يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تنازل سلاطين الدولة العثمانية عن الشروط التي يجب توافرها في القاضي، لم يعد المنصب الرفيع يتطلب أن يكون صاحبه عالما، فقيها، يتحلى بالأخلاق الحسنة والسمعة الطيبة، بات في متناول القادرين فقط، كل من يدفع رشوة كبيرة للسلطان يحصل عليه بسهولة، فأقبل عليه التجار واللصوص ليستثمروه في تحقيق المكاسب بإصدار أحكام تمكنهم من نهب أموال الناس، فساد الظلم عن طريق فرض الرسوم الباهظة التي أثقلت كاهل الرعية وضرب الفساد المنصب الذي توارثه أئمة المسلمين في مختلف العصور.
بهدف تحقيق أرباح طائلة حدد العثمانيون ولاية القاضي بعام واحد، ، بينما أصبح قاضي العسكر في كل قطر مسؤولا عن عمليات البيع، ليعقد المزاد على المنصب كل سنة، الأمر الذي جعل القاضي يستغل وظيفته قبل عزله ليسترد الأموال التي دفعها مع زيادة تمكنه من الاستمرار على مقعده وفق ما ذكر محمد الربابعة في دراسته بعنوان "تاريخ القضاء الشرعي"، خاصة أن وظيفة قاضي العسكر ظلت حكرا على القضاة الأتراك، إذ كان يتم تعيين صاحبها من قبل إسطنبول مباشرة، وكانت مهامه في البداية تقتصر على الحكم بين أفراد الفرق العثمانية العسكرية في الأقاليم المحتلة، ثم توسعت صلاحياته لتشمل الحكم بين الرعية المدنيين.

لم يقتصر البيع على منصب القاضي، شمل أيضا منصب "نائب القاضي" ما تسبب في فساد العدالة بعد أن أصبح النائب مهموما بجمع أكبر قدر من الأموال كما يذكر الباحث سامي الصياد في دراسة بعنوان "المؤسسة القضائية العثمانية".
في كتابه "الريف المصري في القرن الثامن عشر" يتطرق الباحث عبد الرحيم عبد الرحمن إلى استشراء الفساد في القضاء العثماني قائلا: إن خراب ذمم القضاة يعود إلى أنهم أصبحوا يشترون مناصبهم من السلطة العثمانية، ومن هنا عملوا على استغلالها في جمع الأموال لتعويض ما دفعوه ثمناً لها، وتحقيق فائض يوفر الثراء لهم.

مترجمون للقضاة
تبنت سياسة العثمانيين التعصب للعرق التركي، احتكروا المناصب في الدولة ولم يسمحوا لغيرهم بالوصول إليها، ورغم أن منصب القاضي يتطلب الإلمام باللغة العربية لمعرفة الأحكام الفقهية من الكتاب والسنة، إلا أن احتقارهم للشعوب التي يسيطرون عليها جعلهم يحرمون أهلها  منه ليقتصر على الأتراك فقط.
استعان القضاة بالمترجمين، وصاروا أسرى لما يقوله المترجم الذي تلاعب بترافع المتقاضين لترجيح كفة أحدهما على الآخر، بينما لم يكن أغلبهم على علم بالشريعة وفق ما ذكره الجبرتي في كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار".

الرشاوى بدل الرواتب
لم تدفع الدولة العثمانية رواتب ثابتة للقضاة ونوابهم، ولكن حددت لهم رسوما على المعاملات القضائية والعقود والتركات، مثل: رسم تقسيم تركة المتوفى والذي قدره القانون بـ 2% من مجمل التركة، إلا أن القضاة لم يلتزموا بالنسبة المقررة لهم، تحايلوا على الناس بمضاعفة قيمة تركة المتوفى من أجل زيادة النسبة المخصصة.
أما رسوم عقود الزواج فأجبرت أصحابها على دفع مبالغ للقاضي ونائبه وللجند الأتراك المقيمين في الريف "السباهي"، فشكلت القوانين عائقا كبيرا أمام الزواج الشرعي، إضافة إلى رسوم تسجيل الدعاوى القضائية، والالتزام، وتوقيع دفاتر الضرائب التي حولت حياتهم إلى جحيم.
تسببت الرسوم في فساد الهيكل القضائي كما أوضح صاحب كتاب "الريف المصري" بقوله: إن مهمة إيكال جمع الرسوم إلى القضاة أنفسهم، وأخذ أجرهم من المتقاضين، أدت إلى خراب ذممهم، وبالتالي أدت إلى تدهور القضاء في ذلك العصر بصورة مشينة، ولم يسلم قاضي العسكر نفسه من هذا الفساد".

