يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يسيطر الفزع على الرئيس التركي رجب إردوغان، كلما اقترب موعد انتخابات البلدية المزمع إجراؤها في مارس المقبل، إيمانا منه بأن أي تغيير في نتائجها يدق المسمار الأول في نعش النظام الحاكم في أنقرة، خاصة بعد إخفاقات حزب العدالة والتنمية في الملفات الداخلية والخارجية وإغراق البلاد بالأزمات. 
تجرى انتخابات المحليات كل 5 سنوات في 81 محافظة، لاختيار محافظي العواصم والمناطق وأعضاء مجالسها والعمد ومجالس الشيوخ في المناطق الريفية، وتعد بمثابة تصويت على شعبية الحزب الحاكم ورئيسه، خاصة في ظل النظام الرئاسي الجديد داخل البلاد.
في انتخابات مارس 2014، فاز حزب العدالة والتنمية بـ 60% من الأصوات، ليبسط  نفوذه على 18 بلدية من إجمالي 30، ويشير مراقبون إلى استحالة تكرار ما حدث  في الماراثون المقبل، بسبب فشل الحزب في إدارة أخطر الملفات وفي مقدمتها الحرب السورية والأزمة الاقتصادية، ما أوقع البلاد في كوارث عديدة من الصعب السيطرة عليها.


من هنا صعد.. وهنا يسقط

يدين إردوغان في صعوده لكرسي الرئاسة للانتخابات البلدية، التي وضعته على رأس مدينة إسطنبول في 27 مارس 1994، الأمر الذي مكنه فيما بعد من الترويج لنفسه باعتباره منقذ العاصمة الاقتصادية للبلاد، قبل أن يؤسس حزب العدالة والتنمية ويرأس الحكومة لاحقا، ومنها إلى رئاسة الجمهورية.
يتفاخر إردوغان بأن نجاحه المزعوم في رئاسة بلدية إسطنبول هو ما قاده إلى الرئاسة، وينسب إلى نفسه الفضل في ترميم البنية التحتية للمدينة فضلا عن حل مشكلات نقص المياه وانتشار النفايات وزيادة حجم التلوث البيئي وغيرها.
حسب مراقبين، تشتد المنافسة في الانتخابات المقبلة في العديد من المدن على رأسها العاصمة أنقرة فضلا عن إسطنبول وإزمير، ويسمح القانون لكل من بلغ سن الثامنة عشرة بالترشح، في وقت يخشى الرئيس التركي من الخسارة، ما جعله يقود الترتيبات للماراثون بنفسه قبل 5 أشهر، ويتمسك بتحالفه مع حزب الحركة القومية، حيث يعول إردوغان على الفوز بالانتخابات لجلب ميزانيات كبيرة وتوقيع عقود للشركات والمؤسسات التركية، والتحكم في الخدمات والوظائف، وإحكام قبضته على مفاصل البلاد بالسيطرة على كل حي وقرية ومدينة.

خنق البلديات بـ "الإقالات"
في مسلك قمعي يؤكد الأجواء غير النزيهة، وسعيا منه لتفريغ البلديات من المنافسين مبكرا، شن إردوغان حملة إقالات في صفوف عمد ومسؤولي القرى شملت 259 عمدة حي وقرية، أغلبهم ينتمي لحزب الشعوب الديموقراطي المعارض، بزعم ارتباطهم بكيانات إرهابية وارتكابهم مخالفات، إضافة إلى طرد واعتقال 559 شخصا من حرس القرى في مناطق أغلبها كردية، ومن المتوقع أن يزيح فيها "الشعوب الديموقراطي" حزب العدالة والتنمية، وإمعانا في الجبروت هدد إردوغان بمنع أي كردي يفوز في الانتخابات من ممارسة مهامه، قائلا إنه سيعين وصيا في كل بلدة أو مدينة يفوز فيها الأكراد. 

على أحر من الجمر، ينتظر الفشل الحزب الحاكم في انتخابات مارس، في ظل الأزمات المتلاحقة التي أوقع فيها البلاد، ليكرر الحزب مافعله في انتخابات 2009 بعد الأزمة المالية العالمية، والتي لم يحصد فيها إلا 38 % فقط من الأصوات، وتشير استطلاعات الرأي إلى تراجع حاد في نسبة تأييد الناخبين للحزب بعد خيبته الكبيرة في إدارة الملف الاقتصادي، وانهيار الليرة، ما تسبب في معاناة يومية لغالبية المواطنين، فضلا عن تأثر رجال الأعمال وأصحاب الشركات والمطاعم بعد تراجع الإقبال على الشراء بسبب الغلاء، وتسريح العمالة في مؤسسات عديدة، في ظل تنبؤات بمزيد من الانهيار بعد أن ارتفع التضخم بنسبة تجاوزت 25% في أكتوبر الماضي.

تشويه صورة تركيا 
حصل إردوغان على صفر في الملف الاقتصادي، وحقق النتيجة السيئة نفسها في الملفات الخارجية، ما ظهر بوضوح في صفقة الإفراج عن القس الأميركي أندور برانسون، التي لم تستفد منها تركيا، وأظهر صورتها أمام العالم على أنها مجرد تابع يتلقى الأوامر والعقوبات معا من الولايات المتحدة.
كما شكلت الممارسات القمعية التي ينتهجها حزب العدالة والتنمية ضد خصومه، وفتح السجون أمام كل من يحاول انتقاد سياساته الخاطئة حالة من السخط العام لدى الشارع التركي الذي ينتظر الانتخابات ليقول كلمته داخل الصناديق على أمل النجاة من قبضة إردوغان، وهو ما يصب في صالح حزبي الشعب الجمهوري والشعوب الديموقراطي المعارضين. 

نجل أربكان قادم
في نهاية أكتوبر الماضي، أعلن فاتح أربكان نجل رئيس الوزراء التركي السابق نجم الدين أربكان - المعلم السياسي لإردوغان - عن تأسيس حزب سياسي جديد، في نوفمبر الجاري، بهدف المشاركة في الانتخابات المحلية. وغرد عبر حسابه على تويتر قائلا: "نقدم بشرى لأمتنا وللعالم الإسلامي وجميع الإنسانية بأن القافلة المباركة ستخرج إلى طريقها مرة أخرى من أجل إعادة إحياء حركة الرؤية الوطنية"، الأمر الذي يضيف إلى خصوم إردوغان حزبا جديدا يسحب من رصيد "العدالة والتنمية" في الشارع. 
في وقت مبكر، أطلق "العدالة والتنمية" حملته استعدادا للانتخابات، وأكد مسؤولو الحزب أنهم يبحثون عن إردوغان جديد في كل بلدية، حيث قال العضو بالحزب هارون كاراجان: "الجميع مدين لإردوغان، وسننظر ما إذا كان آداء رؤساء البلديات الحاليين يرضي الناس ونجحوا أم لا"، وأضاف "لدينا تقارير حول الأداء عن فترة عمل استمرت  3 سنوات سنرفعه إلى رئيس الجمهورية، ونريد رؤية إردوغان جديد في كل بلدية".
أما نائب رئيس الحزب سيفديت يلماز فقال: "لقد وصلنا إلى السلطة بعد أداء مثير للإعجاب على المستوى المحلي في التسعينيات، الإدارات المحلية مهمة للغاية بالنسبة إلينا".

Qatalah