يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


سعى العثمانيون إلى توطيد حكمهم في ليبيا عن طريق ولاة أتراك يساعدهم فرق من الإنكشارية، مشكلين مسارا بائسا طوال عهد الاحتلال، وشهد القرن الـ18 ظهور أسرة القرمانلي، التي تولت حكم طرابلس 121 عاما، وكانت ممثل إسطنبول في التنكيل بالليبيين فذاقت البلاد خلالها مرارة الجوع والفقر وفقدت عشرات الآلاف من شبابها الشجعان.

أحمد باشا القرمانلي أسس حكما مستبدا في طرابلس، عُين في البداية قائدا للحامية التركية في طرابلس ثم تولى حكم الولاية عام 1711 بأمر من السلطان أحمد الثالث، وعانى الأهالي من ويلات القمع والضرائب الباهظة، وثاروا عليه أكثر من 20 مرة، فقتل الآلاف وأرغم الأحياء على دفع الجبايات المستحقة على الضحايا.

طرابلس شهدت نهاية القرن الـ18 حالة من الاضطراب السياسي بعد أن تصارع أبناء علي باشا القرمانلي على وراثة الحكم، وبرز ابنه الأصغر يوسف وكان في العشرين من عمره، واشتهر بسوء الخلق وحبه لسفك الدماء، ودخل في صراع مع أخيه أحمد فدبر مؤامرة لاقتناص ولاية العهد، فقتل شقيقه الأكبر أمام والديه.

لم تسر الأمور كما خطط يوسف، فعقب إعلان قتل شقيقه وانتشار الأخبار عن توليه ولاية العهد، تجمع أبناء القبائل الطرابلسية وأعلنوا الثورة وتسلحوا بالبنادق والمسدسات والسيوف والخناجر، واندفعوا في الشوارع بأعداد كبيرة مطالبين بعزله والثأر للقتيل، فهرب القاتل من المدينة في جنح الليل متخفيا في زي امرأة.

يوسف تمكن من شراء ولاء فرق من الإنكشارية، وساعدته في حصار طرابلس أربع سنوات (1791-1795) انتهت بانقلابه على والده، وتوليه الحكم حتى عام 1832، لتعاني ليبيا 37 عاما من أسوأ أيامها في ظل العثمانيين، عبر فتح الهجرة أمام أتراك الأناضول خاصة أفراد عائلته، ومنحهم امتيازات سياسية واقتصادية، وجعل منهم صفوة تعيش على نهب ثروات أهل البلاد.

كان حكم يوسف القرمانلي وبالا على الليبيين، ساءت أوضاع الرعية ووصلت للحضيض، إذ لم يمتلك أية مؤهلات سياسية، واعتمد على قوته العسكرية للقمع وجمع الضرائب، وامتنع عن دفع رواتب الجنود وسمح لهم بفرض إتاوات على الناس.

عانت طرابلس في عهده سلسلة من المجاعات والركود التجاري وانهيار العملة، ما دفع الأهالي للهجرة إلى مصر، وانتشرت الأوبئة بين السكان، وأدى تردي الأوضاع الداخلية إلى إشعال الحروب والفتن بين القبائل، وفي ظل الأوضاع المضطربة أمر الوالي بتجهيز حملة عسكرية لجمع الضرائب بقوة السلاح، نتج عنها هجرة أعداد كبيرة إلى تونس.

ثورة غريان
سكان منطقة غريان أعلنوا في يوليو 1803 امتناعهم عن دفع الضرائب الجائرة، فأرسل الوالي العثماني أمين الخزانة أحمد أغا الخازندار مع مجموعة من جنود الإنكشارية لجبايتها بالقوة، انتهز الأهالي الفرصة للتعبير عن رفضهم لسلطة يوسف باشا وقتلوا مبعوثيه، ثم سدوا الطريق المؤدي إلى فزان، بعد أن استولوا على قافلة من 500 جمل محملة بالحبوب والأموال.

يوسف السفاح أرسل قوات كثيرة إلى غريان، فقتل زعيم الثورة الشيخ عبد الكافي و800 من الأهالي، وفرض على الباقين غرامة مقدارها 50 ألف جنيه إسترليني، وأجبرهم على قبول قوات تركية تقيم بشكل دائم في قلعة "ستبني"، على أن يتكفلوا بجميع رواتبهم وتسليحهم.

ثورة غدامس
شيخ سيف النصر قاد أبناء قبيلته من أولاد سليمان في سرت خلال عامي 1806 و1807 في ثورة تحرير ضد مظالم الباشا العثماني، خاصة الضرائب على الأفراد والمحاصيل والأغنام، فأرسل يوسف باشا قواته تحت قيادة ابنه محمد، وأسفرت المواجهات عن مقتل الشيخ وأغلب شباب القبيلة.

