يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


مثل كل شيء في تركيا، يقبض رجب إردوغان على السينما ويعتمد عليها في تزييف تاريخ العثمانيين والدعاية لحزب العدالة والتنمية باعتباره مجددا للسلف الزائل، ويسخر لها الغالي والنفيس لصناعة أفلام  تتناول سيرة السلاطين بكلفة عالية يطغى فيها الشكل على المضمون.
 
عندما كان رئيسا للوزراء في العام 2011، طلب إردوغان إلى المخرج السينمائي فاروق أكصوي إنتاج فيلم "الفاتح 1453"، وفي مطلع 2012 شاهد أحداثه في عرض خاص داخل قصره، وحينها علق قائلا: "أعجبني كثيرا، سلمت أيديكم".
تركز السينما التركية بشكل أساس على الملابس والديكور لإلهاء الجمهور عن الأخطاء التاريخية الجسيمة وتمرير الرسالة المسمومة إلى عقول المشاهدين، مثلما حدث في فيلم "الفاتح" عن سيرة السلطان محمد الثاني لتقديم رجب إلى الجمهور التركي والعربي بوصفه "الفاتح الثاني".

استغل العثمانيون الجدد بزعامة إردوغان وصول جماعة الإخوان الإرهابية إلى حكم مصر عام 2012 لترويج مشروعهم الاستعماري وإحياء دولة الخلافة المزعومة، ولم يمر العام الأول والأخير من حكم الجماعة قبل عرض الفيلم في دور العرض المصرية والعربية.
 

18.5 مليون دولار

بلغت ميزانية فيلم "الفاتح 1453" نحو 18.5 مليون دولار أميركي، وهي الأضخم في تاريخ السينما التركية، تكفل بها المخرج  الذي يقول: "السيد إردوغان طلب مني هذا العمل بصفتي منتجا، وأنا فخور جدا بتاريخنا وماضينا، ففتح إسطنبول حدث مهم، ليس فقط بالنسبة إلى بلدنا وإنما لتاريخ البشرية، هو حدث ينهي حقبة الظلم".
يستخدم الفيلم جميع أدوات الكذب والتضليل لتغطية جرائم محمد الثاني ومجازره بحق المدنيين، واختراق عقل المشاهد العربي وكذلك الغربي لخدمة مشروع رجب وتمكين العثمانيين الجدد، فيما انتبهت صحيفة الزمان التركية إلى المخطط وعلقت على الفيلم قائلة: "عاد الأتراك أباطرة من جديد".

الفيلم أثار غضب المؤرخين والباحثين الذين وصفوه بـ "الأكذوبة التاريخية"، منهم مدير كلية التاريخ في جامعة أنقرة يلماظ كورتان الذي يقول :"ضحى بالواقع والحقائق التاريخية من أجل اعتبارات تجارية، وأظهر السلطان محمد الفاتح بصورة مخالفة للثوابت التاريخية بهدف الدعاية للعثمانيين الجدد".
 

تبييض وجه السلطان

160 دقيقة من الزيف، هي مدة الفيلم الذي كدسه المخرج أكصوي بعشرات المغالطات التاريخية عمدا بإملاء من إردوغان وحزبه العدالة والتنمية، حيث استهل بمشهد من داخل المدينة المنورة يظهر القائم بدور الصحابي أبو أيوب الأنصاري وهو يتلو حديث "لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش".
يهدف المشهد إلى إضفاء شرعية دينية على السلطان محمد الثاني، وإقحامه بالقوة في علاقة روحية مزعومة مع الصحابي الجليل الذي شارك في حصار المدينة عام 674، فيما يجمع جمهور علماء الحديث على ضعف القول المنسوب إلى النبي محمد في هذا الصدد.
يحاول الفيلم بحديث ضعيف غسل يد السلطان وجيشه من دماء 40 ألف شخص ذبحوا على أبواب القسطنطينية، وكان هدف محمد الثاني من حروبه سياسيا وليس دينيا، حيث كان السبي والسرقة واستباحة الممتلكات هي تقاليد العثمانيين في حربهم التي سار عليها السلطان "الفاتح".

في المقابل، يلبس مخرج الفيلم السلطان عباءة المتدين الطموح الذي يريد فتح القسطنطينية رغم تشاؤم مستشاريه، فيبدأ الزحف البري والبحري نحو المدينة وتطول المعارك في الفيلم الزاخر بالمشاهد الدموية، لتسقط المدينة أخيرا في يد السلطان الذي ينقلها من الظلام إلى النور، حسب الفيلم.
 

سلطان الانقلاب

حاول "الفاتح" طمس حقيقة انقلاب محمد الثاني على والده وصراعه مع إخوته على العرش، ونسج قصة خيالية للإيهام بأن "مراد الثاني هو من تنازل عن العرش لولده المحبوب مرتين بعد أن مل الحكم بعد وفاة ولده الأثير علاء الدين، فعكف على قراءة القرآن واستدعى نجله محمد ليسلم له مقاليد الحكم".
 
