يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


من يد تدافع عن حقوق الناس، إلى يد تمتد إلى جيوبهم وتسرق قوت يومهم، حول العثمانيون المحتسب من حامٍ للأسواق إلى لص مهمته فرض الضرائب على التجار والأهالي ليرسل الأموال إلى خزائن السلطان في إسطنبول بعد أن يقتطع منها جزءا كبيرا يضعه في جيوبه. 
تفنن العثمانيون في سرقة ثروات الشعوب المحتلة، طوعوا الأنظمة الاقتصادية والإدارية لخدمة أطماعهم، لوثوا سمعة منصب المحتسب صاحب التاريخ الطويل في الحضارة الإسلامية، باعتباره المسؤول عن تنظيم أعمال البيع والشراء في الأسواق، حولوه إلى آلة لنهب أقوات الرعية عن طريق فرض الضرائب والإتاوات الباهظة، ما ألقى بظلاله على حركة البيع والشراء في الأسواق، بعد أن ارتفعت الأسعار وشحت البضائع ، وعجز الأهالي عن توفير الطعام لأطفالهم. 
الأسواق المصرية خضعت لرقابة صارمة في العصر المملوكي، حيث كان المحتسب يراقب الأسعار، ويتأكد من توافر احتياجات الأهالي من البضائع، ويعاقب التجار المحتكرين، ويتجول يوميا في الأسواق ليجبر التجار على البيع بالتسعيرة التي وضعتها الدولة، ويمنع غش العملة، ويضبط الموازين والمكاييل.
أما المحتسب في النسخة العثمانية فقد تحول اسمه إلى "احتساب أغاسي"، تم منحه سلطات استثنائية يتحكم من خلالها في الأسواق والتجارة الداخلية بين الأقاليم  بهدف تحصيل الرسوم و الإتاوات لصالح الخزانة السلطانية، دون التزام قانوني بتقديم أية خدمات للمواطنين أو ضبط الأسواق والأسعار.
 
شبكة الفساد
العثمانيون استغلوا عملية البيع والشراء في الأسواق لصالح الأتراك في مصر سواء كانوا من الفرق العسكرية أو المدنيين ، ولم يستثنوا سلعة واحدة من السمسرة.
 سماسرة في الغلال، والملابس والأقمشة، لم يكن مهمتهم التوفيق بين التجار والمشترين، بل تحصيل إتاوات ورسوم على أية عملية بيع أو شراء لصالح المحتسب.
في السوق وضع العثمانيون شيخا مسؤولا عن إدارة الحركة التجارية، يتولى تطبيق القوانين والتعليمات الصادرة من الباشا والمحتسب على البائعين والمشترين، ومهمته الأساسية تحصيل الضرائب والإتاوات على التجار، إضافة إلى رسوم من المشترين الخارجين من أبواب السوق، وفق ما ذكره المؤرخ ابن إياس في كتابه "بدائع الزهور في وقائع الدهور".
المحتسب استعان في عمله بفريق من المرتشين اللاهثين وراء الثراء بطرق غير شرعية، على رأسهم "كتخدا"، وهو من ينوب عن المحتسب في الأسواق وله نفس السلطات والصلاحيات، أما "الخازندار"، فهو المسؤول عن تسجيل الضرائب في دفاتر المحتسب، وعليه ضبط إجمالي الإيرادات مع المال المرسل إلى الخزانة السلطانية، بينما "المنادي"، يتولى مهمة إبلاغ أوامر المحتسب في الأسواق، ويعلن قائمة بأسعار السلع قبل وبعد فرض الضرائب، فيما يتقاضى معاونو المحتسب رواتبهم من حصيلة الإتاوات التي يجمعونها من البائعين، والتي بلغت نسبتها 20 % من إجمالي المبالغ المتحصلة.
 
