يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


15 أكتوبر 2018 القضاء التركي يفقد مصداقيته على المستوى الدولي أيضا

إذا ضَعُفَت ثقة المواطن في قضاء بلده، ولم يعد يلمس له وجوداً حقيقياً بدرجة ما، ازدادت الضغوط عليه، وشعر بالقهر بنفس الدرجة. أما إذا فقدت آليات العدالة في دولة ما مصداقيتها على المستوى العالمي، فهذا نذير باندلاع العديد من الأزمات التي ستقف حجر عثرة في طريق هذه الدولة.

يبدو أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد غابت عنه هذه الحقيقة، وهو يتحدث خلال زيارته الأخيرة إلى ألمانيا قائلاً:

"نُقدم هذه القوائم إلى ألمانيا والولايات المتحدة بين الحين والآخر. يوجد في ألمانيا قائمة تضم 136 اسماً. قدَّمنا إلى ألمانيا أيضًا ملفات تخص ما يزيد عن أربعة آلاف اسم لهم علاقة بحزب العمال الكردستاني. تعلمون أيضاً أننا بعثنا إلى الولايات المتحدة كذلك  85 طرداً يحتوي على وثائق، وأن السيد ترامب طلب منا بعد ذلك أن نرسل الأسماء بدلاً من الملفات. وقد استجبنا لطلبه، وأرسلنا الأسماء إلى مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون مع مساعد الأمين العام لرئاسة الجمهورية إبراهيم قالين. تحدثنا معهم بشأن ما يزيد عن عشرين شخصاً".

"وفيما يخص علاقتنا بألمانيا، نعتقد أن الحكومة الألمانية لم تتفاعل بالشكل الكافي بخصوص أنشطة المنظمات المحظورة في تركيا مثل حزب العمال الكردستاني، ومنظمة فتح الله غولن، وجبهة حزب تحرير الشعب الثوري. ننتظر من المسؤولين الألمان أن يتصدوا بفاعلية أكبر لهذه الجماعات المحظورة... يقولون إنه لا توجد أدلة كافية على قيام هذه المنظمات بأي أنشطة محظورة. والحقيقة أنه على الرغم من تقديم كافة الأدلة، وعلى الرغم من إخطار المسؤولين الألمان بالأحكام القضائية الصادرة ضد هؤلاء، إلا أنهم قد اعتبروا أن كل هذه الأدلة هي والعدم سواء".

في الحقيقة، قالت السيدة أنغيلا ميركل بشأن وضع بعض المنظمات على قائمة الإرهاب "لا بد من وجود أدلة كافية". وهذا يعني أنها أرادت أن تبعث برسالة إلى أردوغان بلغة مهذبة مفادها "لا يمكننا أن نثق في اتهامكم لهذه الجماعات، ونعتبرها دليلاً دامغاً على إدانتها". والحقيقة أن المسألة لا تقتصر على مجرد اعتبار بعض الأفراد مذنبين أم لا، بل لا بد من توافر شروط أخرى كي توافق دولة مثل ألمانيا على تسليم الأشخاص الصادر بحقهم أحكام من قبل المحاكم التركية، أو المُشتبه فيهم إلى تركيا مرة أخرى.

والمؤكد أن ألمانيا لا ترى تأكيدات أردوغان المتكررة، بأن هؤلاء الأشخاص مذنبون، كافية لتسليمهم لتركيا. بل ينبغي أن يكون حكم الإدانة صادراً عن محكمة (محايدة تتمتع بالاستقلالية) تثق بها، وهذا هو أساس المشكلة.

