يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


قصور فخمة لأبعد حد، مُطعمة بالذهب والبلور، بناها فنانون فرنسيون وإيطاليون، يتصور البعض أنها بنيت في ظل قوة وتقدم الدولة العثمانلية، لكن المتتبع لتاريخ هذه الدولة الأسود سيجد أنها بنيت على أكتاف الشعب الفقير وبالضرائب الباهظة التي لم يكن يتحملها الشعب، ليمر عام بعد عام حتى تسقط هذه الدولة من التاريخ الإنساني، لكن تظل بعض هذه القصور شاهدة حتى يومنا هذا على سفه هؤلاء السلاطين، وعلى فترة من أحلك فترات البشرية.

"لا يوجد قصر على البوسفور لم يستنزف بناؤه سكان الولايات" مقولة وصف بها الصحافي الأمريكي ناسور سنيور عام 1857 علاقة الطبقة العثمانلية الحاكمة بالشعوب فالأول سخّر الثاني للإنفاق على ملذاته وشهواته.
سلاطين العثمانيين عاشوا على الغزو والنهب وفرض الضرائب والجزية على الشعوب واستغلوا هذه الأموال في الإنفاق على ملذاتهم وشهواتهم. القصور كانت إحدى الشهوات التي سيطرت على السلاطين وكبار رجال الدولة والولاة فتباروا في إنشائها وتزيينها.

على ضفاف البوسفور شُيدت عشرات القصور للسلاطين والأميرات فضلا عن كبار رجال الدولة والولاة. عملية البناء أخذت منحى تصاعديا بالتزامن مع انهيار الدولة فكلما أغرقت السلطنة في التدهور زاد بناء القصور ووصل الأمر إلى إنفاق القروض الأجنبية على البناء.

قصور وسلاطين
إنشاء القصور لم يكن سابقة عثمانلية فجميع الملوك والأمراء شيدوا القصور والأبنية الفخمة لكن الاختلاف عند العثمانيين هو الإسراف في بناء القصور في أوقات الرخاء والشدة دون أدنى مراعاة لأحوال الرعية.
الاقتصاد العثمانلي قام على جباية الضرائب والرسوم والجزية دون تقديم خدمات مقابل ذلك فلم تكن هناك مؤسسات في الدولة سوى الجيش والجهاز الإداري لجمع الأموال والقضاء وكانت الرعية تدفع رواتب هذه المؤسسات التي كانت وظيفتها إحكام قبضة السلطان على البلاد.

الشهوانية التي كان عليها السلاطين كانت السبب الأول في مظاهر الإسراف والبذخ الذي ميز القصور فمن أجل المتع الجنسية بُنيت قصور عديدة للجواري وكان القصر السلطاني يضم 300 غرفة للحريم وأسرة السلطان.
بناء القصور لم يخضع لحاجة الأسرة المالكة بل لرغبة السلطان فكان بعضهم يدشن عدة قصور فقط من أجل التجديد أو الانتقال لمنطقة جديدة حتى أصبح هوسا لديهم.
في حين كان القنال الكبير في البندقية دليلا مرئيا على ثروة وقوة عائلات أرستقراطية مثل غريتي وكنتاريني ومشينيغو الذين كانت قصورهم تصطف حوله، كان البوسفور يعكس الحضور الطاغي في المدينة لعائلة واحدة هي العائلة العثمانلية.

محمد الثاني اشتهر ببناء القصور الضخمة فمنذ عام 1453 بنى ثلاثة قصور ضخمة كان منها قصر الحكم في طوب قابي والذي ظل مقرا للحكم حتى بناء قصر دولمة باهجة عام 1856. طوال العهد العثمانلي بنى السلاطين صورا متعددة الأحجام لقصورهم في القسطنطينية وكانت نفقات هذه القصور ضخمة للغاية.

مراد الثالث (1574-1595) كان شهوانيا محبا للحريم وفي عهده وسّع جناح الحريم وبنى قصورا عدة لهن. وكان يقضي ليلته مع امرأتين أو ثلاث، وأنجب 102 طفل وفي النهاية أصابه الصرع.
الحرملك لم يكن مجرد قصر كبير وفخم يضم مئات النساء، بل كان شبكة واسعة من الغرف والممرات والأفنية بعضها للنساء والخصيان والسلطانة الوالدة والأثيرات والمشفى.

السلطانة الوالدة كان لها جناح ملوكي يضم حماما وغرفة صلاة وغرفة طعام وقاعة عرش وغرفة نوم، وبلغ عدد غرف القصر الأساسي طوب قابي 300 غرفة كانت مزينة بأبواب من المرمر وأسقف من الأرابيسك المُذهب وبلاط إزنيق. أما نوربانو والدة مراد كانت تعيش في قصر منفصل خارج المدينة .

بذخ وحريم
في عهد مراد الثالث كانت بقايا الطعام والشراب المهدرة في القصر كبيرة لدرجة أن الطباخين كانوا يعيدون بيعها في الأسواق وحقق كثير منهم أرباحا طائلة من ذلك.
القصر كان يستهلك يوميا 180 كجم من اللوز و200 كجم من ماء الورد المعطر بالمسك ومئات من رؤوس الأبقار والأغنام وآلاف الطيور.

في القصرين القديم (أول قصر بناه محمد الثاني) والجديد (طوب قابي) ارتفعت أعداد النساء سريعا من 167 عام 1552 إلى 230 عام 1574 و373 عام 1600 و662 عام 1622 ثم 967 عام 1652 وبجانب الزيادة بواقع ستة أضعاف في العدد حدثت زيادة بواقع 14 ضعفا في الإنفاق.
تفاوت عدد الحريم في القرن الثامن عشر بين 400 و 800 وارتفع إلى 809 عام 1870.
وجود الخصيان في الحريم لا يقل أهمية عن النساء وفي عام 1605 بلغ عددهم 111 خصيا.

