يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


اعتلى السلطان عبد الحميد الثاني العرش بعد سلسلة من المؤامرات والمكائد، انتهت بقتل عمه السلطان عبد العزيز، ثم خلع أخيه مراد الخامس، فأصابه القلق على حياته ومستقبله السياسي، ولعبت مخاوفه على حياته دورا في تدشين جهاز مخابراتي بوليسي وتشكيلات أمنية سرية عام 1880، أطلق عليها نظام "الخفية".

عبد الحميد عيّن فهمي باشا رئيسا لجهاز الاستخبارات الحميدية سييء السمعة، فهمي باشا وضع نظاما محكما لمنظومة جواسيس الخفية، والتي أقيم لها قسم خاص في قصر يلدز، وسيطر على عقل السلطان وتحكم في تعيين الوزراء والولاة، وامتدت صلاحياته إلى مراقبة العلاقات الدبلوماسية مع الدول الأجنبية.

تمتع الجواسيس بمكانة ممتازة في ظل جهاز الاستخبارات الحميدي، وتطوع المجرمون والمساجين الخطرون في الجاسوسية، طمعا في كسب المال وإسقاط الأحكام القضائية عنهم، وأعدوا تقارير عن أعمال وآراء رجال الطبقة البيروقراطية، وهي التقارير التي استخدمت في ترقية المؤيدين للسلطان أو إنزال العقوبات على المعارضين.

بلغ عدد أفراد الجواسيس نحو 20 ألفا، وأنفق السلطان عليهم 1.5 مليون جنيه إسترليني سنويا، وهو ضعف المبلغ المخصص لوزارتي الداخلية والمعارف في عهده.

أصبحت تقارير وتحريات جواسيس الخفية أكبر سبب للتنكيل بالناس ونفيهم بدون ذنب، وامتد نشاطهم  ليشمل مراقبة المواطنين في المدن والقرى كافة، وانعدمت الطمأنينة بين الناس لدرجة أن أحدا لم يكن يستبعد مداهمة الجواسيس لداره ليلا، حيث ينتهي به المطاف إما إلى زجه في السجن، أو نفيه إلى بقاع نائية.

امتدت رقابة جواسيس الخفية إلى الكتب والمطبوعات، وكان يجب مراجعة الكتب أولا من قبل لجنة ذات صلاحيات واسعة قبل الطبع، وحظرت تلك اللجنة عشرات الكتب، لاسيما كتابات عبد الرحمن الكواكبي ومقالات جمال الدين الأفغاني، باعتبارهما معارضين لتوجهات السلطان في إنشاء الجامعة الإسلامية.

اطمأن عبد الحميد إلى منظومة الدولة البوليسية الجاسوسية طوال حكمه، إلا أن القبضة الحديدية فشلت في حربها ضد جمعية الاتحاد والترقي، والتي تغلبت على جواسيس عبد الحميد في سالونيك، والذين تقدموا إلى إسطنبول على رقاب المنظومة الحميدية الهشة، وأصدر الاتحاديون قرارا بإلغاء جهاز الجاسوسية وتسريح العاملين فيه عام 1908.

Qatalah