يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


13 نوفمبر 2018 المؤلفة جيوبهم

التاريخ ليس مجرد قصص وحكايات مسلية، ولكنه دروس وعبر مهمة للتعامل مع الحاضر، خاصة إذا كان هناك من تحركه عقد تاريخية يحاول من خلالها إحياء الماضي للتحكم في الحاضر، مثل المشروع التركي الذي تتلبسه أوهام إعادة الإمبراطورية العثمانية للسيطرة على الأمة العربية باستخدام جماعة الإخوان الإرهابية وحلفائها. ولذلك سعدت عندما اكتشفت مصادفة موقعا جديدا على شبكة الإنترنت يعنى بتوثيق التاريخ الدموي للخلافة العثمانية، وصولا إلى فضح الممارسات الحالية للقابع في تركيا الحالم بعودة إمبراطورية الأجداد .. رجب طيب إردوغان.

الموقع الذي يحمل اسم عثمانلي هو خلاصة جهد مهني توثيقي واستقصائي - حسبما يذكر في تعريفه عن نفسه - يستهدف إنارة طريقنا كعرب بشمعة المعرفة، بعد وضع أيدينا على حقيقة وجود مشروع قومي مضاد لنا كأمة عربية ذات مصالح واحدة ومصير مشترك، مشروع يتخذ كل الوسائل الممكنة لإثبات عدوانيته ورغبته في إزالتنا من الوجود، أو عودتنا إلى حظيرة تخلفه التي فرضها علينا قرابة أربعة قرون سوداء، قضى فيها على شباب أمتنا وأطفأ نور حضارتنا وإسلامنا، لصالح إعلاء إرهابه وإرواء نزواته في قصور الخلافة.

سقط مشروع العثمانيين قبل أقل من مئة عام، لكنه يطل من جديد على يد طغمة دموية متستر بعباءة دينية كاذبة، لإحياء مشروع الهيمنة على أمتنا واستنزاف ثروتها، بعد استنزاف دمائها في سورية والعراق وليبيا وتونس ومصر واليمن وكل المنطقة. والحقيقة أننا بحاجة ملحة إلى مثل هذه الجهود التي تفضح وتكشف المشاريع المعادية للأمة العربية، التي تحاول تدمير الدولة الوطنية في المنطقة العربية كمدخل للسيطرة عليها. وإذا كانت تركيا الآن تؤوي رموزا وعناصر من الجماعات الإرهابية المتسترة بالدين، وتقدم لها الدعم السياسي والإعلامي وتمويلا ضخما يسمح لنا بأن نطلق على هؤلاء وصف المؤلفة جيوبهم، فإن هذا الوصف ليس بجديد على أبناء الإمبراطورية العثمانية، وينطبق على شخصيات عديدة من العثمانية المتسترين بالدين أيضا.

ولعل من أشهرهم زنبيلي أفندي أو علي بن أحمد بن محمد الجمالي الرومي، رجل الدين التركي الذي أطلق عليه موقع عثمانلي لقب مفتي المؤلفة جيوبهم، الذي استغل سلاح الفتوى في تسهيل احتلال دول وإبادة مدنيين وقتال المسلمين الذين يئسوا من صلاح الحال تحت سطوة الدولة العثمانية. بدأ تقربه من البلاط العثماني عن طريق مصاهرته شيخ الإسلام خسرو أفندي، فعينه السلطان محمد الفاتح مدرسا، ولما تولى السلطان بايزيد الثاني، عينه قاضيا على مدينة أماسيا، فركبه الغرور وادعى العلم واشتهر بالتعالي واحتجب عن الناس، وجلس فوق بيته وأمسك بزنبيل (كلمة فارسية تعني السلة) مربوطة بحبل يستقبل عن طريقها طلبات الفتوى مكتوبة في ورقة وبجوارها قطع نقود حتى يهتم بالسؤال، وأهمل قضايا الفقراء العاجزين عن تقديم هدايا ثمينة للفقيه المرتشي.

