يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


1 نوفمبر 2018 الكمالية اليمينية والجيش التركي

لطالما كانت الرواية الإسلامية تصور الجيش التركي كمؤسسة متجانسة تشترك في موقف مناهض للدين. ومع ذلك، فاليوم خلوصي أكار، القائد السابق للجيش، الذي أصبح الآن وزيرا في الحكومة الإسلامية، قام في الآونة الأخيرة بتمويل بناء مسجد يحمل اسمه. ومن ثم، كيف نفهم الموقف الحالي للجيش التركي من السياسة الإسلامية؟
في استعادة للأحداث الماضية، على الرغم من الإصلاحات الكمالية الراديكالية، كان الجيش يتألف من ضباط محافظين من أصحاب المدارس القديمة حتى أواخر ستينيات القرن الماضي.
على سبيل المثال، لم يكن فوزي جاقماق، الذي كان أول رئيس للأركان العامة في الجمهورية حتى عام 1944، شخصا علمانيا بشكل جذري. وبناء على طلبه، دُفِن إلى جانب شيخ النقشبندية، وأظهر ارتباطه بهذه الطريقة الصوفية.
كان جاقماق أيضا مختلفا من الناحية السياسية. وقد انخرط في نزاع سياسي مع حزب الشعب الجمهوري الكمالي وزعيمه عصمت إينونو، الرئيس الثاني للجمهورية. وعلى الرغم من أنه فشل، كانت خطة جاقماق تتمثل في تحدي إينونو وحزب الشعب الجمهوري الكمالي عن طريق إنشاء حزب سياسي بديل. خلال 23 عاما قضاها كقائد للقوات المسلحة، لم يكن لجاقماق هدف أساسي لجعل الجيش يحارب الإسلاميين. وحافظ الجيش على موقفه المحايد التقليدي خلال خمسينيات القرن الماضي.
وبحلول أواخر عام 1957، وضع سعيد النورسي، مؤسس حركة نوركو الدينية، أسلاف الإسلاميين اليوم، الأساس لمسجد مع العديد من الضباط. كان خلوصي يحيى غيل، وهو من أتباع النورسي الأكثر تفضيلا، ضابطا لم يتم التخلص منه في الجيش رغم انتمائه الإسلامي.
ومن الأمثلة البارزة الأخرى على ذلك حسين حلمي إيشيق، مؤسس حركة إيشيقيلا، وهي جماعة مؤثرة أيضا على الإسلاميين في تركيا في الوقت الحاضر، وقد قام بتجنيد أول تلاميذه في مدرسة كوليلي الثانوية العسكرية في إسطنبول.
كان الانقلاب العسكري الذي وقع في 27 مايو عام 1960 يمثل نقطة تحول حاسمة بالنسبة للجيش، على الرغم من أن هدفه الأساسي لم يكن إعادة العلمانية. بدلا من ذلك، أعلن المجلس العسكري نفسه معارضا للسياسات التعسفية لحكومة رئيس الوزراء عدنان مندريس.
وكان المجلس العسكري أيضا غير راض عن الظهور المتزايد للأوامر الدينية في عهد مندريس، ولكنه مع ذلك كان يضم ضباطا مثل أحمد عير، الذي كان فخورا بتوزيع كتب النورسي، أو مظفر اوزاك الذي كان مسلما متدينا. ومع ذلك، أصبحت النغمة المعادية للإسلاميين في الجيش أكثر ضراوة في فترة ما بعد عام 1960.
لم تكن الكمالية اليمينية ضد الدين بشكل قاطع، ولكن ثمة خطوطا حمراء كانت هناك لم يكن متوقعا من المتدينين انتهاكها.
بادئ ذي بدء، غرس قادة الجناح اليميني الجديد مثل سليمان ديميريل مبادئ مندريس الذي أعدم من قبل محكمة عسكرية بعد انقلاب عام 1960، في العقلية المحافظة ضمن التدوين الديني المكثف.
ثانيا، في هذه الفترة أعلن إينونو أن حزب الشعب الجمهوري هو حزب ينتمي إلى تيار يسار الوسط. خلق تقارب الكماليين مع اليسار رد فعل في صفوف المحافظين الذين اعتبروا ذلك خطوة معادية للدين. عزز صعود الكمالية اليسارية من النظرة الإسلامية للجيش كمؤسسة مناهضة للدين.
وأكدت محاولة الانقلاب التي قام بها ضباط كماليون يساريون في التاسع من مارس عام 1971 مثل هذه المخاوف، على الرغم من أن هذه الجهود أوقفها ضباط آخرون بقيادة ممدوح تاغماش، قائد الجيش. أظهر فشل مخطط التاسع من مارس أن غالبية الضباط لم يشتركوا في أيديولوجية واستراتيجية الضباط الكماليين اليساريين. وبعد عام 1971، تم استبعاد العديد من الضباط الكماليين اليساريين، وتمت ترقية طلاب عسكريين جدد يحملون نظرة عالمية قومية أكثر للسيطرة على المدارس العسكرية.
وفي فترة ما بعد عام 1971، اتخذ الجيش موقفا أيديولوجيا جديدا ألا وهو الكمالية اليمينية. لكن إرث الكمالية اليسارية في ستينيات القرن الماضي دفع الإسلاميين إلى رؤية الجيش كمؤسسة متجانسة لها وجهات نظر راديكالية معادية للدين.
لم تكن الكمالية اليمينية ضد الدين بشكل قاطع، ولكن ثمة خطوطا حمراء كانت هناك لم يكن متوقعا من المتدينين انتهاكها. وهكذا، عمل الضباط الكماليون اليمينيون بشكل جيد مع الأطراف الإسلامية حتى تحت الحكم العسكري بعد انقلاب عام 1980.
لكن الكمالية اليمينية واجهت أزمة في تسعينيات القرن الماضي عندما أصبح حزب الرفاه الإسلامي أكبر الأحزاب. كان الزخم الديني في البلاد قويا إلى درجة أنه لم تكن هناك فرصة لإبقائه ضمن الهوامش التي طالب بها الضباط الكماليون اليمينيون. ونتيجة لذلك، أجبر الجيش حزب الرفاه الاجتماعي على ترك الحكومة في عام 1999، لكنه خسر خلال العملية شرعيته المحلية والدولية.
بدأ الإسلاميون مثل الرئيس الحالي، رجب طيب إردوغان، الذي جاء إلى السلطة رئيسا للوزراء في عام 2003، وحلفائه في الحركة السرية لرجل الدين التركي المقيم في الولايات المتحدة فتح الله غولن، في تدمير قاعدة السلطة الكمالية داخل الجيش وشغل المناصب بموالين لهم.
لكن منذ محاولة انقلاب عام 2016 التي تقول الحكومة إن أنصار غولن قاموا بها، تم طرد الآلاف من أتباع رجل الدين المنعزل من الجيش، وقام إردوغان بتغيير نظام التعليم العسكري لجعل الضباط الجدد أكثر ميلا للإسلاميين وأقل ولاء للهوية الكمالية اليمينية السابقة.

Qatalah