يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"المدينة تنفي خبثها".. وعد قطعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قبل 14 قرنا، وتحقق على أيدي القوات العربية، التي اندفعت بقوة الإيمان والثورة، تحاصر عشرات الآلاف من جنود المحتل العثماني، وتسقط 35 ألف قتيل ومثلهم أسرى الذل والهوان، قبل أن تطردهم دون أعمال انتقام، كتلك التي فعلها الأتراك في القرى والمدن العربية حين دخلوها غزاة بأقدامهم الهمجية، ومنها جريمة "سفر برلك" حين نصب السفاح التركي فخري باشا المشانق على قبر النبي، قبل 4 سنوات فقط من الثأر العربي.

يحاول العثمانيون الجدد بزعامة رجب إردوغان عبثا الخلاص من كابوس الانتصار العربي الساحق على أجداده عام 1919، بتشويه هبة العرب ضد الاحتلال وادعاء انتصار مثير للسخرية، بينما لم يمنعه إرث العار من المشاركة في احتفالات الذكرى المئوية لانتهاء الحرب العالمية الأولى في باريس، والوقوف بين الزعماء كأنه سليل المنتصرين.

انتصارات الأحرار
بايع العرب بعد انتفاضتهم الأولى الشريف الحسين حاكما على مكة والحجاز، منتصف العقد الثاني من القرن العشرين، لكن العثمانيين لم يقبلوا الإهانة في بادئ الأمر، وشرعوا في تحريك ثورة مضادة بدأت بعزل الحاكم العربي، وإرسال حملة عسكرية حاشدة بقيادة فخري باشا للهجوم على مكة.

يقول أسعد خليل داغر في كتابه "ثورة العرب" إن الشريف حسين عقد مؤتمرا يوم 16 نوفمبر 1916 في مدينة رابغ المطلة على البحر الأحمر غربي الجزيرة العربية، وتقرر فيه الدفاع عن المدينة باعتبارها مفتاح الطريق إلى مكة وقاعدة عمليات جيوش الثورة العربية، خشية أن يكرر القائد العثماني جرائمه ضد أهل المدينة، بعد الانفراد ببيت الله الحرام.

تمكن جيش الثورة العربية بقيادة فيصل بن الحسين، بالتعاون مع مسلحي القبائل من تحقيق انتصارات عسكرية كبرى وكسر الجيش العثماني، وتوالت الانتصارات بالهجوم على الحامية العثمانية في المدينة، وحصارها في يونيو 1916، لكن الإمدادات التي وصلت الأتراك من القواعد العسكرية في سورية عبر سكة حديد الحجاز ساهمت في إطالة زمن الحصار.

تشتيت القوات التركية
رصد الباحث السعودي أحمد أمين مرشد في كتابه "المدينة المنورة في العهود الثلاثة" معاناة القوات التركية أثناء الحصار العربي، يقول: "شحت المواد الغذائية وارتفعت الأسعار وتفشت الأمراض وعاشت القوات شهورا شديدة القسوة عانوا فيها الجوع والمرض، فهرب الكثير منهم واستسلموا لقوات الشريف".
ويضيف "نظرا لما أصاب الجند من إحباط واضح أنشأ فخري باشا سجلا أطلق عليه أحباء الحجاز، تعهد فيه جنوده على البقاء في المدينة حتى آخر نفس، وفي محاولة منه لتهدئة نفوس الجند عمل على إشغالهم، وخلال هذه الفترة توقف النشاط التجاري وحركة البيع والشراء".

لجأت القوات العربية إلى مهاجمة طريق الإمداد الخلفي للقوات التركية، عبر السكة الحديد الممتدة لمسافة 1300 كيلومتر بين المدينة ودمشق، وفي مطلع 1917 تركت قوات فيصل الشريف رابغ، واتجهت شمالا نحو منطقة وجه على بعد 320 كيلومترا شمال مكة لمفاجئة القوات التركية وإجبارها على الفرار.
تحصن نصف القوات التركية بقيادة فخري باشا في المدينة عام 1917 لمقاومة الهجمات العربية، بينما نشر النصف الآخر على طول سكة الحجاز لحمايته من هجمات القبائل، إلا أن القوات العربية تمكنت من السيطرة على كل موانىء البحر الأحمر وأسر مئات الجنود الأتراك، بينما شنت قوات الأمير فيصل هجوما خاطفا لتحرير ميناء العقبة.
في المقابل، تجمعت قوات الأمير عبدالله بن الحسين في الحناكية، وقبل عبوره خط السكة الحديد بين محطتي هدية وأبا النعم اصطدم بقوة تركية وتغلب عليها وأسر قائدها، وكتب الأخير إلى فخري باشا قائلا: "الحرب انتقلت الآن إلى ما بين الشام والمدينة"، فاضطر إلى التراجع من ينبع النخل ووادي الصفراء وبئر سعيد إلى بئر درويش، وهكذا انتهى تهديده لمكة.

