يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


في تركيا.. لا صوت يعلو فوق لهجة إردوغان، المتعطش لمسخ كل الأعراق ومحو كل اللغات وقطع كل الألسنة حتى لو كانت ألسنة مواطنين يعيشون في بقعة من الجحيم تسمى تركيا.
تعددت وسائل القمع، والتخويف، والإرهاب، إلا أن أحدا لم يبلغ قمتها التي يتربع عليها الرئيس التركي، بفرضه حظر تجوال على ألسنة  20 مليون كردي، ومنعهم من التحدث بلغتهم الأم في دولة تفرض التتريك على الجميع، وترفض الاعتراف بالكردية لغة ثانية.
القمع وصل مستويات عبثية غير مسبوقة: حبس المغنية الكردية هوزان جايه، لأنها غنت بالكردية، واعتقال النائبة ليلى جوفان لأنها رفعت لافتات بنفس اللغة تعبر عن تأييدها للشعب المضطهد، فيما تضم سجون إردوغان 3300 كردي منذ عام 2015.
يفتخر الكرد بلغتهم، أبرز ملامح هويتهم المنتمية إلى اللغات الهند-أوروبية، وتعد همزة الوصل بين قاطني جنوب شرق تركيا وشمالي سورية والعراق وغربي إيران، فاللغة المكتوبة بالحروف اللاتينية والعربية لحمة الشعب المشتت البالغ تعداده نحو 25 مليون شخص، يعيش منهم 20 مليونا داخل أسوار تركيا إردوغان.
رغم أن الأكراد يشكلون 20% من إجمالي سكان تركيا، إلا أنهم يعاملون كأقلية منزوعة الحقوق، ترفض أنقرة الاعتراف بالحق المشترك في الحياة، منهج متبع منذ تأسيس الجمهورية عام 1923، إذ منع تعليم لغتهم في المدارس والمعاهد العلمية، فضلا عن حظر التحدث بها، لذا كان الهمس منهج الشعب الكردي حتى لا ينسى لغة الأجداد.
مصطفى كمال أتاتورك لم يرغب يوما أن يكون أبا الأكراد، أسس دولته على سياسة التتريك، خدع الأكراد بأن الدولة التي يسعى لتأسيسها على جثث العثمانيين المتحللة ستكون برأسين، للأكراد فيها ما للأتراك من حقوق، خدعة قذرة دفعوا ثمنها غاليا على مدار قرن كامل، فأتاتورك حظر استعمال لغتهم ومنع استخدامها في المدارس والجامعات والمؤسسات الرسمية، وعمد إلى تغيير أسماء قراهم بالإضافة إلى إغلاق صحفهم، وبلغ الطمس أوجه بوصفهم رسميا بـ"أتراك الجبال".
 
خيانة الوعود
تخلى أتاتورك عن وعوده لزعماء العشائر الكردية الذين ساعدوه في تأسيس الجمهورية الحديثة، ورفض معاهدة سيفر التي منحتهم حق الاستفتاء على الحكم الذاتي، ووصفها بأنها حكم بالإعدام على تركيا.
تنصل أتاتورك من وعده للأكراد بحق الاستقلال، واتبع سياسة تلزم الأقليات العرقية المختلفة بالثقافة التركية، كان من نتائجها حصار لغتهم ومنعهم من تشكيل أحزاب سياسية، وبات مجرد التحدث باللغة الكردية عملا جنائيا يعاقب عليه القانون.
منذ عام 1925 يشهد الأكراد عمليات ذبح نتيجة مطالبتهم المستمرة بالحصول على حقوقهم، فقتل عشرات الآلاف منهم، وأصبح النشر في الصحف باللغة الكردية والدفاع عن النفس أمام المحاكم باستعمالها أو حتى الاحتفاظ بكتاب أو مجلة ناطقة بها أقصر طريق إلى الإعدام. 
نشر الصحافي موسى عنتر كلمات أغنية شعبية باللغة الكردية عام 1958، في صحيفة إيلاري يورت، الصادرة في ديار بكر، فكانت شكلا جديدا من المقاومة للحفاظ على التراث والهوية، مستغلا عدم وجود مانع قانوني لكنه تعرض لحملة من المضايقات الرسمية فضلا عن التحقيق معه بتهم واهية، لا تخفي الغرض الحقيقي وهو إسكات القصيدة الكردية من الانتشار سواء من شعر شعبي أو أغنية.
منذ ذلك التاريخ، تنشر الصحف الكردية على استحياء لتوصيل صوت الشعب وحقوقه المهدرة للعالم، مثل جريدة روجا ولات، التي بدأت عملها عام 1977، فتعرض مؤسسوها الذين تقدموا بطلبات إلى مكتب محافظ أنقرة للموافقة على إصدارها لتهديدات خطيرة وإهانة من الشرطة، لكنهم تحدوا القمع وأصدروها، وأغلقت بعد عامين بسبب الحكم المستبد.
طوال تاريخ الجمهورية قيدت اللغة الكردية بأغلال عدة، وكان الإجراء الأول لكل انقلاب عسكري منعها، ما تجلى مع الجنرال كنعان ايفرين في 12 سبتمبر 1980، فلم يتأخر إصدار قرار حظر استخدام أية لغة أخرى غير التركية.
 
