يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


وسادت على أرجاء يلديز وحشةٌ
فليس سوى الأشباح تأتي وتذهبُ
فطورا يرة عبد العزيز مضرجًا
بفيض دمٌ من جسمه يتصبَّبُ
وآوانة يلقى مراد بسجنه
كئيبا على وجه الثرى يتقلبُ
ولاح له البسفور يطفو بأهله
وقد أوشكت أمواجه تتلهبُ

على وقع موسيقى حماسية تطلّ من بين أبيات القصائد، رسم العديد من الشعراء العرب خارطةً للظلم العثماني، وجسدوا خطاياه في حق أمتهم، ولعنوه، وطالبوا بالثورة ضده، والوحدة، والعودة إلى وحدة عربية أصيلة، بعيدًا عن محاولات بني عثمان بث الفرقة بينهم، واستعبادهم.

لطالما كان الشعر هو ديوان الحياة العربية، وتلخيص لأحوالها من كافة جوانبها، السياسية والاجتماعية والعسكرية والاقتصادية، كان الشاعر هو المتحدث بلسان أهله، والمؤرخ المنصف لحكايات تاريخهم ومآثر حاضرهم، وعلى هذا، رسمت عشرات القصائد صورة متكاملة للحياة في عهد الدولة العثمانية، ومساوئ حكامها، ومؤامراتهم ضد العرب. 

في كافة الدول والأقطار التي كانت ترزح تحت الظلم العثماني، برز شعراء كبار، ناطقين بلسان الحال العربي، تاركين للتاريخ فرصة الحكم على الفاسدين والمتجبرين، الذين ادعوا حمل لواء الإسلام، بينما كانت سياساتهم في الحكم أبعد ما تكون عنه.
الأردني عبد الله العكشة، كان أحدهم، والذي حمل سلاحيه (لسانه وقلمه) ضد البطش والظلم، فكان أحد أول مؤسسي حركات المعارضة الأردنية والمطالبة بالاستقلال من الحكم العثماني، ما حمله مصاعب شتى بين السجن والنفي والملاحقة لسنوات.

وفي مصر، ظهر الشاعر ولي الدين يكن، يهجو بشعره حاشية السلطان، ويضع كتاباً سماه "مئة برهان وبرهان على ظلم عبد الحميد السلطان"، ويهاجم الظلم عبر جريدته "الاستقامة" التي أصدرها بالقاهرة عام 1897، وظلت 5 سنوات منبراً للحرية، ومعاداة ظلم العثمانيين، حتى منعتها السلطات العثمانية من دخول السلطنة. 

ثلاثون عاما والنوائب فوقنا
مخيّمةٌ مثل الغيوم القواتم
فلا العلم مرموق ولا الحق نافذٌ
ولا حرمة ترعى لغير الدراهم
وما ثم غير البغي والظلم والأذى
فقُبِّحتَ من عصر كثير السخائم

بهذه الكلمات النارية، لخص الشاعر إيليا أبو ماضي، عصر السلطان عبد الحميد، كما فعل غيره من الشعراء، سابقين ولاحقين، منهم فؤاد الخطيب، وعبد المحسن الكاظمي، وناصف اليازجي، وجميل صدقي الزهاوي، ورفيق سلوم، وحافظ إبراهيم.

ولم يُغْنِ عنه دَهاؤُه .. حافظ إبراهيم يحتفي بزوال عهد المستبد عبد الحميد
يروج العثمانيون الجدد، دائمًا، أن شاعر النيل، حافظ إبراهيم، كان من المدافعين عن الدولة العثمانية المقبورة، مستشهدين ببعض أبيات، تردد أن سبب كتابة حافظ لها، كان اتقاءً لشر السلطان المستبد عبدالحميد، الذي كانت مخابراته تصل إلى كل مكان.
عاش شاعر النيل، في عصر خطر، ما قبل الخلاص من السيادة العثمانية، فلم يكن بمأمن من يد سلطان إسطنبول المستبد عبد الحميد، لذا رغم أنه لم يهجوه اتقاءً لشره، إلا أنه شارك في الإطاحة به، بكلماته، وفرح بزوال حكمه مثل جميع العرب.