من ناحية أخرى، لا بد أن يستند قرار تسليم أي من هؤلاء أو إعادته إلى تركيا إلى قرار من إحدى محاكم الدولة التي ستعيد هؤلاء الأشخاص، وليس من قبل المحاكم التركية. وتتوثق هذه المحاكم في قرارها من كون المحاكم التركية موثوقاً بها (أي محايدة وتتمتع بالاستقلالية) من عدمه، وإلا فإنها لن تقضي بتسليم هؤلاء الأفراد. وهذا شرط معمول به في كل الدول الديمقراطية حول العالم. (وفق المادة 14 من الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية للمواطنين)، وتتحدث اتفاقية حقوق الإنسان الأوروبية في مادتها السادسة عن هذا الشرط كذلك.

لهذا السبب، اعتبرت ألمانيا أن حديث أردوغان "أرسلنا الملفات وبعثنا الأدلة" لا يعدو كونه لغو حديث لا علاقة له بالموضوع الأساسي، كما أن القضاة في الدول الديمقراطية لا يهتمون كثيرًا بمثل هذه المزاعم أيضًا؛ لأنهم لا ينظرون إلى المُشتبه به أو المتهم بمعزل عن ملابسات القضية، والطرف المدعي؛ فإذا ثبت يقيناً لديهم أن الحكم الصادر عن المحاكم التركية لا يتصف بالحيادية، أو أنه صدر استناداً إلى هوى لدى القاضي، فإنهم لن يقضوا بتسليم هؤلاء الأشخاص بأي حالٍ من الأحوال. وهذا يعني أنهم لا يأخذون الأحكام الصادرة عن المحاكم التركية على محمل الجد، وقد لا تطلب النظر إلى القرائن والأدلة، التي استندت إليها هذه المحاكم، من الأساس.

وما دام هذا الأمر معروفاً للجميع، فلماذا إذن يتعمد أردوغان الخوض في الحديث عن "الأدلة"، و"قرارات الإدانة"؟، لماذا يتعمد الحديث في موضوعٍ؛ من المستحيل أن يصل إلى طائل من ورائه؟ لماذا يكِّلف نفسه عناء الحديث في هُراءات لا تمت للموضوع بصلة مثل "إذا كان لديكم قضاء مستقل، فلدينا نحن أيضاً قضاء مستقل، وعليكم أن تحترموا أحكامه!" أعتقد أن حديث أردوغان هذا إنما يدل على بلوغ الكلام مُنتهاه في هذا الموضوع؛ فكانت النتيجة أنه يهذي بما لا يفيد.

أعتقد أن أول ما ينبغي على تركيا فعله حيال ذلك أن تُظهر للعالم أجمع أن النظام القضائي عندها لا يزال فاعلاً، وأنه يتمتع بالاستقلالية، وإلا فكيف يمكنها أن تجعل قضاة الدول الأجنبية يثقون في القضاء التركي، في الوقت الذي تعجز فيه الدولة عن إقناع المواطنين الأتراك في الداخل بنزاهة هذا القضاء واستقلاليته؟

يوجد في تركيا وجهتا نظر أو ثلاثة آراء متباينة حيال هذا الموضوع. وهذا أمر يصعب أن تصادفه في أية دولة من الدول الديمقراطية؛ إذ يرى المؤيدون لحزب العدالة التنمية الحاكم أن مسيرة "العدالة" في تركيا لا تعاني من أية مشكلات،  وأن كل شيء يسير على ما يرام، وفق ضوابط القانون وأحكامه. ويرى الفريق الثاني، الذي يمثل المعارضة، مدعوماً بآراء أعداد غفيرة من الباحثين في كثير من دول العالم، أن وضع العدالة في تركيا على النقيض من ذلك تماماً؛ فلا هو محايد، ولا يتمتع بالاستقلالية.

وتكمن المشكلة هنا في أن توافق المعارضة في تركيا مع الأجانب حول رأي واحد بشأن وضع القضاء في تركيا، أعطى الفرصة لظهور خطب وأحاديث تتحدث عن "الخائنين المتواطئين مع الأجانب ضد الوطن". 

