يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


حافظ الإسلام على الأنساب ومنع اختلاطها وحرم الممارسات المنحرفة بكل صورها ومسمياتها، وهناك العديد من الآيات القرآنية التي تحرم البغاء، وجعل عقوبته الجلد 100 مرة، أما إذا كان فاعلها محصنا، أي متزوجا، فتصل العقوبة إلى القتل رميا بالحجارة.

رغم محاولات العثمانيين الترويج لأنفسهم باعتبارهم حماة الشريعة، نجدهم يضربون بحكم البغاء عرض الحائط، فبعد تحالفهم الشيطاني مع مؤسسة "شيخ الإسلام"، أصدر السلطان سليم الأول وولده سليمان فرمانات تبيح الدعارة، وتمنحها الرعاية السلطانية، فأصبحت مهنة رسمية مرخصة، في مقابل تحصيل رسوم حماية.

احتضن العثمانيون الطريقة البكتاشية، واعتمدوا عليها في كسب تأييد الشعوب غير الإسلامية المحتلة، حيث روجوا لفكرها الإباحي بهدف تفكيك المجتمعات المتماسكة، التي يستهدفون احتلالها والسيطرة عليها، فأباحوا الزنا والاختلاط وأطلقوا عليهما "مرتبة المصاحبة"، بمعنى التآخي بين الرجال والنساء، حتى يزيلوا عنها صفة الدعارة.

مدعو الخلافة تهاونوا في تطبيق أحكام الشريعة، وأبطلوا العقوبات على مرتكبي جريمة البغاء، إذ وضعوا قوانين وتشريعات تبيح وتقنن الزنا، وسنّ السلطان سليم عام 1512 تشريعًا ينظم الدعارة داخل السلطنة، وتلا ذلك تحديد تسعيرة للبغاء لكل طبقة اجتماعية، وحددوا نصيب الدولة منها، ووفرت تلك التشريعات غطاء شرعيًا للانحلال، ولخزانة الدولة مبالغ مالية ضخمة.

استمرارا لسلسلة التناقضات المفجعة، كشف السلطان سليمان القانوني عن الوجه المنحل للسلطنة، عندما أصدر قانون "سنجق الغجر"، الذي نظم شؤون البغايا في العام 1531، وكان من بين نصوصه أن "تستوفى رسوم مقدارها 100 آقجة شهريا من نساء أدرنة وفيلببا وصوفيا اللاتي يمارسن أعمالا غير شرعية".

شهد العام 1565 أول تسجيل رسمي للبغايا، واستنادا إلى المصادر التاريخية فقد رفع سكان الأناضول دعوى إلى القاضي ضد 50 بغية، واتهموهن بإدارة بيت دعارة، وفي المقابل رفع البغايا شكوى إلى الصدر الأعظم محمد سوكولو باشا، فتباحث مع السلطان عن طريقة قانونية لتسهيل ممارسة البغاء، ثم جاء المخرج بإصدار فرمان يبيح لهن الانضمام إلى طائفة الراقصات.

سليمان القانوني استدعى شيخ الإسلام، أو المفتي الأكبر في السلطنة، أبو السعود أفندي، للتشاور بشأن فتوى مستعجلة، وأقنعه برغبة العثمانيين منح المزيد من الحريات الشخصية وإباحة الاختلاط بين الرجال والنساء، مستندًا إلى العقيدة البكتاشية، وبرر موقفه بالحاجة لزيادة موارد الدولة بعد سلسلة الحروب التي استنزفت الخزانة السلطانية، فوافق المفتي على الاشتراك في مخالفة الشريعة وأصدر فتوى تسقط حد الزنا مقابل مبالغ مالية تحصلها الدولة.

شهد بلاط الدولة العثمانية في إسطنبول ظاهرة البغاء تحت ستار الحرملك، حيث اختص السلطان نفسه بمئات الجواري لمعاشرتهن وإشباع نزواته وشهواته، بعد أن جمعهن من البلدان الأوروبية المحتلة بالخطف تحت غطاء ضريبة الدوشرمة، بالإضافة إلى تقديم بعضهن كـ"هدايا" من رجال الدولة المرتشين.

