يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


ظروف اقتصادية سيئة، وقمع مستمر، وأوضاع معيشية غير آدمية، وبطالة مرتفعة.. 4 أسباب كانت وراء قرار آلاف الأتراك بمغادرة الحياة هرباً من جحيم الديكتاتور الحاكم وبطش حكومته وأجهزته الأمنية.
معهد الإحصاء التركي كشف في تقريره الصادر اليوم الثلاثاء بشأن إحصائيات الوفاة لعام 2018، عن وصول عدد حالات الانتحار في تركيا خلال عام 2018 إلى 3 آلاف و161 شخصًا لأسباب عدة، على رأسها الأوضاع الاقتصادية المتردية التي تشهدها البلاد وفقاً لما ذكرته صحيفة "بيرجون" التركية.
نسبة المنتحرين من الرجال بلغت 75.6%، مقابل 24.4% من النساء، كما يقول المعهد، مشيرا إلى أن النسبة العامة تعني أن 4 مواطنين من بين كل مئة ألف شخص، اختاروا الموت خلال العام الماضي. 
 
المنتحرون زادوا  5 أضعاف 
نائب حزب الشعب الجمهوري في أنقرة، تكين بينجول، أعد تقريرا بعنوان "أماكن العمل في الطريق إلى القبر: انتحار العمال والمحامين والأطباء والمعلمين"، كشف فيه عن أن عدد حالات الانتحار زادت 5 أضعاف في السنوات الست الماضية، بسبب الفقر والبطالة والديون وظروف العمل.
بينجول أشار في التقرير إلى أنه عندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، ارتفع عدد المعلمين غير المعينين من 70 ألفًا إلى 500 ألف اليوم، موضحا أنهم عانوا من صدمة شديدة بعد تعذر تعيينهم.
السياسي المعارض قال إن المشكلات التي يعاني منها المعلمون والمعلمات تسببت في حدوث العديد من حالات انتحار، ففي عام 2017 انتحر 52 معلمًا، ثم وصل عددهم اليوم إلى 100. 
بينجول لفت إلى أنه في عام 2015، أنهى 180 عاملا في الصحة حياتهم بما في ذلك 10 أطباء، و71 ممرضة، و99 آخرين من طواقم العمل الصحية، وفي عام 2016، أنهى 129 عاملا بالصحة حياته بما في ذلك 11 طبيبا، و56 ممرضة و62 آخرين، أما في عام 2017، أنهى 122 عاملا في الصحة حياته ما في ذلك 3 أطباء و53 ممرضة و66 من العاملين بالصحة الآخرين.
أما المحامون، كما جاء في تقرير بينجول، فقد زاد عدد المنتحرين منهم 75% في السنوات العشر الماضية، حيث زاد معدل البطالة بين المحامين 6%، وفي العام الماضي، أقدم 12 محامًيا على الانتحار بسبب صعوبة المعيشة والضغط.
ظروف معيشية سيئة 
ارتفاع تكاليف المعيشة في تركيا احتل المرتبة الثانية من بين أسباب الانتحار، بعدما زادت محاولات الانتحار بمعدل 5 أضعاف، حيث وصل عدد من حاولوا الانتحار إلى ما يقرب من 61 ألفًا خلال الخمس سنوات الأخيرة.
الآلاف من الأتراك أقبلوا على الانتحار هرباً من الأوضاع الاقتصادية المزرية، من بينهم المواطن التركي الذي يدعى إسماعيل دفريم الذي انتحر في بلدة "كورفز" التابعة لولاية كوجالي، شمالي تركيا، بسبب الأوضاع الاقتصادية.
وقال دفريم قبل انتحاره: "إذا كنت لا أستطيع شراء الزي المدرسي لأطفالي، إذاً لا معنى لحياتي"، لتلخص رسالته القليلة الكلمات الأوضاع الاقتصادية للمواطنين والتي تزداد تدهوراً تلو الآخر.
الشاب أجامين ش، يبلغ من العمر 35 عامًا قرر إنهاء حياته 4 يونيو الجاري بإلقاء نفسه من الدور الثامن لمنزله في مدينة أضنة جنوب تركيا، ما تسبب في إصابة والدته وعدد من أقربائه بانهيار عصبي، قرار الشاب التركي جاء احتجاجا على ارتفاع الأسعار بشكل جنوني، وزيادة الديون بعد أن ضربت البطالة مئات الآلاف من الشباب.
المصادر أفادت أن الشاب المنتحر كان يعاني حالة نفسية سيئة بعدما عجز عن سداد ديونه. وأطلقت الوالدة صرخات ألم قائلة: "يا بني هل كان يجدر بك أن تنتحر بسبب هذا القدر من الديون؟".
 
