يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


3 أكتوبر 2018 المعارضة التركية وشركة ماكنزي

تعودنا على قيام السلطة بتشويه الحقائق الموضوعية، وكنا ننتظر موقفًا أكثر مسؤولية من المعارضة، أو أنا على الأقل كنت أنتظر ذلك.

وبينما البلاد تعاني في قبضة نظام حاكم وأزمة اقتصادية ثقيلة يذوق المطالبون بالحقوق مختلف صنوف المعاناة في السجون، وعلى حين يوشك موضوع "العفو" الذي يدمي الضمائر على الاكتمال، شيئًا فشيئًا، والذي يسعى للتخفيف من وطأته الشريك القومي للسلطة بقوله "ضحايا القدر" تفعل المعارضة مثلما تفعل السلطة تمامًا، فتخفي الحقيقة، وكأنها تسعى لإثبات عدم جدوى معرفة الحقيقة.

وانطلاقًا من تشبيه السلطة بإدارة "الديون العمومية" الذي من شأنه أن يحرك مشاعر الجماهير، فيثير غضبهم، ويُخيفهم ويُهيّجهم تسعى المعارضة، ودون أن تزن مدى صحة ما تقوله، إلى تكوين معارضة جماعية واسعة بالتعويل على اتفاق سيعقد مع شركة ماكنزي الأميركية الرائدة في مجال تقديم الخدمات الاستشارية.

يحدث هذا، في حين أن هناك العشرات من الحوادث التي يجب على المعارضة متابعتها والتركيز عليها يوميًا.
ومن ذلك على سبيل المثال إعلان شركة أستالدي الإيطالية الإفلاس بحجة تأخر عملية بيع حصة الــ 33 في المائة التي تمتلكها في الجسر الثالث، وذلك بسبب التطورات المالية والسياسية التي فرضت تأثيراتها على تركيا مؤخرًا.

وفي الوقت الذي أعلنت فيه شركة أستالدى، العاملة في مجال إنشاء الجسور والطرق السريعة وخطوط المترو بل والمستشفيات داخل المدن، الإفلاس فإن شركاءها المحليين المعروفين باسم "الموالين" يعملون تحت أجنحة البنوك العامة بصورة أكبر. ومن بين هذه البنوك العامة التي تمول هذه الشركات هناك 3 بنوك (بنك خلق، وبنك وقف، وبنك أكسيم) أعلنت الأسبوع الماضي إصدار سندات انتهت من عملية بيعها خلال يومي عمل فقط، ووضعت في خزائنها 10.8 مليار ليرة تركية.

أي إنها فعلت ما لم تستطع الخزانة العامة التركية أن تفعله، علاوة على أن نسبة الفائدة على هذه السندات غير معروفة وكذلك الجهة التي تمت عملية البيع لصالحها، وهنا يبرز احتمالان: إما أنه تم استغلال صندوق البطالة أو البنك المركزي. 
ولم تركز المعارضة على هذا الأمر قطّ، وإنما ركزت كل اهتمامها وأولوياتها على الاتفاق الذي عقد أو سيعقد مع شركة الاستشارات الأميركية.

لم تهتم المعارضة بنطاق الاتفاق المزمع عقده ولا بمدته وتكلفته أيضًا، وليس واضحًا مدى الإسهام الذي يمكن أن تحققه شركة استشارية في اقتصاد منغلق على نفسه وغير خاضع للمراقبة والتفتيش هكذا، ولكن كون الشركة التي وقع عليها الاختيار شركة ذات أصول أميركية، والتي تسمى العقل المدبر، يبدو كافيًا من أجل المعارضة.

علاوة على ذلك لم تهتم المعارضة بأن هذه العملية الاستشارية الشاملة لم تشمل البرلمان التركي ولا ديوان المحاسبة، وأنها ستتم في ظل عملية تعمية وتعتيم إعلامي كاملة حيث إن 90 في المئة من وسائل الإعلام مرتبط بالسلطة وأسير لها.
أما بالنسبة لشركة ماكنزي الأميركية للاستشارات والتي هي الشركة الأكثر شهرة والأكبر حجمًا والأغلى سعرًا والأكثر حرصًا وتناولتها كثير من الكتب في العالم فهي تعرف تركيا جيدًا في الأساس، فقد خدمت كلًا من القطاعين العام والخاص في تركيا مرات عديدة، إلا أنها ستقوم للمرة الأولى بالعمل على نطاق واسع إلى هذا الحد.

