يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


طوال عهد الاحتلال، حاول العثمانيون محو شخصية العرب، وقتل روحهم الحرة، ترجموا احتقارهم بلغتهم المقفرة، فأطلقوا على أهل مصر "كور فلاح" أي الفلاحين الأجلاف، وصارت كلمة "عربي" مرادفة للانحطاط.

السلطنة لم تعترف بأية حقوق للعرب، اعتبرت مزارعيهم أجراء وعبيدا، وأذاقت جنودهم في جيش السلطان صنوف الذل والهوان على يد الأقليات الأجنبية وعلى رأسها التركية، بينما تكفل الولاة بملاحقة أحرارهم ومثقفينهم لوأد حلم الاستقلال.

في النصف الثاني من القرن الـ 20، انتفضت الروح القومية بين العرب لتسقط هذا الركام من الظلمات التركية، ومن حلب دعا عبدالرحمن الكواكبي السلطنة إلى التخلي عن الاستبداد وإعمال الدستور، وحرض زعماء القبائل على التمرد على الأتراك.

دعوة الكواكبي سبقتها محاولات لاستنهاض الأمة العربية منتصف القرن الـ 19، بفضل النهضة التعليمية التي أحدثها الحاكم المصري إبراهيم باشا في حملة الشام عام 1838. 

قبل ذلك لم يذعن العرب للاحتلال بل قاوموه بمئات الانتفاضات، وبعد رحيل الحملة المصرية، أنشئت "جمعية بيروت الأدبية" في العام 1847 لإحياء التراث ونشر اللغة العربية والتعليم وطباعة الكتب وتنشيط الحياة الثقافية، وبعد 10 أعوام تأسست "الجمعية السورية العلمية" على يد مجموعة من المثقفين العرب.

حرصت الجمعيات على السرية في ظل القمع التركي لأي تحرك نحو الاستقلال، كما اعتنت باسترجاع كل أسلحة العروبة وفي مقدمتها الشعر، ونظم إبراهيم اليازجي قصيدة تغنت بأمجاد العرب، وحرضت على الكفاح ضد العثمانيين "تنبهوا واستفيقوا أيها العرب.. فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب".

من مدينة الرسول، انطلقت ثورة القاضي أحمد زين العابدين البرزنجي في نهاية القرن الـ 19، مطالبا بالتمرد على الاحتلال الغاشم وصاح :"أيها العرب اتحدوا على قهر ابن عثمان، ولا تصدقوا عهود السلطان المحتال".

قابل الاحتلال المطالب العربية بغطرسته المعهودة، لم يستسلم الأحرار بل رفعوا سقف مطالبهم، ونادوا بالاستقلال التام عن إسطنبول، معلنين تشكيل حركة القوميين العرب في الشام، قبل نقلها إلى القاهرة، بعيدا عن بطش السفاح التركي جمال باشا مطلع القرن الـ 20.

بالنفي والسجن والشنق، واجه الأتراك أحرار العرب، وأعلنوا الحرب على حركتهم القومية، فأدرك الضباط أنه لا خلاص إلا بالرصاص، وبدأوا المقاومة من داخل الجيش التركي نفسه، لتأديب طغاة إسطنبول وعلى رأسهم السلطان عبدالحميد الثاني.

أطلق الضباط العرب بقيادة عزيز المصري شرارة العمل السري، وأسسوا جمعية العهد لتكون نواة الثورة داخل الجيش العثماني، وورثت الجمعية ذات الصبغة العسكرية نظيرتها القحطانية التي تأسست عام 1909.

واصل الأحرار نضالهم لنيل الاستقلال ونسف وهم التفوق التركي، وتشكلت جمعية العربية الفتاة عام 1911 على أيدي 7 شباب هم "عوني عبدالهادي ورفيق التميمي ومحمد عزة من فلسطين، ومحمد البعلبكي ومحمد رستم من لبنان، وجميل مردم من سورية، وتوفيق السويدي من العراق".

