يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


ارتكب الغزنويون الأتراك مذابح مروعة في بلاد الهند، وتركوا القرى خرابا تذروها الرياح وحطموا المدن فجعلوها أطلالا ومأوى للوحوش، بسبب همجيتهم كره الهنود الإسلام وهو منهم براء، وأصابت لعنة دولتهم شرق العالم الإسلامي في مقتل، بعدما طارد سلاطينها الفلاسفة وحرموا العلوم وقضوا على ميراث التعددية الدينية ونكلوا بالشيعة والشافعية والصوفية على حد سواء، فكانوا مقدمة سلسلة من الدولة التركية أصابت المجتمع المسلم بداء التخلف والجهل تحت سطوة السيف.
ظهرت دولة الغزنويين (961-1187) في وقت كانت الحضارة الإسلامية في أوج عظمتها، ووصلت على يد العرب إلى ذروة النفوذ والقوة والتقدم، وبسبب الضعف السياسي الذي ضرب الخلافة العباسية تسلل الأتراك المرتزقة إلى الممالك التي ظهرت في شرق العالم الإسلامي خصوصا الدولة السامانية الإيرانية التي سيطرت على بلاد ما وراء نهر جيحون وسط آسيا، وإقليم خراسان الغني في إيران.

خيانة العبيد
ظهر سبكتكين التركي، من عبيد سيده ألب تكين الذي كان بدوره عبدا لسادته من السامانيين، ولم يعرف الولاء إلا لنفسه، إذ رفض الاعتراف بالولاء للسامانيين وأعلن استقلاله بمدينة غزنة (في أفغانستان حاليا)، بعدما جمع حوله فرقا من المماليك الأتراك، وبحث عن شرعية تسند حكمه، فقد نظر الجميع إليه على أنه خائن أسياده، فقرر توجيه قواته إلى غزو شبه القارة الهندية بدعوى أن محاربة الكفار تضمن شرعيته.
أطلق سبكتكين الوحشية التركية ضد الهنود، فنهب المدن بصورة غير مسبوقة، وعندما تولى ابنه محمود العرش، طمع في ثروات بلاد الهند وغطى على مطامعه بحجة نشر الإسلام، لكن أسلوبه في الغزو كان عكس ما يدعيه، فقد كان أبعد ما يكون عن نهج الإسلام الذي وضع قواعد واضحة لعمليات الفتح القائمة على احترام الآخر وعدم نهب المدن والامتناع عن سفك دماء الأبرياء والعزل، وتحريم اغتصاب النساء وقتل الأطفال واحترام ديانات الأقوام الأخرى، وهي أجندة ضرب بها محمود الغزنوي عرض الحائط.

حمامات الدم التركية
تعد غزوات محمود الغزنوي نموذجا للهمجية التركية في أسوأ صورها، أدمن التنكيل بالهنود وإبادة حضارتهم وترك انطباعا لا يمحى شوه به الإسلام وتعاليمه أمام الهنود الذين رفضوا دخول الدين الحنيف بسبب أفعاله المجرمة، واتفقت شهادات المؤرخين المعاصرين من الجانبين المسلم والهندوسي على وقائع واحدة من أكبر عمليات الإبادة في التاريخ، ربما لا يتفوق عليها إلا الجرائم الأوروبية بحق السكان الأصليين في الأميركتين في القرن السادس عشر.
المؤرخ المسلم محمد قاسم هندو شاه الأسترآبادي قال في كتابه "تاريخ فرشته"، إن ما لا يقل عن 400 مليون هندوسي قتلوا خلال الغزو الغزنوي للهند، والرقم -إن كان يبدو مبالغا فيه- يوضح حمام الدم الذي تركه محمود الغزنوي خلفه، خاصة أن من نجا من أهوال الغزنوي خضع للرق وتم إخصاء الآلاف الذين عملوا كعبيد للسادة الجدد، فيما خضعت الهنديات لمنظومة الرق والعبودية وتم بيعهن كسبايا، ولا غرابة أن تعرف المناطق التي شهدت هذه الأهوال اسم "هندوكوش" أي منطقة ذبح الهنود.
فظائع الغزو الغزنوي التركي تسببت في صدمة للمجتمع الهندي الذي ربط بين وحشية الأتراك والإسلام، ما أدى لعزوف الهنود عن اعتناق الدين الحنيف لقرون، ولم يعتنقه البعض إلا تحت راية أباطرة المغول الذين حكموا معظم شمال ووسط الهند بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، وتميزوا بالتسامح الديني.
المؤرخ الإنجليزي كونراد الست، يقول في بحث بعنوان "هل كان هناك إبادة جماعية للهندوس؟" :"لا توجد إحصائيات رسمية لعدد القتلى على يد جيوش المسلمين، هناك أكثر من 6 ملايين هندي قتلوا في غضون بضعة أعوام، أكبر المذابح حدثت خلال غزوات الحاكم التركي محمود الغزنوي حوالي عام 1000 ميلادية"، فيما يحلو للكثير من المؤرخين المقارنة بين مذابح الأتراك ضد الهنود بمثيلتها العثمانية ضد الأرمن.

