يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بالسخرية تعامل المصريون مع القضاة العثمانيين، الذين أرسلهم السلطان من إسطنبول لإدارة المحاكم في البلاد، والقبض -تحت شعار الشريعة- على رقاب الشعب وأمواله وتحويلها إلى قصور السلطنة الغارقة في النعيم.
أضاع سليم الأول هيبة القاضي الذي أصبح منصبا يباع ويشترى في مزاد علني، وباتت الرشوة تتحكم في الأحكام الصادرة، فمن يدفع تكون له الغلبة في ساحات المحاكم، ومن لا يملك الدراهم يتعرض للظلم، خاصة اليتامى الذين كان القضاة لا يتورعون عن نهب أموالهم، بينما دفعت الرسوم الباهظة على الدعاوى الناس لتدير ظهورها للمحاكم وتدخل في صراعات لا تنتهي.
وضع سليم عام 1517 خطة محكمة لـ "عثمنة" القضاء المصري، وفرض المذهب الحنفي بالقوة على الشعب المصري بتعيين قاضٍ تركي (حنفي) أطلق عليه قاضي العرب، تسبب في غلق المحاكم وعزل قضاة المذاهب الفقهية الثلاثة الأخرى بعد أن وصفهم بـ "المناجيس"، وأصدر مرسوم "اليسق العثماني" الذي قضى على حرية ونزاهة المحاكم المصرية.
في كتابه "تاريخ مصر الاقتصادي والاجتماعي في العصر العثماني" ذكر المؤرخ عبدالرحيم عبدالرحمن أن السلطان سليم الأول استدعى محب الدين بن فرفور قاضي القضاة الشافعي، وبعد التهديد والوعيد أجبره على أن يقضي بالمذهب الحنفي، وإمعانا في إذلال القضاة  عين عليهم رقيبا يسمى المحضر تسانده قوة عسكرية من جنود الإنكشارية، فرض على القضاة عدم البت في أية قضية قبل عرضها عليه، وكان يقف بين يديه المدعي والمدعى عليه ليسمع منهما بواسطة مترجم، في مقابل  6 دراهم يحصل عليها من المدعي والمدعى عليه عن كل قضية يحضرها، الأمر الذي أدى إلى تناقص عدد القضايا المعروضة على المحاكم بسبب سوء حالة المصريين الاقتصادية وعدم قدرتهم على دفع الضريبة.

آخر جولة في عثمنة القضاء المصري كانت في مايو 1522 حين انتزع السلطان سليمان القانوني السلطة القضائية من أيدي علماء الأزهر وسلمها إلى سيدي جلبي الملقب بـ قاضي عسكر أفندي، والذي جاء إلى مصر يحمل فرمانا بمنع قضاة المذاهب الأربعة من ممارسة عملهم. اجتمع بوالي مصر خاير بك وقضاة المذاهب الأربعة في القلعة، ليقرأ عليهم الفرمان الذي ينص على أن يتولى أمور القضاء بمصر، وعلق ابن إياس على ماحدث نتيجة لذلك قائلا: "اضطربت أحوال القضاء، وضاق الأمر على الناس أجمعين".
اصطحب سيدي جلبي معه قاضيا تركيا آخر أطلق عليه "قسام التركات"، أصبح مسؤولا عن جميع التركات بمصر، ومنحه سلطة مطلقة لا تسمح لأحد بمعارضته، وكان عليه تحصيل ضريبة الخمس (20 %) لصالح خزانة الدولة، ورصد ابن إياس ذلك بقوله: فرضوا على كل تركة الخمس لبيت المال مع وجود الورثة من الأولاد الذكور والإناث، ما تسبب في ضرر شامل.
إضافة إلى قاضي التركات كان هناك شاويش مهمته جمع البقشيش من كل شخص يدخل مجلس القاضي والذي قال عنه ابن إياس: عينوا شاويشا من العثمانية، يضبط في كل يوم أجرة من أشغال الناس، فيقسم للقاضي من ذلك المتحصل شيئا وله شيء، ثم يأخذ الباقي ويضعه في صندوق باسم السلطان يودع في بيت المال.
باستنكار شديد قوبلت الرسوم القضائية العثمانية من طوائف الشعب المصري، ما سجله ابن إياس في كتابه "بدائع الزهور في وقائع الدهور" بقوله: خرج المصريون إلى الشوارع يقولون: 
يارب زاد الظلم واستحوذوا * والفعل منهم ليس يخفى عليك
وما لنا إلاك فانظر لنا * ونجنا منهم وخذهم إليك