الباشا قرر نهب الثروات بشتى الطرق، ولما كان أغلب سكان إقليم غدامس أثرياء يعملون بالتجارة، فأرسل يوسف حملة عسكرية تحت قيادة ولده علي لنهب ما تصل إليه أيديهم، وأعلن الأهالي الطاعة خوفا على تجارتهم، فلم يرض ابن الوالي إلا بإذلال ونهب الأبرياء، ففرض عليهم غرامة 40 ألف جنيه إسترليني، بالإضافة إلى 50 سبيكة ذهبية.

كما عين حاكما لغدامس يجمع الضرائب، وسمح له بالاحتفاظ بنسبة 10 % منها كإتاوة، وبات من حقه الاستيلاء على تركات الأثرياء، ووفق ما ذكره الرحالة جوردن لينج الذي زار المدينة عام 1825 فإن إحدى التركات التي نهبها تقدر بـ20 ألف دولار أمريكي وقتها.

ذبح 500 أسير
يوسف القرمانلي شن حملة عسكرية على إقليم برقة عام 1811، بعد قرار مضاعفة قيمة الضرائب المفروضة على أهالي برقة، وتولى ابنه محمد قيادة القوات التي توجهت إلى درنة التي باتت مقر الثورة، ودارت معارك قتل فيها 19 من زعماء برقة، ثم انطلق ابن الوالي إلى بنغازي ومنها إلى سرت، حيث ثار عرب أولاد علي ضد الضرائب الباهظة، وأغلقوا جميع الطرق المؤدية إلى قراهم ومدنهم وقتلوا جميع رسل الباشا.

قوات برقة بلغت 3 آلاف ليبي، ما دفع يوسف باشا لإرسال قوة من 13 ألف تركي مسلحة بالبنادق، الأمر الذي جعل المعركة مذبحة بكل المقاييس، فقتل 2500 ليبي وأسر 500 آخرين، أرسلهم محمد لوالده مكبلين بالأغلال مع 25 صندوقا مملوءا بالذهب والمجوهرات، ولم يجد يوسف السفاح سبيلا للانتقام سوى بذبح الأسرى وتعليق رؤوسهم على أسوار قلعة طرابلس.

مذبحة الجوازي
دبر يوسف القرمانلي مذبحة لأفراد قبيلة الجوازي في نهار رمضان على خلفية نزاع مع ولده محمد، عقب هروب الأخير من بطش أبيه لعدة أشهر لدى زعيم الجوازي، ومكر الوالي من كبار القبيلة جاءته تطلب تخفيض الضرائب والإتاوات.

في صباح 5 سبتمبر 1817، وصل 45 من رؤساء القبيلة في موكب كبير إلى قلعة بنغازي في منطقة البركة بوهديمة، واستقبلهم الوالي العثماني بقناع بشوش يخفي حقيقة وجهه المخادع، ثم دخل الحراس شاهرين سيوفهم وذبحوا المشايخ، وأخذوا من أظهروا بعض المقاومة إلى غرفة قريبة أعدت خصيصا لإعدامهم، واصطاد الحراس قلة حاولت الهروب برصاص بنادقهم.

بعد أيام قليلة من المذبحة وصل إلى ميناء بنغازي باقي أفراد القبيلة لطلب الصفح والمغفرة من باشا طرابلس، لكن مصير أولئك لم يختلف عن أقاربهم، وقتلوا جميعا وألقيت جثثهم في مياه البحر، وبلغ عدد الضحايا 10 آلاف نفس، وغنم الأتراك 4 آلاف جمل و10 آلاف رأس من الغنم و6 آلاف من البقر، وكميات كبيرة من النقود ومئات الأسرى والسبايا، ما دفع باقي أبناء القبيلة للهجرة إلى مصر.

أحرار غريان
ذكرى مذبحة الجوازي الدموية ظلت تؤرق أبناء طرابلس، وشهدت السنوات التالية عدة ثورات واحتجاجات تدعو للثأر من الباشا، انفجرت ثورة أهالي غريان مطلع عام 1825 واستمرت ثلاث سنوات، بعد مؤامرة دبرها يوسف لقتل ابن الشيخ بلقاسم بن خليفة زعيم غريان، فثار الأهالي وأعلنوا انفصالهم عن الباشا التركي.

أرسل يوسف 5 آلاف جندي لقمع الثورة وقتل 2000 من أبنائها، لكن عدد الضحايا لم يشبع نهم الباشا لسفك الدماء، فأرسل عام 1827 جيشا مكونا من 4 آلاف فارس و7 آلاف من المشاة تحت قيادة ابنه علي، وقتل 2500 من أهالي غريان.