وأكد ويل دورانت في كتابه الضخم "قصة الحضارة"، أن الغزو الغزنوي للهند كان الأكثر دموية في التاريخ، فقد سجل مؤرخو الدولة الغزنوية بكل فخر المذابح التي ارتكبها السلطان محمود، من اختطاف النساء والأطفال وبيعهم في أسواق العبيد إلى التدمير الشامل للمعابد، في مشاهد لا تمحى من الذاكرة الإنسانية لإجرام العرق التركي الذي شوه الإسلام، ويقول دورانت إن الغزنوي حاول تبرير جرائمه بأنها لنشر الإسلام، لكن في الحقيقة لم تكن تدفعه إلا الشهوة التركية للذبح والسلب ونهب المدن واغتصاب النساء.
المصادر الهندوسية تجمع على أن الغزو الغزنوي كان كارثة بجميع المقاييس، فالمذابح تحولت إلى عرض مستمر، وضربوا المثل بغزوة محمود الغزنوي لمدينة سومناث المقدسة، إذ قتل 50 ألفا هم كل سكان المدينة، ما يؤكده المؤرخ الرسمي للدولة الغزنوية، محمد بن عبد الجبار العتبي في كتابه "اليميني"، والذي رصد 17 غزوة في الهند بين عامي 999 و1026، فيقول :"دماء الكفار تدفقت بغزارة في المدينة حتى أن نهرها اصطبغ بالدماء، 50 ألف رجل قتلوا"، كان التعبير المفضل للعتبي بعد كل غزوة هو أن "عددا لا يحصى من الأسرى والعبيد" سقطوا في قبضة القوات التركية.

لعنة حضارية 
محمود الغزنوي لم يرتو من دماء الهنود بل التف ليخوض في دماء المسلمين، وقرر أن يتوسع في المنطقة الإيرانية فاكتسح دولة أسياده السامانيين وسيطر على إقليم خراسان، ثم هزم المنتصر الساماني في موقعة سرخس واستولى على عاصمة ملكهم بخارى، وتقاسم ملكهم مع دولة القراخانات التركية الحاكمة في وسط آسيا عام 994. 
كانت نهاية الدولة السامانية ضربة قاصمة للثقافة والفن والعلم، إذ اهتم حكامها بتحويل مدن بخارى وسمرقند وسرخس ومرو إلى مراكز إشعاع حضاري، فظهر علماء كبار أمثال ابن سينا والرازي والبيروني، ولم يحجر السامانيون على أحد من رعاية دولتهم سواء كانوا من السنة أو الشيعة.
على العكس تماما بدأ محمود الغزنوي على عادة الأتراك في محاربة الفكر والعلماء، وأطفأ قناديل العلم في شرق العالم الإسلامي، وحارب حرية الرأي وطارد من يخالفه في المذهب وارتكب المذابح بحق الشيعة والصوفية، ولم يكن من الغريب أن يهرب كبار العلماء، فالشيخ الأكبر وفيلسوف الإسلام ابن سينا، رفض الاستجابة لطلب السلطان التركي بالحضور إلى عاصمة ملكه في غزنة، وظل ابن سينا ما بقي من حياته يهرب من السلطان الجاهل الذي توعده بالقتل.

Qatalah