يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"الإجراءات الجنائية مجرد شكليات، والمجتمع التركي بأكمله يتعرض لحملة ترويع عميقة، والإعلام الموالي للحكومة تحول إلى أداة لمهاجمة خصوم الحزب الحاكم".. هكذا لخصت مفوّضة حقوق الإنسان في المجلس الأوروبي، دونجا ميجاتوفيتش، وضع القانون في تركيا، تحت حكم الرئيس، رجب إردوغان.

حالة الطوارئ التي أعلنها إردوغان عقب مسرحية الانقلاب ضده في يوليو 2016، وضعت المجتمع التركي تحت لائحة الاتهام، وجعلت القضاء أداة في يد الحكومة لمعاقبة خصومها مهما كانت مناصبهم، أو مواقعهم في السلم الوظيفي بالدولة. فالديكتاتور أبعد ما يزيد عن 150 ألفا من الجيش والقضاء والإعلام عن مناصبهم، لأنهم لم يكونوا في صفه كما يريد.

دونجا ميجاتوفيتش، مفوّضة حقوق الإنسان في المجلس الأوروبي، دعت حكومة تركيا إلى اتخاذ تدابير طارئة وضرورية لإعادة بناء الثقة في نظامها القضائي وإصلاح الأضرار التي لحقت بسيادة القانون طوال فترة حالة الطوارئ والفترة التي تلتها.

المفوضة الأوروبية أضافت، عقب زيارتها أنقرة مؤخراً، أن استقلال النظام القضائي التركي تآكل على نحو خطير خلال فترة الطوارئ، بسبب التغييرات الدستورية تجاه مجلس القضاة والمدعين العامين، التي تتناقض بشكل صريح مع معايير المجلس الأوروبي، وتعليق التدابير الاحتياطية العادية وإجراءات إقالة وتوظيف وتعيين القضاة والمدعين العامين.

الدولة قبل المواطن
ميجاتوفيتش انتقدت القضاء التركي بسبب وضعه حماية الدولة أولوية على حساب حقوق الإنسان، قائلة: "الإجراءات الجنائية قد تراجعت وأصبحت مجرد إجراء شكلي، لاسيما في القضايا المتعلقة بالإرهاب، كما تم تجاهل السلطة القضائية فيما يتعلق بتدابير تؤثر بشكل خطير على حقوق الإنسان الأساسية، مثل وضع قيود على سفر الأفراد أو دحض حق ممارسة مهنة المحاماة".

"أكثر من 150 ألف شخص تم إقصاؤهم من وظائف الدولة من خلال مراسيم حكومية، لا يمكن الاستئناف ضدها خلال مدة الطوارئ"، حسبما قالت ميجاتوفيتش، مضيفة أنه تم التحقيق مع 500 ألف آخرين في مزاعم تتعلق بالإرهاب بسبب صلاتهم المزعومة بحركة عبدالله جولن، المتهمة بتدبير مسرحية الانقلاب ضد إردوغان في يوليو 2016.

المفوضة الأوروبية قالت إنه لن يمكن لتركيا "تحقيق الأمن دون احترام حقوق الإنسان، لأن الاستهانة بحقوق الإنسان عند مكافحة الإرهاب تقوض سيادة القانون والثقة في نظام القضاء". مشيرة إلى أنها التقت مسؤولين من بينهم وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو، ووزير العدل عبد الحميد جول، وممثلي المجتمع المدني والمحامين، ولفتت انتباههم لهذا.

"القوانين ذات التعريف الواسع للإرهاب والانضمام للمنظمات الإجرامية ليست معضلة جديدة تواجهها تركيا، لكنها بلغت مستويات غير مسبوقة في الآونة الأخيرة"، أضافت ميجاتوفيش، مشيرة إلى أن "المدعين العامين والمحاكم يعتبرون الأعمال القانونية والسلمية والبيانات المحمية بموجب الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان دليلاً على النشاط الإجرامي، دون أي محاولة لتحقيق التوازن عند المقارنة بين المخاوف الأمنية المفترضة وحقوق الإنسان".

اثباتات تعسفية
ميجاتوفيتش اعتبرت الأدلة التي يتم تقديمها في بعض الأحيان إثباتات تعسفية غير متسقة، كما هو مبين في لوائح الاتهام الأخيرة إزاء احتجاجات منتزه جيزي، موضحة أنه من المستحيل التنبؤ بشكل حسن النية بالنتائج المشروعة للأفعال، لأن هذا التعسف يحبط الاعتراض والانتقاد المشروع.

المفوضة الأوروبية اعتبرت استراتيجية الإصلاح القضائي الجديدة التي أعلنتها الحكومة التركية "خطوة هامة ومؤشرا على حسن النية، لأنها تعترف بالمخاوف حول استقلال القضاء التركي"، لكنها في الوقت نفسه "لا تتناول المشكلات الجوهرية، مثل ضمان استقلال القضاء والحكم الذاتي، ولا تعالج أوجه القصور فيما يتعلق بمبادئ المحاكمة النزيهة والمساواة في الدفاع والدقة القانونية"، حسب قولها.

ميجاتوفيتش ربطت بين إصلاح النظام القضائي التركي، وبين استعداد السلطات لإصلاح التشريعات الرئيسية بشكل كامل وسريع للغاية، بما في ذلك القانون الجنائي وقانون مكافحة الإرهاب وقانون الإجراءات الجنائية".

حملة ترويع 
زيارة ميجاتوفيتش إلى تركيا تناولت وضع المدافعين عن حقوق الإنسان والمجتمع المدني، وقالت :"إن أنشطة منظمات المجتمع المدني تتعرض لضغوط مستمرة من جانب السلطات التركية، تصل لحد الإغلاق التام للمنظمات، دون أي قرار من المحكمة أو وسيلة انتصاف فعالة، بخلاف حملات التشهير في وسائل الإعلام الموالية للحكومة، واستهداف المدافعين عن حقوق الإنسان بالاعتقال العشوائي".

"المجتمع التركي بأكمله إلى حملة ترويع عميقة"، بنص تعبير ميجاتوفيتش، داعية إلى ضرورة تخفيف الضغوط على مدافعي حقوق الإنسان وتمكينهم من العمل بحرية وأمان.

المسؤولة الأوروبية أشارت إلى معاناة المحامين الأتراك مرتين، الأولى بصفتهم مدافعين عن حقوق الإنسان، والثانية بصفتهم جزءاً أساسياً من نظام قضائي معقد، وقالت :"تركيا لم تكتف بمنع المحامين عن أدوات الدفاع عن موكليهم، بل جعلتهم هدفًا لإجراءات قضائية بسبب طرحهم قضايا تزعم حدوث انتهاكات لحقوق الإنسان، أو باعتبارهم متهمين بسبب مساعدتهم لموكّليهم، هذا غير مقبول ويجب تصحيحه، واعتباره كأولوية مطلقة من قبل السلطات التركية".

Qatalah