ضحايا البطالة
الهاربون من سلطنة إردوغان هم من فئة الشباب، ممن سُدت السلطة في وجوهم كل فرص النجاح والتمسك بالحياة. الشابة التركية كوثر عبدالقادر أوغلو، البالغة من العمر 21 عامًا، أحدث ضحايا إردوغان، أنهت حياتها شنقا، قبل أسبوع، في مدينة قسطموني.
أسرة الفتاة وأصدقاؤها أجمعوا على أن السبب الحقيقي الذي دفعها للانتحار، هو تعنت الحكومية ضدها وعدم الموافقة على تعيينها، رغم تخرجها في قسم تدريس علم الرياضيات في جامعة التاسع عشر من مايو.
في 20 مايو الماضي أقدم الشاب التركي أيوب دال على إشعال النار في نفسه أمام مبنى بلدية شاهين باي، والتي يحكمها حزب العدالة والتنمية، بعد أن فقد الأمل في استلام فرصة عمل كانوا قد وعدوه بها قبل الانتخابات المحلية الأخيرة.
أيوب دال تقدم بطلب توظيف إلى بلدية شاهين باي، بعدما تجاهلته هيئة العمل التركية، ثم وصله خطاب يؤكد قبوله، ممهورا بتوقيع حزب العدالة والتنمية، بعد الانتخابات وفوز مرشح الحكومة، تراجع الحزب الحاكم عن وعوده للشاب، الذي تلقى خطابا آخر يخبره بعدم قبوله في الوظيفة، وهو ما دفعه للاحتجاج بحرق نفسه.
"سئمت من البطالة، سامحوني، أحزنتكم كثيرًا".. رسالة حزينة، نعى بها الشاب التركي صافات جي نفسه، قبل إقدامه على الانتحار فبراير الماضي بعد سنوات من البطالة.
صافات جي البالغ من العمر 34 عاما، قرر أن ينهي حياته شنقًا، بسبب فشله في الحصول على وظيفة، على مدار سنوات طويلة، ورصدت صحيفة "جمهورييت" تفاصيل الواقعة التي هزت تركيا، وأوضحت أن الضحية كان يسكن مع عائلته في حي فاليمشا بولاية تكيرداغ، وقرر إنهاء حياته شنقًا، بحبل علقه في سقف غرفته. 
 
ضحايا السجون 
في تركيا يقبع أكثر من 3 آلاف مسجون في الحبس الانفرادي وسط ظروف قاسية للغاية، فيما لا يجد بعضهم إلا الانتحار خياراً للتخلص مما يقاسيه من عمليات التعذيب الممنهجة.
"ظروف حياتي تسوء يوماً بعد الآخر، أشعر بسوء شديد.. لدي الحق لأعيش، لذا أطالب بالعودة إلى زنزانة عامة"، بهذه الكلمات وصف مظفر أوزكينجيز حالته من داخل زنزانة فردية.
موقع دويتشه فيله الألماني روى قصة أوزكينجيز المدرس الذي يبلغ 58 عاماً وتوفي في زنزانة فردية بمدينة جوروم شمال الأناضول، بعد وضعه في السجن المشدد بمنطقة البحر الأسود. المدرس الذي قتل نفسه كان يعاني من الوحدة في سجنه الانفرادي بعد عزله عن رفقائه الذين اعتقلوا معه، ليظل على تلك الحالة 14 شهراً في انتظار المحاكمة، وأثناء محاكمته حصل على عقوبة السجن لمدة 12 عاما ونصف العام بتهمة الانتماء لحركة الخدمة.
صحيفة بيرجون التركية كشفت في وقت سابق عن مغادرة المعتقلة السياسية بسجن شاكران النسائي "يونجا أكيجي" للحياة، بعد استمرارها في الإضراب عن الطعام، للمطالبة كغيرها من الآلاف برفع العزلة المفروضة على الزعيم الكردي عبدالله أوجلان، فيما كانت تقبع في السجون التركية منذ حوالي 4 سنوات على خلفية تهم ملفقة بالإرهاب.
يونجا دخلت في إضراب مفتوح عن الطعام منذ بداية مارس الماضي، وحاولت الانتحار في 29 من الشهر نفسه، قبل أن تنتقل إلى مستشفى شيغلي الحكومي لتلقي العلاج إلى أن فقدت حياتها. 
ولم تكن أكيجي أول المعتقلين السياسيين الذين يفقدون حياتهم داخل السجون التركية، فارق سيراتش يوكساك، الحياة في سجن عثمانية، للمطالبة أيضًا برفع العزلة المفروضة على الزعيم الكردي عبدالله أوجلان، إضافة إلى 3 أشخاص آخرين. 
في 23 مارس فارقت المعتقلة السياسية الكردية، أيتن باتشيت، البالغة من العمر 24 عاما، والمعتقلة في سجن "جابزة"، شمال غرب تركيا الحياه بشنق نفسها، بعد 6 سنوات من اعتقالها بتهم ملفقة، تتعلق بالانتماء إلى منظمات إرهابية.
الواقعة الثانية في نفس الأسبوع، أنهى المعتقل بسجن تيكرداغ والعضو في حزب الشعوب الديمقراطي زولقوف جزان (30 عاما) حياته في 18 مارس الماضي شنقا هو الآخر، ودفن في ولاية دياربكر.
زهرة ساغلام أنهت حياتها في سجن أولتو يوم 24 مارس الماضي، و لحقت بها "ميديا تشينار" المعتقلة بسجن ماردين بعد يوم واحد، عقب نقلها من معتقل فان شديد الحراسة إلى سجن ماردين.
أنقذوا المعتقلين 
منظمات حقوق الإنسان ونظيراتها العمالية والمهنية، دعت إلى وضع حد للانتحار في السجون، فيما أكد مركز ستوكهولم للحريات، أن الحياة بمعتقلات إردوغان المكتظة بنحو 300 ألف معتقل مستحيلة، إذ يضطر النزلاء للنوم أمام المراحيض، بسبب الازدحام الشديد. 
مراقبون قالوا لصحف ومواقع إخبارية، إن حالات القتل جراء التعذيب، دائمًا ما يجري التغطية عليها، والادعاء بأنها تمت نتيجة الانتحار، لرفع المسؤولية عن إدارة السجن.
 
60 ألف محاولة
سياسات إردوغان وحزبه الحاكم كبلت الأتراك بأعباء لم يستطيعوا تحملها، أو التعبير عن رفضها خوفا من الاعتقال، فاختاروا الاعتراض على مأساتهم، بإنهاء حياتهم.
السنوات الخمس الأخيرة شهدت 60 ألفا و850 محاولة انتحار، راح ضحيتها 16 ألفا و28 شخصًا.

Qatalah