الطبيعي أن يتوارى المتورطون في "الخيانة" عن الأنظار، وألا يرفعوا أصواتهم، وأن يكون الخوف هو المسيطر على حياتهم. ولكن ما يحدث هو أن ثقة الأجانب قد تلاشت تماماً في القضاء التركي، وهم يسمعون الحكومة، وهي تكيل الاتهامات بالخيانة والإرهاب إلى المعارضة بشكل يومي.

ومن ناحية أخرى، أدى وجود فريق ثالث لا ينتمي لأي من الفريقين السابقين (حزب العدالة والتنمية  والمعارضة) إلى ترسيخ نظرة الغرب إلى تركيا، بوصفها دولة ليست جديرة بالثقة، ولا تحترم عهوداً أو مواثيق فيما يخص القضاء التركي. يرى الفريق الثالث أن النظام القضائي في تركيا جائر، ويفتقد إلى المصداقية، بيد أنه يرى، في الوقت نفسه، أن بعضاً من الأحكام المتعلقة بالسياسة بشكل مباشر تتفق وأحكام القانون السليمة.

أعتقد أن رأياً كهذا يعكس مدى الازدواجية في المعايير لدى هذه الفرقة من المعارضة في الحكم على النظام القضائي في تركيا؛ فهم يتبعون مبدأ "ما دام الضرر لن يصيبنا، فلا علاقة لنا بالآخرين". أعتقد أن هذا الفهم وهذا التناقض الغريب سيخلف نتائج سلبية. 

أعتقد أن إعادة محاكمة الجنود المتورطين في محاولة الانقلاب، وتبرئة البعض منهم، واعتبار البعض الآخر "إرهابيين" هو نوع آخر من هذه الازدواجية في القضاء. 

عندما ننطق بكلمة "إرهابي" الآن يتبادر إلى الذهن أشخاص بعينهم مثل نازلي إليجاك، وعثمان كافالا، وأحمد ألتان. أما الدول الأجنبية فتنظر إلى الموضوع من زاوية مختلفة؛ حيث تنظر إلى هذه المحاكمات باعتبارها نوعاً من المساومة السياسية؛ تورط فيها القضاء، تماماً مثل قضية القس برانسون الذي تساوم تركيا به تحت اسم القضاء.

ولا يَعتبر هذا الفريق نفسه من الموالين للحكومة، أي أنه يرى نفسه بين صفوف "المعارضة". ولكن الدول الأجنبية تنظر إلى هذا الأمر بشكل مختلف؛ لدرجة أنها ترى أن الذين يطلقون على أنفسهم اسم "معارض" يساندون النظام القضائي الجائر في تركيا، ويعلنون عن موقفهم هذا تارة بشكل مباشر، وتارة أخرى بشكل غير مباشر. وترى الدول الأجنبية كذلك أن هذا الوضع لن يؤدي إلا لمزيد من انعدام الثقة واليأس أيضاً.

وبالطبع لن تثق الدول الأجنبية في مصداقية النظام القضائي في تركيا في ظل هذا الوضع المعقد. ولعل هذا ما جعل هذه الدول ترفض تسليم أي من هؤلاء الأشخاص، سواء أكانوا مذنبين أم أبرياء، إلى نظام قضائي فقد مصداقيته على هذا النحو.

وحتى إذا طالب السياسيون بإبداء بعض المرونة في هذا الموضوع، فستكون هناك ضغوط من جانب الرأي العام؛ حتى يتوخى السياسيون والقضاء في تلك الدول الحذر في تناول هذا الموضوع. 

وعلى الجانب الآخر، نجد أن هناك من يقول "لا نفهم الدول الأخرى في بعض الأحيان، ويعجزون عن فهمنا في أحيان أخرى". والواقع أن أنصار هذا الرأي قد جانبهم الصواب فيما ذهبوا إليه؛ لأن كلمة "لا نفهم" قد تكون صحيحة نسبياً، ولكن ما يدعو للأسف أن الدول الأخرى تدرك جيدًا ما يدور في داخل تركيا بشكل دقيق للغاية. 

Qatalah