الشيخ عبد الجليل بن سيف النصر حمل لواء الثورة عام 1831، ليثأر لقتلى غريان ويرفع الظلم الواقع على أبناء قبيلته، بعد أن فرض يوسف القرمانلي ضرائب باهظة بعد مجزرة 1827، فأرسل إلى الباشا خطابا يحوي مطالب الأهالي بتخفيض أموال الجباية، لكنها قوبلت بالرفض التام.

قاد عبد الجليل الثورة في يوليو 1831 وانضمت إليه القبائل الليبية في فزان وبني وليد ومصراتة، وأعلنت مدينتا ترهونة وغدامس تأييد التمرد، وكونوا جيشا جرارا اشتبك مع جنود الباشا، والتي تكبدت خسائر جسيمة وطلبت الهدنة ووقف القتال في يناير 1832.

اقتصاد منهار
اتبع يوسف القرمانلي سياسات اقتصادية فاشلة دفعته في النهاية إلى هاوية الاستدانة من الدول الخارجية، وبحلول عام 1824 أصبحت ديون طرابلس 250 ألف جنيه إسترليني لإنجلترا وفرنسا ومثلها لمحمد علي باشا والي مصر، بخلاف 100 ألف جنيه إسترليني لتجار إيطاليين، ليصبح الإجمالي 600 ألف.

قرر يوسف غش العملة كإجراء يائس لتوفير قيمة الديون، لكن النتيجة كانت كارثية إذ انخفضت قيمتها وارتفعت الأسعار إلى الضعف، فاضطر إلى استيراد قمح ومحاصيل غذائية أخرى من مصر بالدين الآجل.

في 15 مارس 1829 أمر يوسف القرمانلي بتخفيض قيمة العملة إلى النصف، فارتفعت الأسعار بصورة جنونية، وعجز الأهالي عن توفير قوت يومهم، خاصة بعد أن احتكر السلع الغذائية، ما دفع الطرابلسيين إلى الثورة وتظاهروا أمام قلعة الباشا، ودارت اشتباكات عنيفة بين الطرفين، وكاد الوالي أن يتعرض للقتل، فكتب رسالة إلى الثوار يخبرهم فيها بتراجعه عن قراره وعودة العملة والأسعار إلى سابق عهدها.

اضطر يوسف إلى رهن أراضي طرابلس ومحاصيلها إلى التجار والقناصل الأوروبيين لتأمين قيمة القروض، كما توسع في منحهم امتيازات تجارية وسياسية جعلت منهم أسياد المدينة.

تنازل عن حق الطرابلسيين في التمتع بخيرات بلادهم، فمنح تجار فرنسا وإنجلترا حق احتكار تجارة البارود والرصاص والطواحين والصابون والتبغ والفحم والأخشاب والملح، مقابل تحصيل ضريبة مقدارها 5 %، في حين حصل التجار أرباحا طائلة بلغت 30 % من ثمن المنتجات.

نهاية المفلس
لم يستفد أهل البلاد بالأموال التي اقترضها الباشا، بل إنها هددت أمن واستقلال أراضيهم، فقد أرسلت بريطانيا إنذارا إلى يوسف القرمانلي في يوليو 1832 تطالبه بسداد 180 ألف جنيه إسترليني، وإلا قصفت الأسطول قلاع طرابلس واحتلالها، ولم يستطع توفير أكثر من نصف المبلغ، بعد أن فرط في معدات حربية كثيرة، فباع 4 سفن حربية وجميع بنادق فرق المشاة، بالإضافة ذهب ومجوهرات زوجاته.

زادت مطالبات الدول الأوروبية لديونها، فلجأ الباشا إلى وسيلته المعتادة بفرض على شيوخ القبائل تحصيل الضريبة عن عام 1833 مقدما، فاجتمعت العشائر في ضريح المرابط الكبير في 20 يوليو 1832 وأعلنوا عدم قدرة السكان على دفع أية أموال، وفي اليوم التالي أعلنوا الثورة الشاملة على الحاكم المفلس.

حصد يوسف باشا ما قدمت يداه وشرب من كأس الخيانة على يد حفيده محمد، فقد كتب الثوار عريضة بتاريخ 26 يوليو لخصوا فيها مساوئ الوالي العثماني "حاكم ظالم ومستبد استخدم القوة بدون هوادة، وأهمل شؤون الرعية وفرض ضرائب طائلة جعلت الناس في حالة معدمة، وجر البلاد إلى الإفلاس"، وفي ذات اليوم أعلنوا عزله وتنصيب حفيده.

قبل تنصيب الشاب محمد أخذوا عليه العهد بأنه ومن سيخلفه في المستقبل عليهم بالشورى، وعدم فرض ضرائب إلا بعد موافقة شيوخ القبائل، ليحقق الطرابلسيون انتصارا كبيرا على والي مستبد، ويفرضون شروطهم على حاكمهم التركي.

المصادر :


Qatalah