الحريم في عهد إبراهيم الأول (1640-1648) بلغ ذرى جديدة من الترف في العطور والمنسوجات والجواهر. دفع ولع إبراهيم بالنساء والفراء إلى إنشاء غرفة مبطنة كليا بالفراء والوشق والسمور وكان يختلي فيها بالعذارى والنساء السمينات التي كانت والدته كوسم توفرهن له.

قصر السعادة الأبدية
السلطان مصطفى الثاني (1695-1703) المولع بالصيد أقام في أدرنة بدلا من القسطنطينية وبنى عدة قصور له و الأميرات اللاتي رافقنه وغضبت الإنكشارية من ابتعاد السلطان وعزلته وخلفه أحمد الثالث (1703-1730).

السلطان الجديد لم يحب الإقامة في قصر طوب قابي وقرر  بناء أكشاك وقصور حول العاصمة منها قصور دار البهجة الأبدية في دفتردار بورنو ودار الشرف الأبدي في أوسكودار وأعظمها قصر سعادت أباد أو قصر السعادة الأبدية في منطقة كاغيت خانة. 
من أجل سعادت أباد جُمع المعماريون من أوروبا وزُرعت الحديقة على طريقة قصر فيرساي وأنجز القصر في عدة شهور فقط فقد كان الصدر الأعظم يشرف شخصيا على بنائه.
كان في القصر قناة مستقيمة بضفتين مرمريتين طولها 1100 متر تصطف حولها البرك والشلالات والمظلات المذهبة واشتهر أحمد الثالث بالبذخ والترف وعاش في قصوره منعزلا عن معاناة الشعب وثوراته لكن الأسوار لم تحميه فخلعته ثورة شعبية بقيادة بترونا خليل.

أميرات وثروات
بنيت قصور على البوسفور للأميرات أخوات السلطان وبناته اللاتي كن يتميزن عن بقية النساء باسم "سلطان".
البذخ لم يتوقف على السلاطين لكنه شمل أفراد الأسرة الحاكمة من أمراء وأميرات الذين خصصت لهم رواتب وإقطاعيات كبيرة سخّروا فيها الفلاحين كعبيد لزراعتها ومن هؤلاء الأميرة أسماء سلطان شقيقة السلطان محمود الثاني والمحببة إلى قلبه والتي امتلكت أراضي زراعية كبيرة في اليونان.
أسماء سلطان امتلكت عدة قصور كان أهمها قصر أورتاكي وكان لها قصور في ماتشكا وأيوب وسلطان أحمد مجهزة بالأثاث الفاخر والحدائق الغناء.

عهد القصور
برغم العجز المالي الذي عانت منه السلطنة بعد حرب القرم وتحذيرات السفير البريطاني كاننج من احتمال حدوث كارثة مالية في البنوك توج السلطان عبد المجيد الأول (1839-1861) إسرافه اللا محدود ببناء قصر ضخم حديث هو قصر دولمة باهجة عام 1849 على الضفة الأوروبية للبوسفور بعد أن أصابه الملل من القصر القديم.
القصر كلف مبالغ طائلة حيث شيد على الطراز الأوروبي بعد عصر النهضة وزُين بنقوش الروكوكو وبالجدران الرخامية المطعمة بالذهب والبلور ونقش الأسقف فنانون فرنسيون وإيطاليون وضمت حجرة العرش أضخم المرايا في العالم وصُنع سرير السلطان من الفضة الخالصة.
عبد المجيد لم يكتف بدولمة باهجة وبنى قصر بليرباي عام 1861 وقصر تشيرغان عام 1864 والكثير من الأكشاك وبيوت الصيد والقصور الخاصة على طول البوسفور.

وخلفه السلطان عبد العزيز (1861-1876) وورث عنه البذخ والترف وبعد عودته من جولته في أوروبا عام 1867 سعى لمحاكاة ما رأه من مظاهر الفخامة وقرر أن يتفوق عليها بأسلوب سلطاني شرقي فدعا الضيوف الأجانب الملكيين إلى قصر دولمة باهجة حيث أقام احتفالات تفوق الوصف كلفته ما يقرب من مليونين من الجنيهات الإسترلينية. 

السلطان الثري
عبد الحميد الثاني (1876-1909) اعتلى العرش في ظروف صعبة تمر بها السلطنة المفلسة ورغم ذلك كان أول همه إنشاء مجمع قصور يلدز عام 1880 بلغ من اتساعه وثرائه أنه كان يتسع لـ 12 ألف شخص وانتقل إليه بدلا من قصر دولمة باهجة. 
يلدز كان بمثابة حصن لعبد الحميد أدار منه الإمبراطورية بمساعدة الموظفين وشبكة الجواسيس، عبد الحميد امتلك 11 مليون فدان في أجود المناطق الزراعية وآلاف العقارات وغيرها من الأملاك التي امتلكها بالمصادرة والشراء بثمن بخس.

عبد الحميد اشتهر بالبذخ وحب الترف وبنى قصرا جديدا يسمى "كشك الشاليه" عام 1880 وكان السلطان يأكل بعيدا عن الأعين مستخدما معالق وشوك من ذهب. 
12 ألف شخص عملوا في مجمع يلدز الذي شُبه بدولة مستقلة كانوا أداة السلطان للسيطرة على الإمبراطورية. وكلف هذا المجمع السلطنة نفقات هائلة دفع ثمنها الشعوب المضطهدة.

المصادر :


Qatalah