فضيحة.. السلطانة خرم تعاشر خادمها اليهودي موشى 
تلوثت دماء آل عثمان من جراء ممارسة البغاء، لكن الصدمة كانت في ممارسة السلطانات وأمهات السلاطين الرذيلة مع أفراد القصر من الخدم والعبيد، بعد أن انغمس السلاطين في ممارسات جنسية علنية مع الجواري، ويذكر المؤرخ أحمد عبدالرحيم مصطفى في كتابه "في أصول التاريخ العثماني" أن "السلطانة خرم لحقتها الفضيحة بعد معاشرتها اليهودي موشى هامون، الطبيب الخاص بالسلطان سليمان القانوني، فضلًا عن علاقتها مع خادم أرمني نالته الاتهامات بأنه الأب الحقيقي للسلطان سليم الثاني".

المومسات تجولن بحرية تامة في أرجاء إسطنبول وباقي الولايات، وتمتعن بكامل الحقوق، إذ استغل الولاة فتوى شيخ الإسلام لتقنين الدعارة، وخصصوا لهن سجلات وأرقاما وشهادات، بدءا من القرن السادس عشر، وبذلك تدثرت الرذيلة بغطاء قانوني، ليس لتبريرها فحسب، بل لترويجها بشكل مباشر.

على الصعيد التنظيمي، اعترفت الدولة بالدعارة طائفة حرفية، وأطلقت على المشتغلات بها مسميات عدة، منها "المغاني، المومسات، بنات الخطى والهوى"، وعينت عليهن مشرفا برتبة ضابط صوباشي، يتولى تنظيم علاقتهن مع الدولة، وإصدار تراخيص لبيوت الدعارة، وتحصيل رسومها تحت مظلة "ضريبة الخردة"، في مقابل منحهن امتيازات قانونية وتشريعية استثنائية، بالإضافة إلى تشكيل فرق عسكرية لحماية أنشطتهن المنحرفة.

الدولة العثمانية أمرت الولاة بتشجيع البغاء وزيادة الكرخانات، أو بيوت الدعارة، فتحولت قبائل عدة إلى المهنة، ولم يكن بمقدور القاصرات اللاتي يمتهن البغاء الرجوع عن ممارستها، حيث رفضت الولاة مبدأ التوبة، واعتبروه "خروجًا عن طاعتهم ومخالفة لشروط المهنة"، وإذا أصرت الواحدة منهن فكانت تتعرض لعقوبات قاسية.

رغم تقنين الدعارة، وتخصيص أماكن محددة لممارستها، لم تختف الممارسات السرية، وكانت السلطات تفرض عقوبات رادعة على صاحبات النشاط غير المرخّص تصل في بعض الحالات إلى الحبس، وكانت تجبر بعضهن، ممن يجري ضبطهن مرتين، على الإقامة الجبرية في دور الدعارة المرخصة.

خافت الدولة العثمانية من مناصرة ولاية العراق للدولة الصفوية، وعملت على إضعافها بصرفها عن السياسة والدين، واعتمدت السياسة التركية على  نشر العهر على يد الوالي، فأنشأ دور الدعارة تحت ستار الفن والغناء والرقص، وتولى بنفسه الإشراف على الكرخانات، وشكل الوالي شبكة دعارة حكومية، بمعاونة 150 قوادًا، كانوا يجوبون المدن لجلب الزبائن، وبلغ عدد البغايا ألف واحدة مسجلة، وأصبحت بغداد ماخورًا ضخمًا، وانحلت روابط المجتمع العراقي، وانغمس شبابه في المجون.
 

طائفة للعاهرات تحت رئاسة الوالي التركي
في ولاية دمشق، نظمت الدولة طائفة العاهرات تحت إشراف الوالي أسعد باشا العظم، الذي أنشأ بيوت دعارة حكومية تحت مسمى "المحال العمومية"، وأعد الحفلات والسهرات الماجنة، كما جمع المومسات عند الموالد وشيد لهن خياما حمراء، وشهدت تلك الحفلات مسيرات دعائية في أسواق الشام.

احتج مشايخ دمشق على ذلك التدني الأخلاقي، وطلبوا من الوالي غلق الكرخانات وترحيل المومسات، وكان الشيخ حسن الدمشقي أبرز المحتجين، ووصف ممارسات الدولة العثمانية بأقظ الألفاظ، حتى أنه قال ذات مرة في جمع من الناس :"يا أمة الإسلام الموت أهون من (...) لدولة البغايا والمومسات"، ولم تنل تلك الاحتجاجات من والي الخلافة، وأذعن لأوامر السلطان، وهدد المعترضين بالسجن.

Qatalah