يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


5 ولاة عثمانيين تناوبوا على حكم مصر بعد خروج الحملة الفرنسية، سجل كل منهم بصمته في القمع والسلب والنهب وفرض الضرائب والغرامات وتخريب البيوت وتعذيب الناس، لينتهي الحال إلى الاحتشاد في الشوارع وهم يغنون: "إيش تاخد من تفليسي يا برديسي"، في إشارة إلى عثمان بك البرديسي الذي كان يتولى الأمور المالية في البلاد ففر هاربا ونجح المصريون في النهاية في خلع آخر الولاة خورشيد باشا وتولية محمد علي.
عقب خروج الفرنسيين من مصر جلس على عرشها ولاة لم يستمروا طويلا في الحكم بسبب اعتمادهم في توطيد سلطتهم على الجنود الأتراك الذين تمردوا عليهم، أولهم كان خسرو باشا ومن بعده طاهر باشا الذي تم اغتياله، ثم أحمد باشا، والجائرلي باشا الذي قتل ليصل الحكم في النهاية إلى خورشيد باشا الذي خلعه المصريون ونصبوا محمد علي واليا عليهم.


لم يكتف العثمانيون بفشلهم في السيطرة على الأوضاع داخل البلاد، انقلبوا على أنفسهم، ما تسبب في اضطرابات عديدة سواء في القاهرة والأقاليم، خاصة بعد صراع الأرناؤوط الإنكشارية، يسجل الجبرتي أنه في أواخر عام 1802 "تسلط العسكر على خطف الناس وسلبهم وقتلهم حتى امتنعت الشعب عن المرور في جهات سكنهم، إذا تأخرت نفقاتهم (رواتبهم) فراحوا يحصلون عليها من العامة تطبيقا للمثل القائل (خلص ثأرك من جارك)".
تولى طاهر باشا الحكم بعد خسرو باشا واشتهر بالظلم والجبروت بعد أن  أطلق لجنوده العنان في السلب والنهب وفرض الضرائب الباهظة على التجار، حيث يذكر الجبرتي أن جهل الحكام في فترة الاضطراب أدى إلى انتشار الفوضى في البلاد فيقول: "ضجت الناس وانقطع الطريق برا وبحرا، وتسلط العربان، الذين استغلوا فشل الحكام وانفكاك الأحكام، وكذلك تسلط الفلاحين من سعد وحرام على بعضهم البعض بحسب المقدرة والقوة، وجهل القائمين المتأمرين بطرائق سياسة الإقليم، ولا يعرفون من الأحكام إلا أخذهم الدراهم بأي وجه كان، وإذا انفردوا بشخص أو شخصين خارج المدينة أخذوا دراهمهم وشلحوهم من ثيابهم ثم يقتلوهم، وتسلطوا على الناس بالسب والشتم ويجعلونهم كفرة وفرنسيس، وتمادى قبائح العسكر بما لا تحيط به الأوراق والدفاتر".

عصر جيوب المصريين
لم ينس المؤرخ المصري عبدالرحمن الجبرتي أن يسجل الظروف الصعبة التي عاشها المصريون في تلك الفترة قائلا:" فرغت الدراهم من عند الناس، واحتاج كل إلى القرض، فلم يجد الدائن من يُدينه، لشغل كل فرد بشأنه ومصيبته، فلزمهم بيع المتاع، فلم يوجد المشتري، فضاق خناق الناس، وترجوا في قبول المصاغات والفضيات التي قومت بأبخس الأثمان".
بسبب سوء الإدارة وتلف الأراضي الزراعية وتعاقب الفتن باتت خزانة الوالي العثماني خالية من المال، وكانت الحالة في القاهرة تزداد سوءا بسبب تذمر الشعب من كثرة الظلم وإرهاقهم بمختلف الضرائب والغرامات، بينما لم يفوت الأتراك فرصة إلا ويفرضون على الناس غرامة أو ضريبة جديدة وعقاب من يحاول الاعتراض، فضاق الخناق على الأهالي ، واستولى عليهم الذعر والفقر، وتزاحموا على شراء الغلال، الأمر الذي كان ينذر بوقوع حوادث خطيرة.
طالب الملتزمون الفلاحين بسداد الخراج عن سنوات الاحتلال الفرنسي، وكلفوا الصيارفة (محصلي الضرائب) بالنزول إلى البلاد لقبض الأموال في غير أوانها لصالح الوالي، فكثرت حوادث اعتداء الجنود على الأهالي. يقول الجبرتي: " فكانوا يذهبون إلى القرية ومعهم ورقة مكتوبة باللغة التركية ويوهمونهم أنهم حضروا إليهم بأوامر من الباشا ويطلبون حق طريقهم مبلغا عظيما، ويقبضون على مشايخ القرية ويلزمونهم بالكلف (الإتاوات) الفاحشة ويخطفون الأغنام ويهجمون على النساء"، ويصور الجبرتي بشاعة ما نزل بالفلاحين قائلا: " شعر أكثر الناس خصوصا الفلاحين بالحنين للأحكام الفرنسية".