وقد جاء إعلان الدستور العثماني عام 1908 كمناسبة تستحق الفخر، فهي ملحمة شارك العرب في صنعها، لكن غدر الأتراك أضاعها، واكتشفوا أنه قد خلّف عبد الحميد المستبد آلافا مثله في جمعية الاتحاد والترقي.
يُعد حدث إعلان الدستور العثماني (سنة 1908 م) ، من أهم الأحداث في نهاية حكم الدولة العثمانية، إذ به تقيدت صلاحيات السلطان عبد الحميد، فكان هذا الإعلان في أعين مناصريه يمثل كسرًا لاستبداده، وتحول الدولة من دولة شخصية استبدادية إلى دولة دستورية شورية.
حافظ إبراهيم جادت قريحته بعدة قصائد احتفى بها بزوال عبد الحميد، وسجل فيها نتفا من جرائمه. للمزيد

حملنا نير ظلمكم قرونا.. إيليا أبو ماضي ثائرا في وجه الطغيان العثمانلي
في أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين، كانت أحوال الدولة العثمانية ـــ الرجل المريض ـــ قد تردت في هاوية من الفساد والضعف والتخلف، وتفاقمت في ظلها أحوال بعض البلاد العربية، خاصة سورية ولبنان، اللذين بلغ القهر والاستبداد والفقر فيهما دركا لا يطاق، الأمر الذي اضطر كثيرا من أبنائهما إلى الارتحال عن الوطن، سعيا إلى الحرية والأمن والرزق.

كان بين المهاجرين، شباب ورجال يحملون بين جوانحهم مواهب أدبية، تفتحت ونمت وأبدعت في البيئة الجديدة، فكان ما عرف في الأدب العربي الحديث بـ"أدب المهجر"، كان بين هؤلاء الأدباء طفل أو صبي نحيل، قدر له فيما بعد أن يوصف بأنه "أمير شعراء المهجر"، وهو الشاعر الأديب إيليا أبو ماضي.
عبرت أعمال إيليا أبو ماضي عن فكره الفلسفي والتي وضحت في معظم قصائده ومن أهمها: تذكار الماضي عام 1911، والتي تناول فيها ظلم المحتل للشعوب المحطمة، والطغيان العثماني ضد بلاده. للمزيد

كسروا قلمه وعذبوه .. رفيق سلوم قاوم العثمانلي بالشعر فأعدمه شنقًا
في ساحة الحرية بدمشق، في السادس من مارس 1916، نفذ الجلاد العثماني حكم الإعدام ضد رفيق سلوم و6 من رفاقه، كانوا ضمن موجة الشهداء الثانية، الذين رحلوا عن الدنيا بأجسادهم، بينما ظل إرثهم حياً بين المناضلين العرب، الذين ثأروا لهم بعد عامين، حين طردوا الغاصب التركي من بلادهم، بعد 400 عام من الاحتلال العثماني الغاشم للأمة العربية.

سلوم قرر منح حياته لخدمة قضايا العروبة، حيث درس الحقوق ليعرف حق أمته، وتبحّر في علوم الاقتصاد ليفضح الخراب العثماني، وكتب المقالات والمؤلفات، لتنوير شباب أمته، مؤمناً بأن المعرفة أقوى سلاح في وجه المحتل التركي، ورفع لواء الإصلاح وافتخر بالمجد العربي.
أثناء خدمته ضابطاً في الحرب العالمية الأولى، انضم سلوم إلى جمعية العهد العسكرية، فقد كان عربياً قبل أن يكون مسيحياً، مثلما كان معلمه عبد الحميد الزهراوي عربياً قبل أن يكون مسلماً، فاجتمعا على العروبة، وقدما مثالاً على وحدة الأمة، وعلى ثرائها بالتنوع والاختلاف. للمزيد

ولي الدين يكن .. "شاعر الحق" في وجه طغيان العثمانلي
عشق الحرية ولم يرض بغيرها، وجهر بالحق حين صمت الكثيرون، وندد بالاستبداد في قلب عاصمة الظلم العثمانية، فجر ذلك عليه غضب الطاغية عبد الحميد الثاني، فنفاه إلى سيواس لمدة 7 سنوات. ولي الدين يكن، شاعر مصري، من الأسرة العلوية المالكة، ولد في إسطنبول، ونشأ في مصر، وتشرب روح الحرية فيها، وحين عاد إلى مسقط رأسه، لمس الظلم في كل مكان، فألهب الصحف بقصائد يتغنى فيها بالحرية، ويهجو فيها الاستبداد، والظلم.

كلمة الحق، التي نطق بها الشاعر كانت ثقيلة على المستبد عبد الحميد الثاني، فمنع دخول صحيفته إلى السلطنة، وأمر جواسيسه باعتقاله، وقام بنفيه، وحرمانه من العودة إلى وطنه مصر. يكن ظل ينطق بالحق حتى وفاته، فانتقد استبداد الاتحاديين، الذين حكموا بعد زوال الطاغية عبد الحميد. للمزيد

بني يعرب لا تأمنوا الترك.. الشاعر "الزهاوي" يوثق جرائم الأتراك بحق العرب
بني يعرب لا تأمنوا الترك بعدها
بني يعرب إن الذئاب تصول
ولا تمشِ في أمر أجنَّك ليله
على ضوء تركي فذاك ضئيل