كان زنبيلي في مصر عام 1503 في طريقه للحج عندما وصله قرار بايزيد الثاني بتعيينه شيخا للإسلام ومفتيا للدولة العثمانية، فعاد سريعا إلى إسطنبول ليتسلم منصبه الجديد، ومنذ تلك اللحظة ظلت مصر في ذهن زنبيلي، وتمنى أن تدخلها القوات التركية غازية، وبدأ تحالف الشر بين زنبيلي والأمير سليم العابس، منذ أن تولى الأخير حكم ولاية طرابزون، واستطاع الحصول على فتوى من زنبيلي تجيز عزل أبيه السلطان بايزيد الثاني وقتل أخيه أحمد ولي العهد، ثم نصب نفسه سلطانا على الأتراك بقوة السلاح.

لعب زنبيلي أفندى دورا بارزا في عهد سليم الأول، بعدما سخر مؤسسة الفتوى لخدمة السلطان المتعطش لسفك المزيد من الدماء، فأصدر فتاوى تكفر دولة المماليك في مصر والشام وتصفهم بالملحدين، رغم أن سلطان مصر المملوكي قانصوه الغوري كان يرعى الأماكن المقدسة في مكة والمدينة المنورة والقدس، ويؤمن طرق الحجاج كما كان أسلافه من حكام مصر.

أضفى زنبيلي أفندي مشروعية على محاربة مصر، إذ قرر أن أهداف الحرب لا تتعارض مع الدين، بل إن لها أسبابها الشرعية، ولما علم الغوري بحشود العثمانيين، أرسل إلى السلطان سليم الأول رسالة قائلا: علمنا أنك جمعتَ عساكرك، وعزمت على تسييرهم علينا، فتعجّبتْ نفسنا غاية التعجب لأن كلنا، والحمد لله، من سلاطين أهل الإسلام وتحت حكمنا مسلمون موحدون، وجاء رد سليم الأول كاذبا ينفي وجود نية للحرب.

ومن أغرب الفتاوى التي برر بها زنبيلي أفندي الحرب ضد مصر، رده على سؤال للسلطان سليم يقول : إذا كان أناس تحت حجج ظاهرية لتكريم الإسلام الذي يعتنقونه، يصكون الشهادة (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) على قطع النقود المعدنية، وهم يعرفون أن هذه النقود تقع في أيدي النصارى واليهود، وإذا -لا سمح الله- دخلوا بها إلى دورات المياه أو حملوها وهم غير طاهرين، وصرفوها عند الحاجة، ما هو حكم الحق مع هؤلاء؟، وجاء الجواب: إذا لم يسمحوا بالدفاع فإن قتالهم في محله. هكذا برر زنبيلي أفندي الحرب ضد الدولة المملوكية، ونشبت الحرب العثمانية المملوكية على أرض سورية في سهل مرج دابق عام 1516، وكان من نتيجتها دخول بلاد الشام تحت السيطرة العثمانية، وواصل السلطان سليم زحفه نحو مصر وحدثت المعركة الحاسمة الثانية في الريدانية عام 1517، وانتهت بهزيمة السلطان طومان باي واحتلال مصر. ولم يكتف زنبيلي أفندي بذلك بل أفتى بتكفير أي شخص يقف بجانب دولة المماليك، وتلقف سليم الأول الفتوى ونشرها بين جنوده، ما أدى إلى مذابح دموية للآلاف من أهالي الشام الذين دافعوا عن أرضهم ضد المغتصب التركي، وتكرر نفس الأمر في شوارع القاهرة التي ارتوت بدماء 10 آلاف مصري عارضوا الاحتلال العثماني.

درس من التاريخ يوضح لنا كيف استغل العثمانلي تجار الدين والمؤلفة جيوبهم في السيطرة على مصر والشام ودول عربية كثيرة بعد ذلك، لإقامة إمبراطورية على جثث المسلمين في المنطقة، وهو ما يحلم به العثمانلي الجديد اليوم باستخدام نفس العناصر .. تجار الدين والمؤلفة جيوبهم.

نقلا عن صحيفة "الأهرام" المصرية

Qatalah