عمامة القاضي للبيع
 لمن يدفع أكثر، عرض العثمانيون مناصب القضاء، حيث يذكر محمد نور فرحات في كتابه "القضاء الشرعي في مصر في العصر العثماني" أن العثمانيين دشنوا بورصة لبيع وتداول المنصب قائلا: كان القضاة يشترون حق تثبيتهم في وظائفهم من كل قاضي عسكر جديد، وشمل البيع كل القضاة ونوابهم في المحاكم داخل القاهرة والأقاليم، فعملوا على استغلال مناصبهم في جمع الأموال لتعويض ما دفعوه وتحقيق فائض يوفر لهم ثراء في حالة مغادرتهم لمناصبهم.
تقلد مناصب القضاء مجموعة من المرتشين والفاسدين لم يكن لهم هم سوى جمع الأموال وقد سجل الشيخ بدر الدين بن الزيتوني الواقعة بقوله:
منعا الحكم والإشهاد أيضا * فياسنة الكرى عيني فزوري
منعنا كلنا من غير ذنب * كأنا قد أتيناهم بزور
وعبر يوسف الشربيني في كتابه "هز القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف" عن فساد المنظومة القضائية العثمانية وجهل من يقومون عليها قائلا:
"يقول هذا قد لزمه الحد * حيث سرق ومنه تقطع اليد
أن عقد النكاح ليس يدري * منه سوى زوجت بنت عمرو
وليس يدري شاهدا ولا ولي * ولا يعرف صحة من علل".
تميزت تصرفات القضاة بالشدة والقسوة والمغالاة في فرض الرسوم، خاصة فيما يتعلق بإجراءات التقاضي ويصف ابن إياس ذلك بقوله: وقد حصل لأهل مصر من قاضي العسكر غاية الضرر للرجال والنساء، ووقع منه أمور شنيعة، ما كانت تقع من الجهال ولا من المجانين، فتزايد حكمه بالجور بين الناس، وقد ضيق عليهم غاية الضيق.
وذكر عبدالرازق إبراهيم عيسى في كتابه "تاريخ القضاء في مصر العثمانية" أن القضاة الأتراك لجأوا إلى طرق غير مشروعة للحصول على الأموال من بينها جمع الرسوم والبقشيش من المتقاضين الذي كان له أكبر الأثر في تخريب الذمم وضياع حقوق الضعفاء والفقراء، لأن القادر من أصبح يشتري الحكم لصالحه من القاضي، ما أدى إلى تدهور القضاء وزعزعة أركان العدالة وكثرة الشكوى من الناس.
وسجل الفلكلور الشعبي التدهور الذي حل بالقضاء على يد العثمانيين عن طريق أمثلة تداولتها الألسنة منها: "يفتي على الإبرة ويبلع المدرة"، "الرشوة حلت عمامة القاضي"، "القاضي إن مد ايده كثرت شهود الزور"، "إن حبيت حاجتك تنقضي وتكرم ابعت لها راجل يقول له سي درهم".

ضياع حق اليتيم 
يذكر محمود الشرقاوي في كتابه "مصر في القرن الثامن عشر" الكثير من النماذج التي تبرهن عن طمع القضاة العثمانيين في ثروات الأيتام فيقول: "أصبح هم القضاة في المقام الأول فرض الضرائب على الخصومات والتركات، حتى كان بعض اليتامى من الورثة لا يبقى لهم من مال مورثهم شيء، لأن القاضي يستوفي ضرائبه الفادحة أولا، ويقدرها كما يشاء حتى وصلت في بعض الأحيان إلى نصف التركة".
 وتداول الشعب المصري أبيات شعر في ذم قاضي عسكر أفندي تقول:
"في مصر من القضاة قاض وله * في أكل موارث اليتامى وله
إن رمت عدالة فقل مجتهدا * من عد له درهما عدله"
ووفق ما ذكره الدميري في كتابه "قضاة مصر" كان القادرون على دفع الرشاوى ينالون ما يريدون من أحكام، ما ترتب عليه قيام كثير من المنازعات خاصة في الريف، الأمر الذي أثر سلبا على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في مصر، وذكر الجبرتي في كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" مثالا من القرن الـ18 يوضح مدى الفساد الذي حل بالمنظومة القضائية في ظل الاحتلال العثماني قائلا: "إن السيد نجم الدين بن صالح التمرتاشي الحنفي سافر إلى إسطنبول، وتداخل في سلك القضاء ورجع إلى مصر، ومعه نيابة أبيار بالمنوفية، ومرسومات بنظارات أوقاف، فأقام بأبيار قاضيا نيفا وعشرين سنة، وهو يشتري نيابتها كل دور، وابتدع فيها الكشف على الأوقاف والمساجد وأطيانها حتى جمع من ذلك أموالا ثم رجع إلى مصر، واشترى دارا عظيمة ومماليك وجواري وترونق حاله وركب الخيول المسومة وصار في عداد الوجهاء، ثم تولى نيابة القضاء بمصر سنة 1186 هجرية (1772) ووصل به الأمر إلى حد أنه جعل مملوكه علي أفندي يتولى نيابات القضاء في المحلة ومنوف وغيرها".

المصادر:
محمد بن إياس : بدائع الزهور في وقائع الدهور
عبدالرحمن الجبرتي : عجائب الآثار في التراجم والأخبار
يوسف الشربيني : هز القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف
الدميري : قضاة مصر في القرن العاشر الهجري
عبدالرحيم عبدالرحمن : تاريخ مصر الاقتصادي والاجتماعي في العصر العثماني
محمود الشرقاوي : مصر في القرن الثامن عشر
محمد نور فرحات : القضاء الشرعي في مصر في العصر العثماني
عبدالرازق إبراهيم عيسى : تاريخ القضاء في مصر العثمانية

Qatalah