يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم يشهد تاريخ أية أمة من البشاعة والحقارة، مثلما تضمن تاريخ الدولة العثمانية، فكانوا الوباء الذي دنّس أينما حط ونزل، فلم يتركوا أمة اغتصبوها إلا أبادوها عن بكرة أبيها ونهبوا حضارتها، وطمس معالمها.

علامة عصره عبد الرحمن بن خلدون صاحب "المقدمة"، كان من أهم المؤرخين الذين حذروا من دخول بني عثمان إلى أي بلد، بل قالها صراحة: "ما يخشى على استقلال البلاد إلا من ابن عثمان"، وكان حينها يقصد مصر.

مخاوف ابن خلدون كانت في محلها تمامًا، إذ إنه بالفعل لم يبسط العثمانيون أيديهم على أية مدينة إلا وجعلوها أثرًا بعد عين، ولم يجوسُوا في بلد إلا وأتوا فيه على الأخضر واليابس، وذلك بعد أن يستحوذوا على أثمن ما فيه من كنوز وآثار، وقد كان هذا شأنهم في غزو القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية سنة 1453، تلك المدينة التي حولوا اسمها إلى "إسطنبول" فيما بعد، وسطوا على ما فيها من كاتدرائيات وكنائس وأديرة وحولوها قسرًا إلى مساجد. 

إثم وعدوان:
عدوان العثمانيين على كنائس البيزنطيين وتحويلها قهرًا إلى مساجد استمر في جميع ربوع الإمبراطورية المنهارة حتى بات هذا العدوان تقليدًا عثمانيًا، وهو يخالف نص الآية "وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا" [الحج: 40] التي كفلت حماية دور العبادة اليهودية والمسيحية مع المساجد الإسلامية سواء بسواء، فضلًا عن تعارضه مع السنة النبوية التي حفظت لأهل الكتاب دور عبادتهم، ناهيك عن تناقضه مع سير الصحابة في فتوحهم للبلدان، فالخليفة الراشد عمر بن الخطاب (579 - 644م) عندما دخل القدس لم يحوّل كنيسة القيامة فيها إلى مسجد، بل أمر ببناء مسجد مستقل سمي باسمه لاحقًا، والصحابي عمرو بن العاص (585 - 664م) عندما دخل مصر، كفل جميع كنائس الأقباط بالحماية، بل وبنى مسجده إلى جانب كنائسهم دون أن يمسها بسوء. 

بيد أن العثمانيين لم يسلكوا درب الصحابة، ولم يتبعوا سنة الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)، ولم يلتزموا بفرائض المولى عز وجل في كتابه الكريم، بل اتخذوا لهم سبيلًا آخر، سبيل الإثم والعدوان، واعتدوا على أغلب كنائس الإمبراطورية البيزنطية وحولوها قسرًا إلى مساجد، بعدما اغتصبوها من أهلها. 

آيا صوفيا:
كاتدرائية بيزنطية تقع في مدينة إسطنبول (القسطنطينية سابقًا) بناها الإمبراطور البيزنطي جستنيان (482 - 565 م) سنة 532م، واستمر بناؤها لمدة خمس سنوات، حتى افتتحها سنة 537 م، وكان الطراز الذي بنيت عليه فريدا من نوعه في حينه.

ويعني اسم "آيا صوفيا" باللغة اليونانية "الحكمة المقدسة"، وعند دخول الغزاة العثمانيين إلى المدينة، ونجاح محمد الفاتح (1432 - 1481) في احتلالها سنة 1453م حولها إلى مسجد، بعد أن ظلت كاتدرائية لمدة 916 عامًا، وبعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، حولها مصطفى كمال أتاتورك (1881 - 1938) إلى متحف ديني سنة 1935م، بعد أن ظلت لمدة 482 عامًا مسجدًا.

الأسبوع الماضي أعلن الرئيس التركي رجب إردوغان، الذي يعد نفسه امتدادًا للإمبراطورية العثمانلية البائدة، أنه سيطلق على آيا صوفيا اسم مسجد مرة أخرى، في خطوة لإعادة سيرة أسلافه الغزاة، وسط انتقادات دولية وشعبية. 


كنيسة خورا:
كنيسة بيزنطية تقع في مقاطعة الفاتح بإسطنبول، وتعد من أجمل التحف المعمارية التي بقيت من الإمبراطورية البيزنطية، بناها البيزنطيون في أوائل القرن الرابع الميلادي.

وعقب زهاء خمسين عامًا من سقوط مدينة القسطنطينية على يد العثمانيين الغزاة، أمر الصدر الأعظم عتيق علي باشا، وزير السلطان العثماني بايزيد الثاني (1447 - 1512) بتحويل هذه الكنيسة إلى مسجد، في القرن الخامس عشر، سمي بمسجد كاري، وعلى غرار ما حدث لكاتدرائية آيا صوفيا، فقد تحولت هذه الكنيسة أيضًا إلى متحف سنة 1948م. 