العثمانيون انتبهوا لصحوة العرب في سياق تنامي الحركات الانفصالية، فسعى عبدالحميد الثاني لفرض الهوية العثمانية من باب الجامعة الإسلامية، ودشن مدرسة العشائر في تسعينيات القرن الـ 19 لتنشئة جيل عربي جديد يقوم على السمع والطاعة.

تخرج أبناء القبائل العربية في حظيرة السلطان أشد ولاء لأرضهم وعروبتهم، فقادوا الثورة العربية الكبرى ضد السلطنة، التي عاصروا سنوات احتضارها، وأخذ فائز الغصين أحد أشهر طلابها يروج للعروبة، حتى تعرض للفصل من وظيفته.

تواصلت المقاومة واكتملت باندلاع الثورة العربية الكبرى في يونيو 1916، وجاء في بيانها :"اعلموا أيها العرب أنه تأسست جمعية فدائية تقتل كل من يقاتل العرب، ويقاوم الإصلاح العربي، وتتبنى مبدأ الاستقلال التام".

تبنى الشريف حسين الدعوة، فوحد القبائل على مطلب الاستقلال، ويقول مؤرخ القومية العربية جورج أنطونيوس: "مع شروق شمس اليوم الخامس من يونيو ركب الأميران فيصل وعلي وحشدا 1500 من الجنود، وأعلنا باسم الشريف حسين أمير مكة استقلال العرب عن الحكم التركي".

كبدت الثورة المحتل التركي خسائر باهظة، بلغت نحو 4 آلاف و800 قتيل و1600 جريح و800 أسير، وبحلول العام 1918 انتظم للأمير فيصل بن الحسين جيش قوامه 8 آلاف مقاتل نظامي من سورية وفلسطين والحجاز والعراق، فضلا عن قوة كبيرة من القبائل العربية.

حققت الثورة أهدافها بطرد العثمانيين، وتطلع العرب لإقامة أمة موحدة تضم الشام والجزيرة العربية والعراق وفلسطين، لكن مؤامرات القوى البديلة مع العثمانلية المهزومين حالت دون الحلم المنشود.

الشام تقهر المحتل التركي.. جمعيات العروبة السرية تنتقم من جرائم السلطنة العلنية
الجهل، والفتنة الطائفية، والاستبداد، ثلاثة أسلحة فتاكة استخدمها الأتراك لتقسيم الشام، على أمل أن يستقروا في حكمها، ويتفرغوا للسلب والنهب، إلا أن الشاميين لم يقفوا مكتوفي الأيدي، فأسسوا جمعيات سرية لإثارة الحماسة القومية، خاضوا من خلالها كفاحا طويلا ضد المحتل العثماني حتى حرروا بلادهم. 

استأثر الأتراك بالحكم والوظائف والتعليم، عملوا على تغريب العرب عن لغتهم، بفرض اللغة التركية، ونشروا الجهل بين الأهالي ليضعوا أقدامهم على رؤوسهم ولا تقوم للشعوب قائمة، ولعبوا على وتر العصبيات لإشعال نار الفتنة بين الأهالي. للمزيد

بالإعدام شنقا.. الاحتلال التركي يخنق حناجر القوميين العرب
ولدت حركة القوميين العرب من رحم المعاناة على يد الاحتلال التركي، وبفضل غبائه الذي ساهم في رفع سقف المطالب العربية من حكم ذاتي وتخفيف قبضة إسطنبول المركزية إلى نداء الاستقلال التام، بعد أن قوبلت بالقمع على يد السفاح جمال باشا والي دمشق.