دأب صاحب هذه الأبيات على كشف زيف الدولة العثمانية، وعمد إلى نصح العرب بعدم الانزلاق وراء خداعهم وأكاذيبهم، خصوصًا بعد سقوط دولتهم المارقة.. إنه الشاعر جميل صدقي الزهاوي الذي قال عنه طه حسين إنه "معري" العرب في العصر الحديث. 
شاعر عشق الحرية، وبغض كل ما يقيدها. أحب العرب، وهاجم المحتل التركي. فرح بزوال عهد المستبد عبد الحميد الثاني، وطرب بإعلان الدستور الجديد بعد سقوط الدولة العثمانلية، لكنه أدرك غدر أتراك جمعية الاتحاد والترقي، وحربهم على القوميين العرب، فهاجمهم ولعنهم في قصائده.
جمال لأنت القبح سموك ضده / وثوبك إذا أرفلت فيه ذليل
تريد لمجد العُرْب فيما أتيته /   زوالًا ومجد العُرْب ليس يزول
قصائده سجلت آلام الأمة العربية في الشام على يد السفاح جمال باشا، وما عانوه من شنق، ونفي، ونهب. وسجلت أيضا فرحة العرب بالخلاص من المحتل التركي، عندما دخل الجيش العربي إلى دمشق. للمزيد

الشاعر عبد الله العكشة .. سلاح الثورة العربية ضد الظلم العثمانلي
كان جريئًا في قول الحق بأشعاره، ولما لا وهو من نسل الأردنيين الذين قدموا أنفسهم  فداءً لوطنهم، فلم يقبل الظلم والقمع الذي مارسته سلطات الاحتلال العثماني ضد وطنه، فحمل سلاحيه (لسانه وقلمه) ضد البطش والظلم وكان بحق أحد أول مؤسسي حركات المعارضة الأردنية والمطالبة بالاستقلال من الحكم العثماني، ما حمله مصاعب شتى بين السجن والنفي والملاحقة.. إنه الشاعر المحامي عبدالله 

ففي العام الذي أطلق فيه السلطان عبد الحميد الثاني عصرا من الجاسوسية بتأسيس جهاز الاستخبارات عام 1880، ولد الشاعر عبد الله سالم العكشة في منطقة الكرك الأردنية، وشاهد في طفولته جرائم المخبرين وتقاريرهم الملفقة عن مشايخ وزعماء القبائل والعشائر العربية.
والد عبد الله العكشة كان يرغب في الخروج من دائرة الجهل والتخلف التي فرضها العثمانيون على البلاد العربية، كما أنه رفض سياسة تتريك المدارس بفرض اللغة التركية، فقرر تعليم ولده العلوم الحديثة في المدارس الأوروبية بالشام، والتي اهتمت بتدريس اللغة العربية بجانب اللغات الأوروبية وآدابها، وقد استكمل عبدالله دراسته حتى أصبح المحامي والشاعر الأردني الذي يجيد 5 لغات أجنبية. للمزيد

"لنطلبنّ بحد السيف مأربنا" .. الشاعر الذي أيقظ الثورة ضد العثمانلي
بينما كانت الولايات العربية تعاني مرارة الفقر والجوع والمرض والقمع على يد الاحتلال العثماني، عاشت الشام فترة استثنائية من الحرية، بعد أن حررتها القوات المصرية في عام 1832 بقيادة إبراهيم باشا، والذي ألغى القوانين العثمانية الجائرة بحق العرب، ونشر القوانين المدنية التي تساوي بين الجميع، وإنشاء المدارس ونشر التعليم.
إصلاحات إبراهيم باشا كان لها أثر كبير في يقظة العرب من سباتهم، وإدراكهم لذاتهم التي حقر الترك من شأنها لقرون، فالعثمانيون كانوا حريصين على تجريف البلاد العربية من ثرواتها البشرية والطبيعية، ومطاردة العلماء والمفكرين والمبدعين، ليضمنوا سيطرتهم المطلقة على الشعوب.

إبراهيم باشا رحل عن الشام، مخلفا جذوة الفكرة القومية، فبدأت اللغة العربية تنتعش، وظهرت العديد من المؤلفات، وبدأ إحياء الأدب العربي الذي ذكر الناس بماضيهم العريق، ما دفع مسيرتهم نحو الإصلاح والتنمية.
ومنذ تلك اللحظة بدأت بوادر القومية العربية تنبت في الشام، على يد جيل درس وتعلم في المدارس الحديثة، والتي أسسها محمد علي والبعثات الفرنسية والأمريكية، وتخرج عشرات الشباب الواعي بأزمة الأمة العربية الحضارية، بعد أن فقدت ريادتها على يد العثمانلية.