إيش تاخد من تفليسي يا برديسي
تولى عثمان بك البرديسي الأمور المالية بمصر، واشتهر بفرض الضرائب الباهظة على الشعب. في مارس 1804 فرض ضريبة على العقارات والبيوت بلا استثناء، جاب عمال الحكومة بمعاونة الجنود الأتراك المدن والقرى يلزمون كل مالك لبيت أو عقار بدفع الضريبة، فبدأ الناس يتذمرون، وامتنع كثير منهم عن دفعها بسبب العجز أو مقاومة الظلم، بينما البرديسي مطالب المصريين بتخفيض الضريبة بالرفض، وإمعانا في إذلالهم ضاعف قيمتها ثلاث مرات، وفي ذلك يقول الجبرتي: "أظهر البرديسي الغيظ والانحراف من أهل مصر وخرج من بيته مغاضبا وهو يلعن أهل مصر ويقول لابد من تقرير الضريبة عليهم ثلاث سنوات".
اشتد سخط المصريين وعلا صياحهم، خرج الناس من بيوتهم واحتشدوا في شوارع القاهرة حاملين الرايات والدفوف والطبول، وأخذوا يمطرون الحكام، باللعنات، والجموع تغني "إيش تاخد من تفليسي يا برديسي"، لتبدأ روح الثورة تنتقل من حي إلى حي حتى عمت أنحاء القاهرة، يقول  الجبرتي: "وفي وقت قيام العامة كان كثير من العسكر منتشرين في الأسواق، فداخلهم الخوف، وصاروا يقولون لهم إنا معكم سواء، وأنتم الرعية ونحن العسكر ولم نرض بهذه الضريبة"، فاضطرب عثمان بك البرديسي أمام رؤية الشعب الثائر الذي استولى على الميادين والشوارع وفر هاربا هو وجنوده.

خورشيد باشا.. مخرب مصر 
كان خورشيد باشا آخر والي عثماني تسبب في الاضطرابات التي شهدتها مصر بسبب فساده وقمعه وسياساته الخاطئة وعدم استماعه لقوى الشعب، جلب خورشيد إلى مصر جيشا مؤلفا من 3 آلاف مقاتل من الدولة العثمانية تميزوا بالشراسة، وعاثوا في الأرض فسادا وهم يرتكبون الجرائم ويعتدون على الأموال والأرزاق والأرواح، ووفق تعبير الجبرتي: "دخلوا بيوت الناس بمصر وبولاق وأخرجوا منها أهلها وسكنوها، وكانوا إذا سكنوا دارا خربوها وكسروا أخشابها وأحرقوها لوقودهم، فإذا صارت خرابا تركوها وطلبوا غيرها ففعلوا بها كذلك، وهذا دأبهم من حين قدومهم إلى مصر حتى عم الخراب سائر النواحي".
فرض خورشيد باشا إتاوة جديدة على أرباب الحرف والصناع في مايو 1804، فضج الناس بالشكوى، وأغلقوا الدكاكين وهجروا الأسواق، وانضمت إليهم جماهير الشعب فاحتشد الجميع داخل الجامع الأزهر، الأمر الذي قذف الرعب في قلب خورشيد باشا، فأرسل إلى السيد عمر مكرم نقيب الأشراف يخبره بأنه رفع الإتاوة عن الفقراء ويطلب منه فض الجماهير، فقال له السيد عمر مكرم: "إن هؤلاء الناس وأرباب الحرف كلهم فقراء وما كفاكم ما هم فيه من الكساد وسوء الحال حتى تطلبوا منهم مغارم جديدة لرواتب العسكر".

الشعب يسقط الفوضى
أراد الشعب المصري أن يضع حدا لحالة الفوضى التي يعاني منها بسبب الولاة العثمانيين، وقرر أن يختار من يحكمه بنفسه فالتف حول محمد علي باشا فاستجابت الدولة العثمانية وأصدرت فرمانا بتقليده منصب والي مصر  ويصور الجبرتي ذلك بقوله :"فلما أصبحوا يوم الاثنين 13 مايو 1805 اجتمع عامة الناس والعلماء ببيت القاضي، وذهبوا إلى محمد علي وقالوا له إنا لا نريد هذا الباشا حاكما علينا ولابد من عزله من الولاية، ولا نرضى إلا بك، وتكون واليا علينا بشروطنا لما نتوسمه فيك من العدالة والخير، وقام إليه السيد عمر مكرم والشيخ الشرقاوي فألبساه قفطان الباشاوية، ونادوا بذلك في القاهرة"، وهكذا وضع الشعب المصري حدا لحالة الفوضى والاضطراب بعزله أحمد خورشيد باشا، وتولية محمد علي باشا، وكتبوا للدولة العثمانية رسالة باختيارهم فأقرته، لتبدأ مرحلة جديدة ومهمة في تاريخ مصر الحديث.

Qatalah