المسيح البصير:
كنيسة ودير بيزنطي بنته والدة الإمبراطور أليكسيوس الأول كومنينوس (1048 - 1118م) في وقت ما قبل سنة 1087، فوق حصن تل القسطنطينية، وكرسته باسم المسيح البصير بكل شيء، وفور استيلاء العثمانيين على القسطنطينية سنة 1453، حولوا الكنيسة إلى مسجد، وحولوا المباني الأخرى التي كانت ملحقة بالدير إلى زاوية ومدرسة وتكية لمسجد الفاتح القريب من الكنيسة، والذي كان تحت الإنشاء حينئذٍ.

وأطلق العثمانيون على الكنيسة، بعد أن حولوها إلى مسجد، مسمى "التكية القديمة"، ولا تزال الكنيسة التي تعد واحدة من الكنائس البيزنطية القليلة الباقية إلى اليوم، قائمة كمسجد حتى الآن غير أنها تكاد تتداعى نظرًا لحاجتها إلى الترميم.

العذراء المباركة:
كنيسة "أم الإله المباركة" البيزنطية التي تعد واحدة من أشهر الكنائس البيزنطية، وينسب المُؤرخون والأثَريون بناءها إلى الإمبراطور ميخائيل السابع دوكاس (1050 - 1090م).

وعقب غزو العثمانيين لمدينة القسطنطينية قاموا بتحويل هذه الكنيسة إلى مسجد سنة 1591 باسم مسجد الفاتحية، فقد قام السلطان العثماني مراد الثالث (1546 - 1595)، بتحويل هذه الكنيسة إلى مسجد باسم "الفاتحية" وذلك على شرف فتحه جورجيا وأذربيجان ومن هنا جاءت اسم الكنيسة الجديد، وسرعان ما أزيلت جدرانها الداخلية من أجل توسعة بهوها الداخلي.
وهي تقع حاليًا في حي جهارشنبة بإسطنبول، وتعد الكنيسة منذ سنة 1949م متحفًا بصورة جزئية، إذ إن المبنى الرئيس لا يزال مسجدًا إلى اليوم.

كنيسة ثيودوروس:
كنيسة بيزنطية كانت تابعة للكنيسة الأرثوذكسية الشرقية قبل أن يحولها العثمانيون إلى مسجد باسم "مسجد فيفا" وهي تقع في مقاطعة الفاتح بإسطنبول. وهناك من يظن أنها كانت مكرسة للقديس ثيودوروس.

وعقب الغزو العثماني لإسطنبول، أصبحت الكنيسة مسجدًا، على يد المُلا غوراني الكردي (1416 - 1488) معلم السلطان محمد الفاتح (1432 - 1481) والذي أصبح فيما بعد شيخ الإسلام وأول مفتي في إسطنبول. وسمي المسجد باسمه، وفي القرن التاسع عشر تعرض المسجد لدمار كبير، ربما بسبب حريق نشب به في 1833م، وخضع لترميم جزئي في سنة 1937.

كنيسة سرجيوس وباخوس:
كنيسة يونانية إرثوذكسية، تقع في القسطنطينية (إسطنبول حاليًا) كانت عند إنشائها تمثل نموذجًا مصغرًا لكَاتدرائية "آيا صوفيا" الكبرى، لذا فهي تسمى آيا صوفيا الصغرى، وقد بنيت قبل الكاتدرائية بوقت قليل، حيث بدأت أعمال البناء فيها بأمر الإمبراطور جستنيان (482 - 565م) سنة 527م واكتملت سنة 536م، وكرسها الإمبراطور للقديسين سرجيوس وباخوس.

وظلت الكنيسة سرجيوس وباخوس قائمة دون أن يمتد إليها يد، بعد الغزو العثماني للمدينة في 1453م، حتى عهد السلطان العثماني بايزيد الثاني (1447 - 1512م) ففي عهده تم تحويلها إلى مسجد بين الفترة الواقعة بين (1506 - 1513) على يد الخصي حسين أغا، رئيس الخصيان.

كنيسة ميريليون:
كنيسة بيزنطية تنتمي للكنيسة اليونانية الأرثوذكسية، وتقع حاليًا في مقاطعة الفاتح بإسطنبول، يعود إنشاؤها إلى القرن العاشر (قبل 922م بقليل).
وبعد الغزو العثماني للمدينة سنة 1453م، قام الصدر الأعظم مسيح باشا بتحويل الكنيسة إلى مسجد حمل اسم "مسجد بودروم" أو "مسجد مسيح باشا" سنة 1500م تقريبًا، في عهد السلطان العثماني بايزيد الثاني (1447 - 1512م).

كنيسة القديسة تقلا:
كنيسة بيزنطية تنتمي للكنيسة اليونانية الأرثوذكسية في إسطنبول، وتعود للقرن الحادي عشر الميلادي، قامت الأميرة تقلا ابنة الإمبراطور ثيوفيلوس (800 - 842م) بتوسيع إحدى الكنائس الصغيرة وتكريسها لتسميتها القديسة تقلا في منتصف القرن التاسع تقريبًا، وفي نفس موقع الكنيسة بنى الإمبراطور إسحق الأول كومنينوس (1007 - 1060م) سنة 1059م كنيسة كبرى، بعد نجاته من حادث صيد.

