يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


الطيور الجارحة ملأت السماء، جذبتها رائحة الدماء النازفة من الجثث المنثورة في الطرقات، الخراب في كل مكان، والشوارع خالية من الأمن، والبيوت التي كانت بالأمس عامرة بأهلها تحولت إلى أطلال يسكنها البوم والوطاويط، أما الحقول الخضراء والبساتين فقد باتت حطاما.

الناس يستغيثون من الجوع ولا يجدون الطعام، يهربون من  الظلم فتصطادهم المشانق المعلقة في كل مكان، لا أحد ينجو.. اللعنة حلّت بالمدينة، والسلطان الجالس في قصر إسطنبول ينتظر الذهب والأموال، والجنود ينهبون الأسواق والبيوت، والوالي يفرض الضرائب الباهظة على المواطنين، ومن يعترض على البطش تقطع رأسه. 

ما سبق ليس مشهدا من فيلم رعب يتم عرضه في السينما، لكنه صورة واحدة تكررت في المدن العربية التي احتلها العثمانيون، القاهرة الجميلة شوهتها آلة التخريب التركية، والإسكندرية عروس البحر المتوسط، فقدت زينتها وامتلأت شوارعها بالتعاسة، وبغداد الجوهرة المشعة انطفأ بريقها ودخلها الطاعون، والموصل المتحضرة عرفت طريقها إلى التخلف، والبصرة النظيفة داهمتها القذارة والأمراض، وحلب المسالمة التهمتها الحرائق، ودمشق عاصمة العلم غرقت في بحر الجهل، أما مساجد طرابلس فقد استخدم الأتراك أحجارها لبناء قصورهم. 

بذبح 10 آلاف مصري في الشوارع بدأ العثمانيون تاريخهم الدموي في القاهرة، تفننوا في طمس معالمها التاريخية والاعتداء على آثارها، ونهب خيرات أراضيها، وتفريغها من الصناع والفنانين وإرسالهم إلى إسطنبول.

الإسكندرية عروس البحر الأبيض المتوسط لم تسلم من معاول العثمانيين، لتتحول من مدينة عامرة بالبهجة إلى أتعس بقاع الأرض، بعد أن انتشر جنود الإنكشارية فيها وهم يتسابقون لهدمها على مدار ثلاثة قرون. 

درة المدن بغداد التي بلغت أوج مجدها في زمن الخليفة العباسي هارون الرشيد وابنه المأمون تحولت إلى ساحة للمعارك بين الأتراك والصفويين، ما تسبب في فزع أهلها وتشريدهم من بيوتهم وتحويل المدينة إلى أطلال.

جلب الأتراك لأهل الموصل الطاعون والكوليرا، والمجاعات التي قتلت الأطفال والنساء والشيوخ بلا رحمة، بعد أن كانت مدينة عامرة بالأسواق ومركزا للتجارة، سيطر عليها اللصوص في الليل، وملأ شوارعها المتسولون في النهار. 

على يد الولاة العثمانيين تحولت البصرة من مركز ثقافي وتجاري إلى مدينة قذرة تنتشر فيها المستنقعات، ما جعل أهلها يعانون من الأمراض الفتاكة التي التهمت السكان، الأوبئة حلت بالمدينة نتيجة الإهمال الصحي وسوء الإدارة التركية، وعندما انتشر الطاعون  لقى ثلثي السكان مصرعهم. 

طيلة 400 عام عانت حلب من الاحتلال العثماني المذل، وعانت مثل غيرها من المدن العربية صراعا على السلطة من جانب الولاة وجنود الإنكشارية ما جعلها هدفا لعمليات النهب والسرقة المنظمتين بعد أن سيطرت عليها الفوضى وغاب الأمن عن شوارعها.

دمر ولاة حلب عددا من الأحياء المسلمة والمسيحية، وقطعوا المياه عن المدينة، وهدموا أبواب الحارات، أما تلال القمامة فقد افترشت الأسواق والساحات والشوارع فأصبحت مستوطنات للبكتيريا والجراثيم.

