن سبب ارتفاع نسبة الأحكام الخاطئة، التي يتم تعديلها فيما بعد بالمحكمة العليا، هو وجود قضاة غير مؤهلين في المحاكم المحلية، قائلًا :"في السنوات الأخيرة، كانت مواقع انتداب القضاة تتغير باستمرار، فعندما يبدأ قاضي الدعاوى التنفيذية النظر في قضايا الجنايات تكون القرارات وفقًا لخبرته المحدودة فيما تعوده، لذلك تشهد القضايا تغييرًا في الأحكام بعد عرضها على المحكمة العليا، وقد أضعف هذا الوضع من شأن وتأثير القضاء".


التلاعب بالقضاء
بسط الرئيس التركي يديه على القضاء التركي واستخدمه كآداة لسحق معارضيه، وفي أحيان أخرى جعله وسيلة لتحقيق رغباته ومصالحه، ما اتضح جليًا عقب الإفراج عن القس الأميركي أندرو برانسون وتسليمه للولايات المتحدة بقرار من المحكمة ذاتها التي دانته في السابق بتهم التجسس ودعم الإرهاب والعمل لصالح منظمة محظورة.
فبعد أن اتهمت السلطات التركية برانسون بالإرهاب، واعتقلته قرابة العامين، تم تغيير أقوال الشهود في القضية بشكل مفاجئ، وإصدار قرار بتبرئته في جلسة مسرحية مجهزة سلفا، طمعًا في إجراء صفقة مع أميركا تتيح لإردوغان استعادة المعارض فتح الله غولن، والذي تزعم أنقرة تسببه في تدبير الانقلاب المزعوم.
تأتي حملات الفصل التعسفي لآلاف القضاة ضمن خطة محكمة وضعها إردوغان للسيطرة على المجلس الأعلى للقضاء، وتخفيض عدد أعضائه من 22 إلى 13، يحق له وفق الاستفتاء الدستوري الأخير تعيين 6 من بينهم، في حين يعين البرلمان السبعة الآخرين.
منذ مسرحية الانقلاب في يوليو 2016، اعتقلت أجهزة الأمن أكثر من 46 ألف شخص، غالبيتهم من رجال الشرطة والقضاة والمدرسين، كما طرد أكثر من 100 ألف آخرين أوقفوا عن العمل، على خلفية حالة الطوارئ المفروضة منذ ذلك الحين، بتهم غير محددة.


وشرع إردوغان وحزبه في شن حملة كبرى من الاعتقالات والقمع والفصل التعسفي نتج عنها إنهاء خدمة آلاف القضاة الأكفاء، ما أدى إلى هزة عنيفة في الوسط القضائي، إذ بلغ عدد القضاة المفصولين حتى مايو 2017 فقط نحو 4238 قاضيا.
وصمة دولية:  أحكام سابقة التجهيز
منذ مسرحية الانقلاب، أقدم إردوغان على سجن الآلاف من الأعداء المفترضين بينهم العديد من الصحافيين والأكاديميين ونشطاء حقوق الإنسان ومحاكمتهم، وكان لابد لهذا من جيش من القضاة الموالين لإصدار أحكام إدانة سابقة التجهيز بشأن هؤلاء، ما دعا الأمم المتحدة لإصدار تعقيب في 18 أكتوبر الماضي أكدت فيه أن جزءا كبيرا من الأحكام القضائية والإجراءات المتخذة من فصل واعتقال ومصادرة في تركيا منذ يوليو 2016 مخالفة للقانون، وأن المستندات التي ساقتها الحكومة في اتهام الكثير من المعارضين لا تمثل أدلة إدانة واضحة ومباشرة.

Qatalah