وعقب الغزو العثماني للقسطنطينية، تعرض مبنى الكنيسة لدمار شديد وتحطمت قبتها في زلزال ضرب المدينة سنة 1509م، وعقب الزلزال بفترة وجيزة قام الصدر الأعظم كوجا مصطفى باشا، بإصلاح الأضرار التي لحقت بالكنيسة نتيجة الزلزال، وحولها إلى مسجد حمل اسم "مسجد عتيق مصطفى باشا".

كنيسة الدومينيكان:
كانت تابعة للكنيسة الرومانية الكاثوليكية، تقع حاليًا في حي قره كوي إسطنبول، وقد أنشأها الرهبان الدومينيكان سنة 1325، بالقرب من كنيسة أقدم كانت مكرسة للقديس بولس سنة 1233.  وهي تعد من أبرز الأمثلة على العمارة القوطية الباقية إلى الآن في إسطنبول.


وحولها العثمانيون إلى مسجد بين عامي 1475 و1478 حمل اسم "مسجد غلطة" نسبة لاسم الحي الذي أصبح اسمه حاليًا قرى كوي ، وذلك خلال حكم السلطان محمد الفاتح. وفي عهد السلطان بايزيد الثاني، تم تكريس المسجد لللاجئين العرب المسلمين النازحين من الأندلس، بعد هروبهم من محاكم التفتيش الإسبانية سنة 1492م، وسكناهم في حي غلطة بإسطنبول.

كنيستا دير ليبس:
دير راهبات بيزنطي مكون من كنيستين، تابعتين للكنيسة الأرثوذكسية الشرقية، سمي على اسم الأدميرال البيزنطي قسطنطين ليبس (توفي  917م) حيث دشنه الأدميرال في القسطنطينية سنة 908م في حضور الإمبراطور البيزنطي ليو السادس الحكيم (866 - 912م)، وكان مكرسًا للسيدة العذراء، ثم أطلق عليه اسم مؤسسه.

وعقب فترة وجيزة من سقوط القسطنطينية في يد العثمانيين 1453م، في الفترة بين العامين 1497 و1498 وخلال عهد السلطان العثماني بايزيد الثاني (1447 - 1512) تحولت الكنيسة الجنوبية من الدير إلى مصلى على يد القاضي علاء الدين علي بن يوسف أفندي، قاضي عسكر الرومللي، وابن أخي المُلا شمس الدين فناري، وسمي المسجد "جامع فناري عيسى" نظرًا لأن أحد كبار الوعاظ بمدرسة المسجد كان يسمى عيسى، وفي سنة 1633م قام الصدر الأعظم بيرم باشا، بتحويل الكنيسة الشمالية من الدير إلى تكية للدراويش.

كنيسة آيا ثيودوسيا:
كنيسة بيزنطية تنتمي للكنيسة الأرثوذكسية الشرقية في إسطنبول، كانت مكرسة في أول عهدها باسم "المسيح الوهّاب" في الفترة من (867–886) وذلك خلال عهد الإمبراطور البيزنطي باسيل الأول (811 - 886م) ثم تم تكريسها فيما بعد للقديسة ثيودوسيا، طبقًا لدراسات العالم الأثري الألماني هارتموت شيفر التي أجراها في الستينيات من القرن الماضي.

وفي سنة 1490م قام العثمانيون بتحويل الكنيسة، التي تعرضت لأضرار جسيمة، بترميمها وتحويلها إلى مسجد، وتم بناء مئذنة له بين 1566م و1574م في عهد السلطان سليم الثاني (1524 - 1574م)، وقد أطلق على المسجد لاحقًا اسم "مسجد غول" نسبة لأحد الأولياء وهو غول بابا الذي يُعتقد أنه مدفون فيه. 

 

كنيسة يوحنا المعمدان:
أصغر كنائس القسطنطينية (إسطنبول) قاطبة، وهي واحدة من جملة 36 كنيسة كانت مكرسة للقديس يوحنا المعمدان، في القسطنطينية، وكانت تتبع الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية، وكانت جزءًا من دير يحمل نفس الاسم.

وفي أعقاب القرن السادس عشر، خلال عهد السلطان العثماني مراد الثالث (1546 - 1595) قام أغا الإنكشارية الحرامي أحمد باشا، بتحويل الكنيسة إلى مسجد، وأغلق دير الراهبات وطردهن منه بين سنتي 1587م و1588م.

وسمي المسجد باسم "الحرامي أحمد باشا" وهو يقع حاليًا في حي جهارشنبة، بمقاطعة الفاتح بإسطنبول حاليًا، وكان المسجد قد تعرض للخراب بحلول القرن العشرين، غير أنه شهد ترميمات دقيقة وتمت إعادته وافتتاحه للصلاة سنة 1961م.

Qatalah