رفع الحظر
رواحت القضية الكردية مكانها منذ ثلاثينيات القرن العشرين، بين انتفاضة شعبية وقمع رسمي، لكن العام 1991 شهد حلحلة الأزمة بعد قرار الرئيس الثامن لتركيا تورجوت أوزال، رفع الحظر الكلي عن استعمال اللغة الكردية واستبدله بآخر جزئي، في إطار الحل المرحلي بعد خطوة عام 1989 بالإفراج عن عشرات الآلاف من السجناء السياسيين ضمنهم قيادات بارزة في حزب العمال الكردستاني.
"أوزال" أول من عمل على حل مشكلة الأكراد واعترف أن والدته من نفس العرقية، لذا سعى لإفساح المجال لنشاط حركة الطباعة والنشر بالكردية، فخرجت صحيفتا ولات وأوزغر كوندام، فيما تأسس المعهد الكردي في إسطنبول، ونجح عدد من الأكراد في دخول البرلمان كمستقلين عام 1991، وبدأت مباحثات غير رسمية مع القادة الأكراد في شمال العراق، لكن وفاة أوزال عام 1993 أجهضت طموحه في رفع الظلم.
 
أغلق القبر على جثمان أوزال ومعه حلم العيش المشترك بين الأتراك والأكراد، وعانى الشعب المنسي سنوات من القمع في الأعوام المتبقية على نهاية الألفية الثانية، وتواصلت الضغوط لإجباره على ترك لغته وبلغت مستويات لا تصدق، فتم منع نشر أو بث أي محتوى باللغة الكردية، أغلقت الصحف وتوقفت الإذاعات المحلية، تحولت الكتابات بها إلى منشورات سرية، كما فرضت ضغوط كبيرة على الفنانين الأكراد لكي يتحدثوا التركية في أعمالهم حصرا.
وصل القمع إلى ذروته عندما أعلن الفنان الكردي أحمد كايا، رغبته في إصدار ألبوم بلغته الأم، في مهرجان فني عام 1999، شنت حملة كبيرة ضده بدعوى أنه لا يمكن لأي شخص يعيش تحت لواء الدولة التصريح بأنه ليس تركيًا، ألقت الشرطة القبض عليه ليسجن 6 أشهر، ليقضي آخر أعوام حياته في المنفى بفرنسا يراوده حلم العودة إلى كردستان.
إحدى وسائل الأكراد لحفظ هويتهم تمسكهم عند إلقاء القبض عليهم بتقديم دفاعهم القانوني باللغة الأم وليس التركية، ما حدث في تحقيقات سلطات أنقرة مع المتهمين بالمشاركة في تنظيم المجتمعات الكردستانية المسلح، فتملص القضاة من الموقف المحرج بتسجيل عبارة "تحدث المتهم بلغة غير مفهومة" في محاضر الجلسات، فيما استخدمت دوائر قضائية أخرى مترجمين حتى لا تسجل الكردية في سجلات رسمية. 
 
