يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تبدأ الدول أحيانا بكذبة، تغذيها حقائق مشوهة، تكبر مع الوقت، فتطيح بمدن وقرى وعواصم قائمة على أصولها، وتذرها رمادا وأنقاضا، وهذا ما فعلته أسطورة "الأمة التركية"، التي أطلق بدايتها قبائل همجية زحفت على الأخضر واليابس في أنحاء المشرق العربي والإسلامي، ودمرته تدميرا..ليبدأ عصر "السلاجقة". 
تسبب الغزو السلجوقي، الذي فاق المغول وسبقهم تخريبا وترهيبا، في استنزاف حضارة العرب وثروتهم وحريتهم، فضلا عن باقي البلدان الإسلامية، قبل أن يقود الصراع أمراءهم إلى نهاية محتومة هي السقوط، وهو ما لم يتعلمه ورثتهم العثمانيون، بعد خمسة قرون.
اجتاح السلاجقة العالم الإسلامي من بخارى وسمرقند وغزنة شرقا إلى بلاد الشام غربا، فرضوا نظام الإقطاع على البلاد، ما أدى إلى تجريف الأراضي الزراعية الخصبة في إيران والعراق، أثقلوا كاهل الفلاحين فهجروا القرى، نهبوا كل ما طالته أيديهم في المدن فعشعش فيها الخراب، أما انتصاراتهم العسكرية في القرن الحادي عشر فلم يستطيعوا الحفاظ عليها، ولم يكتب لها البقاء بسبب الغرور المفرط. 
جر انتصار السلاجقة في معركة ملاذكرد على البيزنطيين، في آسيا الصغرى العام 1071، الكثير من الكوارث على المنطقة، انتفضت أوروبا الغربية وأرسلت الحملات الصليبية فسحقت جيوشهم واحتلت بلاد الشام دون أن يحرك سلاطين السلاجقة ساكنا بسبب صراع الأمراء على السلطة وإهمال الشؤون العسكرية لتتحول بلاد المسلمين إلى ملعب يمارس فيه الصليبيون ألعاب القتل وإزهاق الأرواح.
رصد المؤرخ الموصلي ابن الأثير الجزري في كتابه "الباهر في تاريخ الدولة الأتابكية" الانهيار الذي خلفته الفوضى السلجوقية في العالم الإسلامي قائلا: "كان الفرنج (الصليبيون) قد اتسعت بلادهم، وكثرت أجنادهم وعظمت هيبتهم، وزادت صولتهم، وتضاعفت سطوتهم، وعلا شرهم، واشتد بطشهم، وامتدت إلى بلاد الإسلام أيديهم، وضعف أهلها من كف عاديتهم، وتتابعت غزواتهم، وساموا المسلمين سوء العذاب… فنجوم المسلمين منكدرة، وسماء عزهم منفطرة، وشمس إقبالهم مكورة، ورايات المشركين خلال ديار المسلمين منشورة، وأنصارهم على أهل الإيمان منصورة".
يؤكد ابن الأثير أن الصراع بين الأمراء  فتح أبواب بلاد الشام أمام الغزو الصليبي قائلا إنه خلال الحرب بين أولاد السلطان ملكشاه التي دامت لأكثر من اثنتي عشرة سنة "ظهر الفرنج إلى الساحل وملكوا أنطاكية (وكانت خاضعة للسلاجقة) ثم غيرها من البلاد الشامية". 

اكتساح العالم الإسلامى
في القرن الرابع الهجري، دخلت قبائل الغز الإسلام ، ليبدأ بعدها التحرك من وسط آسيا إلى مشرق العالم الإسلامي في أوائل القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، عندما قادت أسرة سلجوق قبائل الغز إلى إقليم خراسان تعرض خدماتها على السلطان الغزنوي محمود بن سبكتكين الذي رفض في البداية اندماجهم في الدولة لمعرفته بنواياهم التخريبية، وعندما مات ألحقوا هزيمة مذلة بولده السلطان مسعود الغزنوي في موقعة داندنقان 1040، ليسيطر السلاجقة على معظم البلاد من الصين شرقا حتى الشام غربا.
اندفع السلاجقة الأتراك للسيطرة على إيران ووصلوا إلى الشام، وفي مصر اصطدموا بأكبر قوة بحرية حين ذاك، بقيادة الدولة الفاطمية التي دافعت عن الساحل الجنوبي، عكا وعسقلان ويافا ببسالة، فترك السلاجقة السواحل الشمالية لبلاد الشام بلا حماية، للتحول إلى غنيمة سهلة في يد الأوروبيين.