استمرت المعارك بين القوات العربية والجيش التركي على الجبهة السورية حتى أواخر 1918، وسط تراجع مستمر للأتراك، ووصلت قوات الشريف إلى العاصمة دمشق بنهاية الحرب، وتزامن ذلك مع توقيع اتفاقية مودروس في 30 أكتوبر 1918بين دول الحلفاء وإسطنبول، فأقرت الأخيرة بخسارة الحرب، وتعهدت بالانسحاب من كل الجبهات بما فيها المدينة المنورة.

"كان يفرفر"
لازمت فخري باشا حالة العجرفة التركية رغم حصاره داخل أسوار المدينة، وكان كبار معاونيه يمتنعون عن مفاتحته في أمر التسليم خشية بطشه، حتى أنذرته القوات العربية بالاستسلام والعودة مع جنوده إلى إسطنبول، لكنه رفض وأرسل برقية إلى الباب العالي للاستفسار عن شروط الهدنة.

يرصد عزيز ضياء في سيرته "حياتي مع الجوع والحب والحرب" موقف فخري باشا أثناء الحصار بقوله: "كان يفرفر على دولة العثمانيين المنهارة وضياع حلمه في حكم المدينة"، ويصف حال جنوده قائلا: "فكروا في الاستسلام للقوات العربية، واضطر هو إلى نقل مقر قيادته إلى الحرم الشريف مع كبار قواته وبعض الأسلحة الخفيفة".

بدأ جنود الاحتلال العثماني في التذمر بسبب الجوع والمرض وتفشي حمى الملاريا، فزادت أعداد الهاربين، وسلمت وحدات وسرايا كاملة نفسها إلى قوات الشريف حسين، فيما رفض فخري باشا رسالة الصدر الأعظم أحمد عزت باشا التي أمره فيها بتسليم المدينة، وتجاهل فرمان السلطان بالاستسلام بعد خسارة إسطنبول الحرب رسميا.
في 8 يناير 1919 مزق فخري باشا جميع الوثائق المهمة لحجبها عن القوات العربية، وبعد 5 أيام دخل العرب المدينة منتصرين.

الباشا العاري
ويصف ناجي كاشف كجمان ضابط الاستخبارات العثماني في مذكراته كيفية استسلام فخري باشا :"خرج من مخبئه وهو نصف عار، وطلب أن يلقي خطبة من فوق منبر المسجد النبوي الشريف، وكانت أوراقه تهتز في يديه، وأخيرا أعلن تسليم المدينة للعرب".

يسجل توفيق علي برو في كتابه "القضية العربية في الحرب العالمية الأولى" الفرحة التي اجتاحت العرب بهزيمة الأتراك، خاصة قوات فخري باشا، يقول: "بنهاية الحرب وتوقف المعارك وقع 35 ألف جندي تركي في أسر القوات العربية، وقتل وأصيب عدد مماثل منهم".
توافقت شهادة علي برو مع ما ذكره الكاتب الإنجليزي فرنان وليه الذي يقول :"أسرت القوات العربية 35 ألف جندي تركي بقيادة فخري باشا السفاح، وحرروا من الأراضي نحو 350 ألف كيلومتر مربع، فغيروا بذلك مجرى التاريخ في الشرق".

المصادر:
توفيق علي برو : القضية العربية في الحرب العالمية الأولى
أسعد خليل داغر : ثورة العرب
أحمد أمين مرشد : المدينة المنورة في العهود الثلاثة
عزيز ضياء : حياتي مع الجوع والحب والحرب

Qatalah