نماذج فاسدة
عصر الاحتلال العثماني في مصر شهد العشرات من المحتسبين الفاسدين، أشهرهم على الإطلاق الزيني بركات، والذي تلقى تكليفات صريحة من خاير بك، مكنته من وضع أسس وقواعد سار عليها المحتسبون طوال 3 قرون.
يقول ابن إياس: "إن المصريين عانوا مرارة القحط والجوع على يد الزيني بركات، عام 1518 اشتطت الأسعار وصارت غلوة كبيرة بمصر، اضطربت أحوال الناس وارتفع الخبز من الأسواق، وأغلقت الطواحين وارتجت بسبب ذلك القاهرة، وجارت السوقة (البائعين والتجار) على الناس في سعر البضائع".
تابع :"انفرجت الغمة وأزمة ارتفاع الأسعار بعد خروج الزيني بركات على رأس قافلة الحج وتولي القاضي عبد العظيم الصيرفي أمور الحسبة مؤقتا لحين عودته، وكان أول قراراته أن ضرب الطحانين والخبازين ضربا مبرحا، وجرسهم في شوارع القاهرة، وقبض على التجار المحتكرين للسلع، وتوعدهم بالشنق وفتح مخازن الغلال جبرا إذا امتنعوا عن توريد البضائع للأسواق، ولم يمر يومان إلا وكانت الأسعار قد انخفضت، وزال شبح المجاعة عن أهالي القاهرة".
تمتع المحتسب بحصانة جعلته لصا ينهب أقوات الرعية دون مُساءلة، ما جعل منصبه مطمعا لأصحاب النفوذ السياسي والعسكري بمصر، سعى إليه أغوات الإنكشارية والسباهية.
 
علي أغا أشهر أغوات الإنكشارية الذين تولوا منصب المحتسب، أجبر الوالي على تعيينه عام 1702، ومنذ اليوم الأول أمر المنادي بالطواف في أسواق القاهرة ليعلن "يا تجار القاهرة المحتسب علي أغا يأمركم بدفع الرسوم والإتاوات لتأمين بضائعكم".
1743 تولى عثمان بك ذو الفقار رئيس أمراء المماليك مباشرة مهام المحتسب بنفسه، وبالتالي أصبح في يديه السلطة السياسية والإدارية، إضافة إلى القوة الاقتصادية التي يوفرها منصب المحتسب، وكان هذا بداية عهد جديد اقتصرت فيه مهام المحتسب على تحصيل الرسوم والإتاوات من جيوب الجياع، مقابل ترك الحبل على الغارب للتجار الجشعين.
الصراعات العسكرية بين الفرق العسكرية من الأتراك والمماليك تركت  بصماتها على الأسواق، خاصة بعد أن أصبح الأغوات يحتكرون منصب المحتسب، لاسيما أن الريف كان ميدانا للمعارك المسلحة في أغلب الأحيان.
الصراع على السلطة نشب بين إبراهيم بك ومراد بك في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، ما عرض الأسواق لعمليات النهب من الفرق المتحاربة، فيما غض المحتسب الطرف عن الإتاوات والفرد والكُلف التي فرضها إبراهيم بك ومراد بك، سواء على الفلاحين أو التجار بالأسواق كلما وطأ أحد الفريقين قرية أو مدينة.
 
