يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"كان نزولي إلى الشارع أمرا عبثيا"، رسالة من 6 كلمات كتبها الشاب التركي صبري أونال بذراعه الأيسر على تويتر، عبر خلالها عن ندمه الشديد على مقاومته للدبابات التي خرجت إلى الشوارع ليلة الانقلاب المسرحي فالتهمت ذراعه الأيمن، بينما كان تحت تأثير خداع الرئيس وحاشيته الكاذبة.
اكتشف أونال بعد تلك الحادثة الوجه القبيح للسلطان وحكومته، فألقى بميدالية التكريم التي منحها له على الأرض، وأعلن معارضته للرجل الأوحد في أنقرة، ليشرع من فاخروا به بالأمس في مطاردته، فأغلقوا حسابه على "تويتر"، وبدأوا في التضييق عليه تمهيدا لاعتقاله.

في ليلة مسرحية الانقلاب العسكري 15 يوليو العام 2016، أمسى صبري أونال مثار اهتمام وسائل الإعلام الموالي لإردوغان، التقطت له كاميرات مراقبة مقطعا يصور تصديه لدبابتين، الأولى رشقها بالحجارة قبل أن ينبطح أسفلها لتمر عليه دون أن تصيبه بأذى، في حين سحقته الدبابة الثانية لتتركه بعاهة مستديمة من دون ذراعه الأيمن. 

ظهر أونال في تلك الليلة متحمسا للدفاع عن رجب، ظن أن ما يحدث أمامه حقيقي تماما، وعليه أن يؤدي واجبه في حماية الديموقراطية، لم يكن الشاب الذي يبلغ من العمر 34 عاما يعلم حينها أن الرئيس يغرر بأمثاله من أجل إحكام قبضته على مقاليد الحكم في البلاد.
فور إسدال الستار على العرض المسرحي، سارع إردوغان بتكريم أونال، بعد أن قدمته وسائل إعلام النظام في صورة ضحية الانقلابيين والبطل الشعبي الذي كاد يضحي بروحه فداء للرئيس.

على حسابه في تويتر، أعلن أونال تخليه عن التعويض المادي وراتب الإعاقة، فضلا عن الامتيازات التي تشمل تخفيضا على رسوم المياه والكهرباء والغاز إضافة إلى ميدالية التكريم التي منحت له بوصفه بطلا أصيب أثناء مقاومته للانقلابيين بقيادة فتح الله غولن، بحسب ما تروج له آلة إردوغان الإعلامية.

قال الشاب: إنه يدرك جيدا خطورة ما سيترتب على تمرده على تكريم الرئيس له، وأشار إلى إمكانية استدعائه للتحقيق من قبل السلطات، والتعرض لفحص قواه العقلية وصحته النفسية، أو قد يتجاوز الأمر حتى يصل إلى تعذيبه وإيذائه، بينما لم تخيب السلطات التركية توقعاته، فأغلقت حسابه على موقع التواصل الاجتماعي تويتر، الأمر الذي أثار المخاوف من تعرضه لاعتقال وشيك.
 

القصة كما رواها أونال
يسرد أونال تفاصيل ما تعرض له في تلك الليلة المسرحية قائلا: وقفت مع أصدقائي في الشوارع أسمع منهم ماذا يجري حولنا،  كان يوجد جرحى على جسر كارتال في إسطنبول، قالوا لي: لا تذهب، لكني رفضت، فنصحوني بحمل سلاح يحميني، لكني اكتفيت بالتقاط عدد من الحجارة، وخلال تقدمي على الجسر فوجئت بدبابة حاولت التصدي لها بقذفها بالحجارة، وحين لم أجد مفرا للهرب، خطر بعقلي أن أنام أسفلها وأنا أقول لنفسي: إذا كتبت لي النجاه سأنجو، تخطت الدبابة جسدي وبقيت أسفلها 5 ثوانٍ، بعدها نهضت ووقفت على قدمي، لأواجه واحدة أخرى وأكرر ما فعلته، ولكن هذه المرة سحقت الدبابة ذراعي الأيمن.

 
إردوغان دون قناع
لم يتطرق الشاب التركي في تدوينته للأسباب التي دفعته للقيام بالتمرد على إردوغان، في حين اعتبر نشطاء ما كتبه بمثابة صفعة على وجه إردوغان الكذاب الذي تسبب في أن يفقده ذراعه في مسرحية سخيفة، وصرخة ضد الانتهاكات التي مارستها السلطات ضد آلاف الأبرياء بذريعة الانتماء لحركة الخدمة التي يتزعمها غولن من مقر إقامته بالولايات المتحدة.


كانت الحكومة التركية - عقب مسرحية الانقلاب - شنت سلسلة من حملات الدهم والاعتقال، تم توقيف آلاف العسكريين والموظفين والمدرسين والقضاة المعارضين على إثرها، ما كشف عن الوجه الحقيقي لإردوغان الذي ظهر لـ أونال دون قناع فقرر أن يفضح صاحبه على الفضاء الإلكتروني.
الجدير بالذكر، أن منظمة "التعاون الاقتصادي والتنمية"، أعلنت الأحد الماضي، أن أنقرة تحتل المرتبة الثانية من حيث عدد السجناء بعد الولايات المتحدة، فمن بين 100 ألف مواطن تركي هناك 287 سجينا في معتقلات حزب العدالة والتنمية الحاكم، ووفقا لتقرير جمعية "حقوق الإنسان" التابعة للأمم المتحدة، فإنه اعتبارًا من 15 نوفمبر 2017، يقبع نحو 228 ألفا و993 شخصا في 384 سجنًا، حسب أعداد ذكرها السجن المركزي التركي.

Qatalah