بساتين دمشق لم يعد لها وجود في ظل الحكم العثماني، اختفت بسبب تحصيل الضرائب والغرامات الباهظة، ما جعل الأهالي يهجرون أرضهم في محاولة للهروب من أقدارهم.

في زمن الوالي صالح باشا المعدنلي تسبب الطاعون في موت 20 ألفا من أهل دمشق، ولم يكن العلاج في البيمارستانات نافعا بسبب اعتماده على التمائم والشعوذة والدجل، بل كان وسيلة للعدوى.

تحت حوافر المحتل العثماني انهارت طرابلس، وفر سكانها من ظلم المحتل التركي إلى تونس انهارت مدينة طرابلس معماريا وضعف مركزها التجاري في البحر المتوسط، وقتل الطاعون الآلاف من أبنائها، وهجرها سكانها إلى تونس والصحراء، هكذا وصف الرحالة المغربي إبراهيم بن علي العياشي المدينة عام 1649.

أصيبت طرابلس بنكسة على أيدي العثمانيين، تعاقب على حكمها ولاة ودايات فاسدون، وأهملوا شؤون الرعية، واهتموا بفرض الضرائب والاتاوات، وجمعوا ثروات طائلة نقلوها إلى الأناضول عقب رحيلهم، فيما عاث جنود الإنكشارية فسادا ونهبوا الأسواق وأحرقوا البيوت بما فيها من سكان.

بيوت كالمقابر .. حقد الأتراك يطمس مباهج القاهرة الفاطمية
"انطفأت أنوار القاهرة الفاطمية، حل بها الخراب والدمار، قصور السلاطين والأمراء صارت أطلالا، وبيوتها جحورا مظلمة يسكنها الأمراض".. هكذا وصف المؤرخ الفرنسي أندريه ريمون حالة العاصمة المصرية في العصر العثماني، بعد أن شهدت 3 قرون من التخريب والتدمير وطمس معالمها التاريخية على يد عصابات الأتراك كي لا تنافس إسطنبول.
صاحب الغزو التركي للبلاد العربية حالة من الانحدار والانهيار للمدن التاريخية، وعانت الانكماش بفعل أيدي العثمانيين الآثمة التي دمرت كل معالم الحضارة الإسلامية، وبسبب إهمال الولاة للعمران بل تعديهم على المناطق الأثرية، حتى تصبح عاصمة العثمانلية الأكثر توهجا في المنطقة. للمزيد

"أتعس بقاع الأرض" .. بربرية العثمانيين حولت الإسكندرية إلى خرابة
عروس البحر الأبيض المتوسط تحولت على يد العثمانلي إلى خرابة كبيرة، كسدت تجارتها، وتقلص عدد سكانها إلى حدود مرعبة، واستحالت شوارعها المرصوفة إلى مستنقعات موحلة، ولم تسلم معالم المدينة المعمارية من معاول الأتراك.
الرحالة الأجانب سجلوا مشاهداتهم للإسكندرية لتكون شاهد إثبات على دور العثمانيين التخريبي، أحدهم وصفها بعبارة موجعة قائلا :"المدنية باتت أتعس بقاع الأرض"، ولم تنهض من كبوتها إلا بتنصيب محمد علي باشا واليا على مصر. للمزيد

بغداد .. يد العثمانلي تخرب جوهرة الخلافة العربية
ظل الأتراك يشعرون بالدونية أمام العرب لتباين العرقين حضاريا وثقافيا، بجانب أن التاريخ لم يعرف سكان الأناضول إلا من خلال اتصالهم بأهل الجزيرة كخدم ومرتزقة، فأكل الحقد والحسد قلوبهم وظلوا يتربصون بهم للقضاء على منجزاتهم.
الأتراك تسببوا في سقوط الخلافة العباسية ودمار بغداد على يد المغول، بسبب استئثارهم بالسلطة دون الخلفاء وصراعاتهم الداخلية التي أضعفت قوة الخلفاء العرب. للمزيد