نهب أموال الأوقاف
أطلق السلاطين يد القضاة في إصدار الأحكام، فلم يعد أحد يأمن على ماله، وممتلكاته الشخصية، تحول القاضي إلى لص بحصانة يسرق أموال الرعية في وضح النهار دون أن يحاسبه أحد، وينهب أراضي الأوقاف دون أن يسمع من يقول له: ماذا تفعل؟..وذكر الجبرتي أن أحد القضاة يدعى نجم الدين التمرتاشي سافر إلى إسطنبول، وتداخل في سلك القضاء وعاد إلى مصر ليتولى محكمة المنوفية، وإدارة نظارات أوقافها، فأقام بها قاضياً لأكثر من 20 عاما عن طريق شراء المنصب كل سنة، ومن أجل تعويض ما ينفقه، بدأ في نهب الأوقاف والسطو على أراضي المساجد المهدمة، وجمع مالاً عظيماً، فعاد إلى القاهرة، واشترى دارا كبيرة بدرب قرمز بين القصرين، ومماليك، وجواري، وتولى قضاء كامل مصر بعد ذلك، واشتهر صيته، حتى أنه ولى مملوكه علي أفندي النيابات في المحلة وموف وغيرها.

القوانين تخالف الشريعة
خالفت القوانين العثمانية الشريعة الإسلامية في عدد من الوجوه، منها فرض الرسوم على الزواج، والفائدة - الربا - على الديون، ما دفع علماء الأزهر إلى الكتابة للمسؤولين العثمانيين يخبرونهم بما يقوم به القضاة من مخالفة للسنة النبوية الشريفة الداعية إلى تيسير الزواج لا تعسيره، وشجب علماء دمشق فرض الفائدة في قضايا الديون ، بما يتعارض مع الشريعة التي أقرت القرض الحسن فقط، وهو ما أشارت إليه دراسة بعنوان "الحياة الثقافية في دمشق في العصر العثماني".

سب القضاة بالقصائد
عم الخراب المدن والقرى، وانتشر الفقر، وضاعت الحقوق، فاتجه الناس في دمشق خلال القرن الثامن عشر نحو المحكمة يشكون حالهم، وما أصابهم من جوع بسبب قلة الخبز وارتفاع الأسعار، فأمر نائب القاضي بضربهم بالعصي، وطردهم إلى الشارع، الأمر الذي جعل العامة يهاجمون المحكمة ويحرقونها، فهرب القاضي فوق الأسطح هو وجماعته كما يقول خالد زيادة في مؤلفه "سجلات المحكمة الشرعية - الحقبة العثمانية".
وفي مصر راج نظم الزجل والأشعار الشعبية التي تذم القضاة، وتفضح فسادهم، وفي كتاب "مصر في القرن الثامن عشر" لمحمود الشرقاوي يذكر أن أحد الشعراء عبر عن خراب ذمة قاضي عسكر مصر التركي بقوله: في مصر من القضاة قاض وله.. في أكل مواريث اليتامى وله/ إن رمـت عدالة فقل مجتهدا.. من عدَ له درهماً عدله.
وسجل الأدب الشعبي أمثلة عديدة عن الفساد الذي حل بالنظام القضائي، منها: "يفتي على الإبرة ويبلع المدرة"، و "الرشوة حلت عمامة القاضي" و "والقاضي إن مد يده كثرت شهود الزور" و "حبيت حاجتك تنقضي وتكرم ابعت لها راجل يقولوا له سي درهم".

Qatalah