حاميها يسرقها
الرشوة تفشت في الإدارة العثمانية داخل مصر، ولم يكن المحتسب بعيدا عن المنظومة الفاسدة، حصل على منصبه بتقديم رشاوى وهدايا إلى الباشا وحاشيته، لذلك كان في مقدمة أهدافه تعويض ما دفعه في أسرع وقت ممكن، خشية أن يبادره الباشا بتعيين مرتش آخر يقدم هدية أكبر.
جباية الضرائب والإتاوات من الأسواق أصبحت مهمة المحتسب، كل من يبيع سلعة عليه أن يدفع "ضريبة السوق"، والتي تختلف  من سوق إلى آخر، في الفيوم كان على البائع أن يدفع 10 بارات (عملة عثمانية) عن كل أردب من القمح المباع، وتم تعيين ملتزمين لتحصيل تلك الضرائب.
الوالي أطلق يد المحتسب المرتشي في فرض الغرامات والإتاوات، وكان على التجار وأصحاب الدكاكين والحوانيت (المحال التجارية) والفلاحين دفع ضرائب ورسوم غير قانونية، عرفت باسم الفردة، والكلف، والمغارم، والمظالم.
التجار استغلوا كثرة الضرائب لجني أرباح طائلة من جيوب الأهالي التعساء، فيما غض المحتسب الطرف عن ممارساتهم الاحتكارية، بعد أن انتفخت خزائنه من الرشاوى، وباتت الأسواق بؤرة فساد وغش للموازين والمكاييل، قفزت الأسعار أضعافا، حتى عجز الأهالي عن توفير قوت يومهم، وقلصت الأسر المصرية احتياجاتها إلى حد الكفاف، ما ألقى بظلاله على الأسواق التي أصابها الانكماش والكساد.
المحتسب أصبح أكبر محتكر للسلع والمنتجات الغذائية، بعد أن تحالف مع كبار ملتزمي الأراضي والتجار على توريد المحاصيل والغلال للشون والمخازن ليتولى بيعها للتجار بأسعار مضاعفة، إضافة إلى تقاضي رشاوى من التجار للتغاضي عن تجاوزاتهم في المكاييل والأوزان والأسعار.
تخلى عن دوره في حفظ الأمن بالأسواق، فعاث اللصوص فسادا، المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي في كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" يقول: في عام 1642 "هجم اللصوص وقطاع الطرق على الأسواق حتى فر التجار من الدكاكين المتطرفة، وكسروا في سوق أحمد بن طولون في ليلة واحدة 48 دكانا، ونهبوا ما فيها من البضائع والأموال".
 
إتاوات الاحتفالات
ابتدع المحتسب التركي أساليب ملتوية لنهب جيوب الأهالي، اتخذ من الأعياد الدينية والمناسبات السياسية حجة لفرض إتاوات على الباعة والأهالي، وكلما اعتلى عرش آل عثمان أحد السلاطين يقوم على الفور بتحصيل "رسوم العرش"، وهي إتاوة لإقامة احتفالات في القاهرة كنوع من المبايعة للسلطان الجديد.
 1520 تم تزيين القاهرة لمدة أسبوع بمناسبة اعتلاء سليمان القانوني العرش، ويعلق ابن إياس على ذلك بقوله: "تكلف الناس بسبب هذه الزينة كلفة عظيمة".
تمادى المحتسب في إظهار ولائه للسلاطين ، فاعتبر نبأ ولادة طفل جديد للسلطان حدث جلل لابد من الاحتفال به، فيتم تحصيل إتاوة باسم "مولود مولانا السلطان".
 1691 أصدر المحتسب قرارا بتزيين القاهرة وضواحيها لمولودين توأمين أنجبهما السلطان أحمد الثاني، وهما الأميران سليم وإبراهيم، وفي عام 1696 زينت القاهرة لمولد الأمير محمود بن السلطان مصطفى الثاني.
تعيين والي تركي جديد فرصة لفرض إتاوات جديدة على مرتادي الأسواق بدعوى إقامة موكب لاستقبال الوالي القادم من إسطنبول، حيث يتم تزيين القاهرة والطرق المؤدية لقلعة الجبل من جيوب الرعية.
عام 1521 ورد فرمان من سليمان القانوني بتجديد ولاية خاير بك على مصر، فانطلق المحتسب ورجاله يجمعون الإتاوات لإقامة احتفالات بشوارع القاهرة، والتي استمرت 10 أيام.
أسرف المحتسب في فرض الإتاوات، وكلما طالت مدة الاحتفالات، يفرض على أصحاب المحال التجارية دفع تكلفة الزينة وما يصاحبها من ولائم ضخمة يحضرها الوالي وكبار أمراء المماليك وأغوات الإنكشارية والسباهية، إضافة إلى الأموال التي يختلسها المحتسب لنفسه.

Qatalah