يأكلون الجيف .. الاحتلال العثماني يجلب المجاعة والطاعون إلى الموصل
بدأت حضارة الموصل في الألف الخامس قبل الميلاد، وبلغت أوج مجدها على يد العرب المسلمين في صدر الإسلام وعصر الخلفاء الراشدين، حتى جاء الاحتلال العثماني ليعيدها إلى الجاهلية عام 1518، جالبا إليها الطاعون والكوليرا وسنين من المجاعات.
قبل مجئ العثمانيين، كانت الموصل مركزا تجاريا مهما بفضل وقوعها على طرق المواصلات بين الشام والعراق وشبه جزيرة العرب، وأمست على يد الترك محض خرابة، فتراجع دورها التجاري، وتقلص عدد أسواقها، وساد فيها اللصوص والمتسولون. للمزيد

"أقذر بلاد المسلمين" .. روائح العثمانلي الكريهة تفسد حضارة البصرة
الأمراض والأوبئة والروائح الكريهة، هذا ما جلبه العثمانيون إلى مدينة البصرة في العراق، فحولوها من مركز ثقافي وتجاري مهم إلى مجرد سنجق تابع لباشوية بغداد، وتركوا أهلها نهبا للعمى والحول والموت الأسود "الطاعون".
العثمانلي أهمل مرافق البصرة، فكثرت بيوت الطين اللبن، وغابت قنوات الصرف الآدمي، واشتد ضيق الأسواق، واضطر بائعو الأسماك إلى افتراش الطرقات، لتفوح من بضاعتهم الروائح الكريهة، فباتت المدينة "أقذر بلاد المسلمين". للمزيد

400 عام من الاحتلال .. حلب الشهباء على مذبح الجهل العثمانلي
عانت حلب من الفوضى والاضطراب، وانتشار السلب والنهب، طيلة 400 عام تحت الاحتلال العثماني، طمس خلالها معالم المدينة التاريخية، ودمر عمارتها الفريدة.
فكثرت الأبواب والحارات والأزقة المسدودة، واختفت الشوارع الواسعة المستقيمة، بسبب صعوبة الدفاع عنها، كان البحث عن الأمان من عربدة جنود الإنكشارية هو الشغل الشاغل لسكانها. للمزيد

حولوها إلى خرابة .. قاذورات العثمانلي تغزو بساتين دمشق
منذ بداية تاريخها قبل 11 ألف سنة، اشتهرت دمشق بروائحها العطرة، وبساتينها الخضراء، وعمارتها الفريدة، فضلا عن مركزها الحضاري والتجاري المهم، فكانت مقر الخلافة الأموية والعاصمة الثانية لدولة المماليك.
اندثر دور المدينة على يد العثمانيين منذ اليوم الأول لاحتلالها عام 1516، تهدمت عمارتها وانسحب تخطيها أمام زحف العشوائية التركية، وكان الطوب اللبن قوام بيوتها، فاستحال وحلا في الشتاء وغبارا في الصيف. للمزيد

فريسة للغزاة .. العثمانلية دمروا حضارة طرابلس الليبية
لم تسلم الحضارة العربية في ليبيا من يد العثمانلي، واستهدف الغزاة تدمير طرابلس الغرب وتخريب عمرانها، فانهارت المدينة تحت حكم الولاة الأتراك، حتى المساجد التاريخية هدمت للاستيلاء على أحجارها لبناء القصور.
انهارت مدينة طرابلس معماريا وضعف مركزها التجاري في البحر المتوسط، وقتل الطاعون الآلاف من أبنائها، وهجرها سكانها إلى تونس والصحراء، هكذا وصف الرحالة المغربي إبراهيم بن علي العياشي المدينة عام 1649. للمزيد

Qatalah