صعود إردوغان
إصرار الأكراد على التحدث بلغتهم الأم فرض على حكومات أنقرة السماح باستخدامها في أقاليم الأغلبية الكردية، ما حافظ عليه رجب إردوغان في رحلة صعوده السياسي، إذ رغب في التقرب منهم لدعم حظوظه في الهيمنة السياسية، لكن وما إن وصل إلى مرحلة التمكين وألقى معارضيه في سجون لا تعرف الامتلاء، بدأ في الكشف عن أنيابه ضد الأكراد لغة وشعبا.
استغل إردوغان مسرحية الانقلاب العام 2016، لشن حرب على اللغة الكردية، إذ أغلق العديد من مؤسسات تعليمها في إطار حالة الطوارئ التي أعلنتها الحكومة، فتم إغلاق مدرسة فرزاد كمانكر التي تدرس باللغة الكردية في منطقة باغلار بمحافظة ديار بكر في 9 أكتوبر 2016، وكانت تضم 50 طالبا في الصف الثاني، و60 في الأول، و63 في الثالث، إلى جانب 18 معلما، وتم إغلاق مدرسة علي حريري الابتدائية.
داهمت الشرطة في 20 أغسطس 2016 صحيفة آزاديا ولات اليومية -الوحيدة الناطقة بالكردية في تركيا- في منطقة باغلار، وفتشت المبنى الرئيس واعتقلت 27 صحافيا، وصادرت هواتفهم الشخصية وهوياتهم، وتوقفت الصحيفة عن الصدور مارس 2018، بسبب رفض أصحاب المطابع ودور النشر طباعتها لتعرضهم لضغوط من قبل الحكومة التي رفعت دعوى قضائية ضد رئيس تحريرها السابق إسماعيل تشوبان، تطالب بحبسه بتهمة الدعاية والترويج لمنظمة إرهابية في عدد الـ 15 المنشور عام 2013، والذي ورد فيه أن المشكلة الكردية من الممكن أن تحل بمساعي عبد الله أوغلان، مؤسس حزب العمال الكردستاني القابع في السجون منذ عام 1999، وفي 21 نوفمبر 2018 حكم على "تشوبان" بالسجن خمس سنوات.
 
في نهاية مارس من العام الجاري، حظرت شركة "يابي يابي" للبناء والمقاولات على عمال أكراد في منطقة باشاك شهير التحدث بلغتهم فيما بينهم، فيما قدم نائب حزب الشعوب الديموقراطي عن ولاية هكاري نهاد أكدوغان طلب استجواب إلى وزير الداخلية سليمان صويلو، وقال إن الخوف من اللغة وإنكارها يزداد يوما بعد يوم. 
في إشارة إلى مدى ما وصلت إليه أجواء قمع الأكراد، عملت السلطات على تغيير أسماء القرى والأحياء لطمس أية معالم كردية في الجنوب الشرقي، وفي شهر سبتمبر الماضي غيرت بلدية كيزيل تابه، والمعين عليها لجنة وصاية من الحكومة التركية، أسماء ثلاثة أحياء كردية.
 
حملة كردية
في 29 أكتوبر 2018، أطلقت تسعة أحزاب كردية في ديار بكر حملة للتحدث باللغة الأم، أسست منتدى مشتركا بهدف تطويرها وجعلها لغة رسمية في المدارس، خاصة أن تصريح إردوغان الشهير في عام 2012، بإدراجها في المناهج الدراسية لم يكن أكثر من استعراض إعلامي لم يعرف طريقه للتنفيذ.
شارك في الاجتماع ممثلون عن أحزاب الشعوب الديموقراطي، والمناطق الديموقراطية، والحرية والاشتراكية، وكردستان الحر، والإنسان والحرية، وحركة أزادي، وأكد المشاركون أن من حقهم استعمال لغتهم، وأنهم اجتمعوا لإدانة التشهير بالسياسة العرقية التي يمارسها النظام التركي على مدار مئة عام لطمس هويتهم العرقية.
وأعربوا عن قلقهم قائلين: "لا يوجد لنا لغة اليوم، وغدا لن يبقى لنا أمة". وطالبوا الرأي العام وأصحاب الضمير بالتحرك ونقل قضية الانصهار الثقافي التي يعاني منها الأكراد إلى الرأي العام العالمي والأمم المتحدة، وحذروا من سياسة إردوغان الرامية لإضعاف الهوية الثقافية للأكراد.
يتبع إردوغان منذ أعوام سياسة متضاربة مع لغة الأكراد، تتميز بالانتهازية فعندما رغب في تحسين ملف بلاده الحقوقي على أمل نيل عضوية الاتحاد الأوروبي، خفف من قبضة أنقرة فتم السماح بإذاعة الأغاني الكردية في منطقة ديار بكر، ما كان مستحيلا في الماضي، كما لم يعد التحدث بها جريمة.

 
على الجانب الآخر لم تتوقف ألاعيبه فهو مصر على إلقاء خطب المساجد في المناطق الكردية بالتركية، وعادة ما تكون الخطبة التي يلقيها أئمة يخضعون للحكومة المركزية ذات أبعاد سياسية تقدس نظام إردوغان، بينما شدد الأخير من قبضته بعدما حقق حزب الشعوب الديموقراطي نجاحا كبيرا في انتخابات يونيو 2015، ما تبعه موجة جديدة من القمع سياسيا وثقافيا، فمطالب الأكراد -الذين يشعرون بالاغتراب في بلادهم- بأن يتحدثوا بلغة أجدادهم بحرية دون خوف من ملاحقة يبدو أنها ستظل مؤجلة طالما إردوغان في السلطة.

Qatalah