منتصف القرن التاسع عشر شهد حركة أدبية قومية سخرت قلمها وأشعارها للتنديد بالاستعمار التركي، ومن أشهر رواد تلك الحركة الأديبان بطرس البستاني وناصف اليازجي، اللذان أطلقا دعوات لاتحاد العرب في خدمة لغتهم بعيدا عن الاختلاف العقائدي، وقد أثمرت تلك الدعوات في تأسيس عدد من الجمعيات، أهمها الجمعية العلمية السورية في عام 1857، وهي أول الجمعيات القومية التي مارست نشاطا سياسيا مناهضا للدولة العثمانية.
كتابات وأشعار ناصف اليازجي الثورية أثرت في تربية ولده إبراهيم، والذي ولد في مدينة بيروت عام 1847، وترعرع في بيت أدبي قومي يناهض الاحتلال العثماني، وتربى منذ نعومة أظافره على حب الحرية والاستقلال، وقد سخر الشاعر إبراهيم قلمه وموهبته الشعرية في فضح فظائع الاحتلال العثماني في البلاد العربية، ودعا الأمة العربية إلى الثورة لاسترداد استقلالها وحريتها، وهو ما سماه "الانعتاق من نير الأتراك".

النزعة القومية لدى إبراهيم نضجت وتحولت إلى حركة سياسية واضحة المعالم بتأسيس "جمعية بيروت السرية" في عام 1875، والتي عملت على إحياء التراث العربي، ونشر اللغة العربية والتعليم، لمواجهة حركة التتريك، والتي فرضها العثمانيون على الولايات العربية. للمزيد

خوضوا غمار الحرب وابتدوا .. أبيات "الكاظمي" تزلزل عرش العثمانلي
المفكرون والأدباء العرب، ضاقوا ذرعاً من الممارسات القمعية للعثمانيين، وسياسات التمييز العنصري بين الأتراك وباقي شعوب السلطنة، لاسيما العرب، أصحاب الحضارة والثقافة العريقة. الشعراء العرب سخروا كلماتهم وأبياتهم لفضح جرائم الاحتلال التركي الغاشم.
"شاعر العرب"، لقب حصل عليه الشاعر العراقي عبد المحسن الكاظمي، تقديراً لجهوده الأدبية والشعرية في إثراء الأدب العربي بعشرات القصائد الثورية، ثم جمعها في ديوانين، رصد خلالهما تاريخ الأتراك الأسود في البلاد العربية.

عبد المحسن بن محمد بن علي الكاظمي، ولد ببغداد مطلع أكتوبر 1871، وينتهي نسبه إلى قبيلة نخع اليمانية، وقد تعلم القراءة والكتابة في مساجد بغداد والنجف والكاظمية، ومنذ نعومة أظافره أحب الشعر والأدب والبلاغة، حتى برع في فنون اللغة العربية، وطوع موهبته الشعرية لفضح جرائم الاحتلال العثماني، بعد أن شاهد حالة الانهيار التام التي عاشتها بغداد خلال العهد العثماني.
الشاعر الشاب، طاقت نفسه إلى الحرية من نير الاستعمار التركي، وتطلع لمقابلة دعاة الثورة على العثمانلي، وعلى رأسهم السيد جمال الدين الأفغاني، رائد النهضة الشرقية نهاية القرن التاسع عشر، الذي قدم إلى بغداد، وحمل مشعل الثورة العربية ضد عبد الحميد الثاني، بعد أن فند الأهداف المسمومة من وراء مشروع الجامعة الإسلامية.

الكاظمي، تعرف على الأفغاني في بغداد، ولازمه في حله وترحاله، وبات من طلابه المقربين، وأخذ عن الأفغاني الكثير من الأفكار السياسية والاجتماعية. الكاظمي، كان يلقي قصيدة ثورية عقب كل اجتماع أو محاضرة يلقيها الأفغاني، ومن هنا طغى الشعر السياسي على الإنتاج الأدبي للكاظمي. للمزيد

ابتر بسيفك عضواً لا حياة له .. "الخطيب" لسان ثورة العرب على العثماني
من أوائل شعراء العصر الحديث الذين دعوا إلى النهوض القومي والانبعاث الوطني، وأول شاعر صدح وهتف مهللاً للثورة العربية الكبرى بقصائده، فاستحق لقب شاعر الثورة العربية الكبرى. قصائد فؤاد الخطيب، كانت دعوة للثورة، ومحاربة الطغيان التركي، فاغضبت الأتراك منه وطاردوه، وحكموا عليه بالإعدام، لكنه نجح في الهروب من أيديهم، إلى مصر قبلة الأحرار العرب في ذاك الوقت.
الخطيب، شارك في الثورة العربية الكبرى، ونظم الشعر في مدحها كما نظمه من قبل في الدعوة إليها، وشغل مناصب عدة في خدمة الأمة العربية. للمزيد

Qatalah