التاريخ له قول آخر: إن السلطان مراد الثاني أدرك طباع ولده محمد الحادة وتخطاه في ولاية العهد، فقرر الابن الضال الانتقام وإزاحة كل من يقف في طريقه، وحاك مؤامرات ضد اثنين من إخوته سبقاه في ولاية العهد حتى قتلهما، ثم انقلب على أبيه ونفاه إلى ولاية أيدين ليستولي على العرش.

مع صعوده الأول إلى العرش، طمعت أوروبا في أملاك السلطان المراهق وتحرشوا بأرضه، لكن أباه السلطان مراد عاد مرة أخرى للحكم بمساعدة الإنكشارية لينقذ سلطنته، واستغل محمد وفاة أبيه في العودة إلى العاصمة أدرنة على رأس قواته، حيث ذبح بقية إخوته وأولادهم قبل أن يتلقى عزاء والده، ثم أقر تشريع قتل الإخوة والأبناء تحت اسم "قانون البغي".
 

تمثيل ابتدائي
ادعى مخرج الفيلم أن الصدر الأعظم خليل جاندارلي باشا خائن للسلطنة بعد أن تحالف مع الإمبراطور البيزنطي ودول أوروبا ضد آل عثمان، في محاولة للتستر على جريمة اغتيال الصدر الأعظم على يد محمد الفاتح.

خاف محمد الثاني من شعبية عائلة الصدر الأعظم التي حكمت إمارة جاندارلي في الأناضول، وكانوا منافسين لإمارة عثمان، وأصبحوا صفوة سياسية مثقفة من الطراز الرفيع، لذا اتهمه بالخيانة العظمى والتخابر مع البلاط البيزنطي، وأمر باغتياله في الخيمة السلطانية لينهي الوجود السياسي لآل جاندارلي.
 
تزييف الوقائع التاريخية لخدمة إردوغان، انعكس أيضا على شخصية محمد الثاني التي قدمها الممثل ديفريم إيفين وعمره 40 عاما، فيما كان عمر السلطان عندما استقر له الحكم 18 عاما،  ويقترب من ملامح إردوغان، لكن النتيجة في المجمل كانت كارثية على حد مراجعة موقع مافيا الثقافة التركي الذي يقول: "الفيلم أمسية ملونة بمستوى المدرسة الابتدائية".
 

مشرع البغي

ادعى الفيلم أن محمد الثاني كان متسامحا مع سكان القسطنطينية بعد الغزو، لكن الحقيقة أن السلطان استباح المدينة وأطلق جنوده لهتك أعراض نسائها 3 أيام، وهو ما ذكره أسد رستم في كتابه "الروم في سياستهم وحضارتهم وصلاتهم بالعرب" بقوله: "أباح السلطان المدينة 3 أيام بلياليها ثم دخلها وذهب توا إلى كنيسة آيا صوفيا فصلى على مذبحها وأعلنها مسجدا، ثم استقر في قصر الإمبراطور البيزنطي، وذبح الأتراك 40 ألفا وساقوا إلى أسواق الرقيق 60 ألفا".

في المقابل، صور الفيلم السلطان عندما دخل إلى كنيسة المدينة وهو يقول للأهالي: "نؤمنكم على ممتلكاتكم ودينكم، صلوا بها كما تشاؤون"، والثابت أن السلطان حول كنيسة آيا صوفيا لمسجد، أما تسامح السلطان مع أعيان البيزنطيين فكان قصير المدى، وسرعان ما أمر بإعدامهم.
أغفل الفيلم التاريخ الأسود لمحمد الثاني، حيث نال شهرة كبيرة تاريخيا باعتباره سفاح ومشرع البغي، وأصدر العشرات من القوانين الوضعية ضاربا عرض الحائط بأحكام الشريعة، كما أباح قتل الإخوة وقنن الدعارة والشذوذ، وورث عن أجداده الأتراك الوثنيين عدة عقائد منحرفة، فاعتنق مذهب الحروفية ومال للدين المسيحي.
 

الغضب يلاحق الفيلم
قوبل الفيلم بهجمة شديدة في الدول التي رضخت لحكم العثمانيين، وانتشرت المقالات الرافضة لأحداثه المزيفة في كل من اليونان والمجر والبلقان، واستخدمت الصحف اليونانية عنوان "دعاية الغزو لدى الأتراك تكلفهم أكثر من 18 مليون دولار"، وأعلنت جريدة بروتو ثيما اليونانية أن الفيلم "مسيء للشعب اليوناني بسبب ما لحقه من أهوال سقوط القسطنطينية على يد المغتصب التركي، ومفهوم الفيلم كله مسيء للمسيحية".

الفيلم أثار غضب اللبنانيين الذين نظموا وقفة احتجاجية وسط العاصمة بيروت ضد عرضه، ورفع المحتجون شعار "حضورنا ضروري وفاء لأجدادنا ومنعا لتزوير التاريخ والمس بالمقدسات"، ونجحت الاحتجاجات في منع عرضه في دور السينما، وفي ألمانيا دعت مؤسسة فيا دولوروسا إلى مقاطعة الفيلم قائلة: "بدلا من الاحتفال بذكرى الغزو، على الأتراك أن يستحوا من فعلهم في إلحاق الضرر باليونانيين".

Qatalah