ويفصل "دوف ماكدونالد" في كتابه "الشركة" القول إلى حد كبير عن شركة ماكنزي. 

وعلى الرغم من أن "شركة" ماكدونالد لا تتحول إلى منظمة جريمة مثل "شركة" جون غريشام، فإن ماكدونالد ينقش هذا السؤال في الأذهان "كيف يستطيع هؤلاء الرجال الخروج من كل المصائب؟"

الحقيقة أن إجابة هذا السؤال واضحة، فهذه الشركة تقدم خدمات استشارية فحسب، وتقع المسؤولية على العميل. فالعملاء هم من يدفع الفاتورة.

وتزامنًا مع تصريح الوزير بيرات البيرق في نيويورك "لقد قررنا العمل مع شركة ماكنزي للإدارة الدولية فيما يتعلق بمكتب التكاليف والتحول الذي تم تأسيسه في إطار البرنامج الجديد. وهذا المكتب يضم ممثلين عن 16 وزارة، وسيقوم بمراجعة أهدافنا ونتائجنا كل ثلاثة أشهر." لم يبق أحد في تركيا لا يعرف شركة ماكنزي.

وقيل كل شيء يمكن قوله من تحليلات بدءًا من "لقد تم تعيين شركة أميركية وصية على تركيا"، و"لقد لاح أمام تركيا الخضوع لإدارة الديون العمومية"، و"تم الاتفاق مع صندوق النقد الدولي من خلال شركة ماكنزي، وليس بشكل مباشر"، و"سلمت تركيا غرفتها الكونية وزمام أمرها إلى الأميركيين".

وقد ساهم تصريح الوزير "سوف تراجع ماكنزي مرة كل ثلاثة أشهر" مساهمة كبيرة للغاية في رواج تلك الشائعات. وقد أدى قول الوزير هذا إلى أن تضاف إلى شركة ماكنزي مهمة المراقبة والتفتيش.

حدث هذا في حين أن شركة ماكنزي ليست شركة (مراجعة حسابات) تفتيش ومراقبة، وليست ملزمة بإعلام الرأي العام بوضع الشركات التي قامت برصد وضعها وكأنها شركة مراجعة حسابية. إنها تضع الصورة أمام الرئيس أو الممول الذي يستأجرها وبدفع لها. وما بعد ذلك رهن أمر ذلك الرئيس، فله أن يلتزم بهذه الاقتراحات المعروضة عليه كاملة أو ببعضها أولا ينظر إليها أصلًا. فهذا شيء يقرره هو. غير أن هناك عقوبة محددة بالقوانين يتم توقيعها حال عدم الالتزام بتقرير شركة التفتيش والمراجعة.

أما بالنسبة للتشابه بين شركة ماكنزي وصندوق النقد الدولي فإن شركة ماكنزي لا توفر أي تمويل، ومن ثم فإنها لا تملك أية قوة لفرض عقوبات. بينما صندوق النقد الدولي يأتيكم بحزمة تشمل التمويل الذي تحتاجون إليه. ويفرض استخدام كل شريحة من حزمة التمويل هذه وفقًا لمجموعة من الشروط، وقبل أن يفرج عن أية شريحة يفحص وضعكم الاقتصادي بإحكام شديد، ويتحقق من مدى التزامكم باتفاق الدعم من عدمه.

فمثلًا لو أنكم تعهدتم بتقديم فائض أساسي بنسبة 5 في المائة من الدخل القومي، فإن صندوق النقد الدولي لا يهتم كثيرًا بتفاصيل الطرق التي ستطبقونها لخفض الإنفاق، ولا يقول لكم شيئًا من قبيل استقطع من ميزانية رئاسة الشؤون الدينية، ولا تمس ميزانية وزارة التربية والتعليم، أما شركة ماكنزي الاستشارية فإنها تقول لكم ذلك إن سألتموها عن أسس إعادة الهيكلة. إلا أنها لا تستطيع إجباركم على فعل هذا.