المدارس النظامية.. هنا بدأ التشدد
كعادة الأتراك البدو كان السلاجقة همجا، لا علاقة لهم بالحضارة، أهل سلب ونهب، ما أدى إلى انهيار الحضارة العربية الإسلامية نتيجة اعتمادهم على القوة الغاشمة في الحكم، حاربوا التعددية الثقافية، وباتوا أشد الأعداء للتسامح الفكري الذي كان يسود العواصم الإسلامية حينها.
خرب السلاجقة المنجز العلمي لابن سينا والفارابي والتوحيدي ومسكويه والمسعودي، فانتصر الجمود الفكري الذي يميز العرق التركي، أمر السلطان ألب أرسلان وزيره نظام الملك الحسن الطوسي باعتقال العقول قبل الأبدان، فأسس المدارس النظامية، وهي مؤسسة تعليمية تشبه المعاهد العلمية تفتح أبوابها لطلبة الفقه، بينما تتولى الدولة الإنفاق عليهم داخل الأقطار التي خضعت للاحتلال السلجوقي، وكان أكبرها وأشهرها نظامية بغداد التي بنيت عام 1067، وهيمنت عليها الدراسات الدينية على حساب العلوم الطبيعية.
استخدمت السلطة المدارس في تكوين أجيال من الفقهاء، رسخوا لفكرة الطاعة المطلقة للحاكم  فشاعت مقولات فقهية من مثل "الملك لمن غلب" و"من قويت شوكته وجبت طاعته"، وهي الخطة التي حرصت المدارس السلجوقية على اعتمادها، بينما تم التنكيل بالفلاسفة وعلماء الطبيعة، وأصبحت المناصب حكرا على خريجي هذه المدارس.
لم يكتف السلاجقة بتوجيه الفقهاء، فسيطروا على الجماعات الصوفية كوسيلة لمنع الثورة على قمع الحكام، بوصف السلطان "قضاء الله وقدره"، لذا أسس السلاجقة الخانقاوات، وهي مؤسسات مكرسة لرعاية الصوفية والإنفاق عليهم مقابل تنحيهم عن الشؤون السياسية، وتخدير الرعية حتى لا يثوروا على الظلم وانهيار الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، فانتشرت الخانقاوات والتكايا، التي تبناها العثمانيون فيما بعد، باعتبارها وسيلة للهيمنة وقمع الحراك الاجتماعي ورفض الوجود العثماني المحتل.

تجريف حقول العراق وسورية
كانت الحضارة الإسلامية في غاية تألقها خلال القرن الرابع الهجري، حتى وطأت أقدام السلاجقة، "تاه الناس في دياجير الجهل، بينما سطع النور من جانب الأمة الإسلامية من علوم وفلسفة وآداب وصناعة"، كما قال المستشرق الأوروبي دوزي، بينما دمر الإقطاع العسكري الذي أقره السلاجقة قوى الإنتاج وفق ما ذهب إليه إبراهيم علي طرخان في كتابه "النظم الإقطاعية في الشرق الأوسط في العصور الوسطى".
قام نظام الإقطاع السلجوقي على أساس منح سلطة إدارة القرى الزراعية والمدن إلى الأمراء الأتراك، يسيطرون على خيراتها بفرض ضرائب غير شرعية، على أن يتولوا تجهيز فرقة عسكرية تشارك السلطان في حروبه، وبعد تخريب الحقول بسبب فحش الضرائب وهروب الفلاحين من عسف الجنود، يذهب السلجوقي إلى السلطان ويطلب تغيير إقطاعه فيمنحه أرضا جديدة لتتكرر المأساة، ما تسبب في تبوير غالب أراضي العراق وسورية.
يضرب إبراهيم طرخان مثلا على النظام الإقطاعي بما منحه السلطان ألب أرسلان إلى الأمير إيتاخ في مازندران عام 1066، والذي شمل عدة مدن إضافة إلى إقطاع الرها وحران وحلب عام 1084، بينما أدت سياسة بوزان التخريبية إلى إفقار أهالي مدينة الرها، بعد أن تفرغ للنهب دون أن يهتم بصيانة المنشآت الدفاعية للمدينة، والنتيجة سقوطها أمام الغزو الصليبي بسهولة  عام 1098، أي بعد أن تسلمها الأمير بنحو 14 عاما.
دخلت دولة السلاجقة في فوضى عارمة عقب وفاة السلطان ملكشاه عام 1092، انخرط أولاده في صراع مرير على السلطة فأخذ بركياروق بن ملكشاه إقطاعه ببلاد الري وخوزستان وطبرستان وفارس وديار بكر وجزيرة ابن عمر، فيما استقل محمد بن ملكشاه بملك العراقيين وأرمينية وأذربيجان، واقتطع سنجر شاه ملك خراسان وما وراء نهر سيحون (شرقي إيران ووسط آسيا)، ليبدأ الصراع الذي لم ينته على مدار أكثر من قرن كامل بين أجيال الأسرة السلجوقية على السلطة، ما أدى إلى ما يشبه الحرب الأهلية خرجت فيها الكثير من الأقاليم عن سلطتهم.
من رحم السلاجقة ولدت العديد من الدول التركية التي اعتنقت المنظومة الاقتصادية القائمة على الإقطاع، مثل الزنكيين والأيوبيين والمماليك والعثمانيين، وعلى يد الأيوبيين والمماليك دخل نظام الإقطاع مصر، فخرب البلاد ودمر مواردها، ما عبر عنه القلقشندي في كتابه "صبح الأعشى في صناعة الإنشا" بالقول إن :"الأمور خرجت عن القواعد الشرعية، وصارت الإقطاعات ترد من جهة الملوك على سائر الأموال من خراج الأرضين والجزية وزكاة المواشي والمعادن والعشر وغير ذلك، ثم تفاحش الأمر وزاد حتى أقطعوا المكوس على اختلاف أصنافها، وعمت بذلك البلوى".
يلخص المفكر العربي محمد أركون، الأزمة بقوله إن السلاجقة  تسببوا في نضوب في الإبداع والحيوية منذ القرن الثالث عشر الميلادي، بسبب قيام دولتهم على السلب والنهب المنظم وكثرة الصراعات الداخلية بين أمراء الدولة، بينما رأى المؤرخ الفرنسي كلود كاهن في كتابه "الإسلام منذ نشوئه حتى ظهور السلطنة العثمانية" أن الإقطاع وعدم وجود قدرة على تقديم نموذج للحكم الرشيد أدى إلى فوضى سياسية وعسكرية فككت العالم الإسلامي.

Qatalah