انتقل مركز الحركة إلى القاهرة بعيدا عن بطش السفاح، الذي شكل ديوانا مخصوصا للحرب، لوأد أحرار العرب وخنق حناجرهم الثائرة بأحبال المشانق، فكثرت أحكام الإعدام حضوريا وغيابيا، واستقبل الأبطال العقوبة الظالمة بكلمات غذت مشاعر التحرر وألقت الرعب في قلوب المحتلين. للمزيد

"العربية الفتاة".. ثورة العظماء السبعة ضد "العثماني الأخير"
"تنبهوا واستفيقوا أيها العرب ، فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب".. تلقف نداء الشاعر إبراهيم اليازجي 7 شبان يؤمنون بأحلام الأمة العربية وحتمية استعادة مجدها الضائع وهزيمة وهم التفوق العرقي المزعوم للأتراك، أبناء الكبرياء العربي رفعوا راية العصيان وأنصف التاريخ طموحاتهم الكبيرة، وكانت الثورة التي ساهموا في إشعال شرارتها الأولى بمثابة رصاصة الرحمة على "العثماني الأخير".

عوني عبد الهادي ورفيق التميمي ومحمد عزة دروزة من فلسطين، ومحمد البعلبكي ومحمد رستم حيدر من لبنان، وجميل مردم بك من سورية، وتوفيق السويدي من العراق، 7 شباب شجعان يدرسون في العاصمة الفرنسية التقوا على هدف واحد: تخليص بلادهم من الاحتلال العثماني بتأسيس جمعية العربية الفتاة سنة 1911، ردا على الاتجاه القومي التركي عند حكومة الاتحاد والترقي منذ توليهم الحكم عام 1908. للمزيد

"عهد" العروبة.. شرارة العمل السري للخلاص من طغاة إسطنبول
بالسجن والنفي والشنق، واجه الأتراك مطالب العرب وأعلنوا الحرب على هويتهم القومية، حتى أدركوا أنه لا خلاص إلا بالرصاص، وبدأوا المقاومة السرية من داخل الجيش التركي نفسه، لتأديب طغاة إسطنبول.

الضباط العرب بقيادة عزيز المصري أطلقوا شرارة العمل السري، فأسسوا جمعية العهد لتكون نواة تنظيم ثوري داخل الجيش العثماني، بهدف طرد المحتل ونيل الاستقلال، وورثت الجمعية ذات الصبغة العسكرية نظيرتها القحطانية التي تأسست عام 1909. للمزيد

خيانة وعنصرية واضطهاد.. يوميات إذلال العرب في جيش آل عثمان
اجتاح وباء الترك العالم الإسلامي منذ أن حلت قبائلهم الهمجية في بلاد المسلمين، واستوطنت بغداد وحولتها إلى دار للفوضى، حتى ثار سكان دار السلام ضدهم، واضطر الخليفة إلى نقل الأتراك إلى مدينة سامراء ليقي السكان شرهم.

هكذا كانت بداية الوجود التركي في العالم العربي، حيث قدموا للخدمة العسكرية كمرتزقة، وكان هذا أحد أخطاء الخلافة العباسية القاتلة، إذ سرعان ما نشروا الفساد والفوضى وقتلوا الخلفاء وأهانوا المسلمين واستولوا على أموال الناس. للمزيد

"طبائع الاستبداد" التركي.. الكواكبي يصرع طغاة إسطنبول
"آن للعثمانيين أن يستيقظوا ويصبحوا من النادمين على ما فرطوا في القرون الخالية، فيتركون السلطة لأهلها، والدين لحماته، وبذلك يتقون الله في الإسلام والمسلمين"، هكذا كتب عبد الرحمن الكواكبي في كتابه "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" عن عبد الحميد الثاني وسلطنة آل عثمان، التي أضحت عاجزة في مطلع القرن الـ20 عن حماية الولايات المحتلة، التي أكلها الاحتلال الأوروبي واحدة بعد أخرى.