أما إذا أبرمت اتفاقية دعم مع صندوق النقد الدولي فيمكن له أن يقترح عليكم استخدام مستشارين من الخارج لإعادة هيكلة بعض الوحدات والمؤسسات العامة لديكم، بل وقد يوفر لكم تمويلًا لهذا من خلال البنك الدولي. ويمكنه أيضًا أن يضع هذا ضمن متطلبات المراجعة.

أما شركة ماكنزي المستشار في مجال الإدارة الاستراتيجية فلا تقول لكم "توجهوا إلى صندوق النقد الدولي أو لا تتوجهوا إليه"، وهي تحصل أجر الخدمة الاستشارية التي تقدمها بالساعة للخبير الذي تشغله، ولها أن تشتري خدمات استشارية أخرى أثناء قيامها بخدماتها الاستشارية. 

ويمكن أن تكون تلك الاستشارات واسعة الإطار والمجال بدءًا من الموارد البشرية وصولًا إلى القانون، وتحصل ثمن تلك الخدمات منكم أنتم أيضًا.

أما بالنسبة للأسئلة التي يجب على المعارضة أن تطرحها هنا فهي: ما هي تكلفة إعادة هيكلة دولة خلف الأبواب المغلقة وكأنها شركة مملوكة لشخص واحد بينما ليست هناك إدارة شفافة وخاضعة للمساءلة؟ من سيتحمل تلك التكاليف؟ هل ستأخذ الحكومة التي لا تعترف بوجود أزمة اقتصادية باقتراحات ماكنزي، أم أن الأموال المدفوعة إليها ستضيع هباءً؟ ماذا سيحدث لو قالت شركة ماكنزي مثلًا "إن إدارة صندوق الأصول لا تكون هكذا، يجب أن تكون شفافة، وأن تلتزم بقواعد سانتياغو"؟ هل سيترك رئيس الجمهورية رئاسة صندوق الأصول؟ ماذا سيكون مصير رئاسة الاستراتيجية والميزانية التابعة لرئاسة الجمهورية والتي يترأسها ناجي أغبال؟ هل هناك مدة محددة للعمل مع شركة ماكنزي؟

يبدو لي أن السلطة تحسب أن العمل مع شركة ماكنزي سيمنحها المصداقية لدى الغربيين، والوقت الذي تحتاجه حتى الانتخابات. في حين أن الأمر قد تأزم أكثر، فقد كان مؤشر إدارة المشتريات الأخير عند مستوى 42.7، وهو ما ينذر بأن الماكينات في الصناعات التحويلية قد توقفت تقريبًا، فالشركات تعلن الإفلاس واحدة تلو الأخرى، ومن المتوقع أن يصل هذا العدد إلى 6 آلاف شركة بنهاية العام، وكل شركة تعلن الإفلاس تدفع مورديها أيضًا إلى سلسلة من إجراءات التفليس أو الإفلاس.

ولذلك فإن تركيا تحتاج إلى تمويل فوري. إنها مضطرة إلى طرق أبواب صندوق النقد الدولي دون إضاعة للوقت. لأنها المقابل الذي يجب دفعه سيزداد ويثقل أكثر كلما تأخرت، فالمشكلات التي يمكن حلها اليوم بموارد جديدة بقيمة 50 مليار دولار قد يتعذر حلها بـ 100 مليار دولار بعد ثلاثة أو أربعة أشهر، والشيء الوحيد الذي تخبرنا به أزمة سعر الصرف التي أتت على القطاع الحقيقي بسرعة وبعمق يتجاوز ما كان متوقعًا هو أن الهشاشة أكثر من المتوقع أيضًا، وأنه لم يعد لدينا الوقت الكافي للتصدي لهذا الحريق.

إن كانت حكومة إردوغان التي تخطت "لطفًا الله تعالى" الأزمات السابقة بطريقة أو بأخرى، تنتظر مددًا إلهيًا كهذا أيضًا وتشتري بعض المصداقية من أجل هذا من خلال الاتفاق مع شركة ماكنزي وما شابهها، وتقول "إنني انتظر لمسة من القدرة الإلهية" فإن هذا يبدو غير ممكنًا هذه المرة.

نقلا عن موقع "أحوال تركية"

Qatalah