بقلم وبضع أوراق تصدى ابن حلب لفضح إرهاب العثمانيين في بلاد العرب، وكشف أوهام إسطنبول التي سكر سلطانها في مطلع القرن العشرين بخمر الاحتلال الطويل للأرض العربية، وظن أنه باق للأبد. للمزيد

قاضي المدينة المنورة ثائرا: لولا شهامة مصر لم يبق للعثمانيين شبر واحد
سلطنة فاسدة، إرادتها مرتهنة بالكامل للدول الأوروبية، يخضع حكامها لشهواتهم وملذاتهم، فيما الرعية ترزح في فقر وذل وهوان، لم يجد قاضي المدينة المنورة بدا من الخروج على دولة العثمانيين ثائرا، مطالبا العرب بالتمرد على الاحتلال التركي الغاشم نصرة للحق وللمسلمين.

"أيها العرب اتحدوا على قهر ابن عثمان، ولا تصدقوا عهود السلطان المحتال، إن حالة ضعف السلاطين من أكبر المنكرات التي يجب تغييرها ويفترض على كل ذي قلب سليم السعي في إزالتها"، هكذا دعا شهاب الدين البرزنجي قاضي مدينة الرسول أبناء الأمة العربية للثورة على إسطنبول. للمزيد

مدرسة العشائر.. عندما حاول عبد الحميد تجنيد أبناء العرب فثاروا عليه
أنشأها لاستقطاب أبناء زعماء القبائل، ظنا أن باستطاعته غسل أدمغة طلابها، بخمس سنوات يلقنهم فيها فروض الطاعة والولاء للسلطان، بمناهج تشوه تاريخ آبائهم العرب وتمجد أعداءهم العثمانلية، إلا أن الخريجين كانوا أشد ولاء لأرضهم وأهلهم وعروبتهم، فكبروا وتخرجوا من "مدرسة العشائر" التركية ليقودوا الثورة ضد عبد الحميد وجنوده.

اتسمت نظرة الأتراك للقبائل العربية بالريبة، فدرج موظفو الإدارة العثمانية على ذمهم والاستخفاف بهم، ووصفهم بالجهلة والهمج، ونظرت إليهم حكومة إسطنبول على أنهم عبء على اقتصادها بسبب العجز عن إجبارهم على دفع الضرائب أسوة بالشعوب المحتلة. للمزيد

انتفاضة النصر الأخيرة.. "الرغيف" رواية التجويع التركي للعرب
أبدع كتاب الرواية العربية في وصف جرائم الاحتلال العثماني لبلدانهم، وتعانق الخيال مع وقائع التاريخ في أعمال خالدة، جسدت خلال النصف الأول من القرن الماضي حوادث القتل والنهب بحق أبناء جلدتهم على يد المغتصبين الأتراك.

رواية "الرغيف" للكاتب اللبناني توفيق يوسف عواد الصادرة عام 1939 أحد أبرز الأعمال الأدبية التي رصدت أوضاع العرب خلال الحرب العالمية الأولى، بالاستناد إلى بعض الوثائق والشهادات التاريخية التي جمعها المؤلف من أبطال الثورة العربية. للمزيد

الثورة العربية الكبرى.. صرخة الأحرار في وجه المحتلين الأتراك
لا يكف أذناب العثمانيين عن تشويه الثورة العربية الكبرى عام 1916، التي محت الطغيان التركي في بلاد العرب، فتراهم يتباكون ليل نهار على سقوط دولتهم، ويخونون الثوار العرب الذين قدموا دماءهم فداء لأوطانهم لتخليصها من نير الأتراك. 

يأسف المتباكون على دولة الخلافة المزعومة لقيام الثورة العربية، وزوال حكم السفاح العثماني جمال باشا، في تنكر ظاهر لدماء الشهداء الذين سقطوا في ميادين بيروت ودمشق وحلب على يد العثمانيين، وتبقى الثورة العربية الكبرى شاهدة على معاناة الشعوب العربية على أيدي الأتراك المحتلين، وصوتا حرا لرفض الاحتلال التركي البغيض. للمزيد

Qatalah