يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بعد أعوام من المحاولات، فشلت مساعي النظام التركي في النيل من المملكة العربية السعودية أو مزاحمتها على زعامة العالم الإسلامي، أنقرة لم تجنِ إلا الخسائر جراء سحب الاستثمارات السعودية وانقطاع السياحة، ولم يعد أمام الرئيس التركي، رجب إردوغان، إلا التزلف للسعودية.

وزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو، قال، نهاية يونيو الماضي، إن بلاده تحرص على علاقاتها الثنائية مع الرياض وتجنب أي شيء يعكر صفو هذه العلاقة، وذلك خلال استضافته الجمعة، في اجتماع محرري الأناضول بالعاصمة أنقرة.

تشاووش أوغلو أكد: "لا توجد لدينا مشكلة في علاقاتنا الثنائية مع السعودية"، مدعيا أنهم على وفاق مع المملكة ولا توجد أية أزمات بين البلدين. مشيرا إلى أن إردوغان اتصل هاتفيا بالملك سلمان بن عبد العزيز، في عيد الفطر، واعتبر المكالمة "مؤشرا على عدم وجود أية مشاكل (من جانبنا) في علاقاتنا الثنائية مع السعودية".

اعتذار علني
معهد الرؤى الجيواستراتيجية (WGI) كشف في تقرير له نهاية يونيو أن تركيا تحاول جاهدة التقرب من السعودية فيما يبدو اعتذارا عمليا عن ممارساتها السيئة تجاه المملكة في الفترة الماضية ومحاولة تشويه صورتها الخارجية.

التقرير أضاف أن معاناة أنقرة من مشاكل اقتصادية كبيرة مرتبطة بتدفق رأس المال يجعلها مضطرة للتزلف الذي هو أسلوبها دائما في التعامل مع الدول الكبرى، ولهذا السبب فإن البحث عن مستثمرين دوليين، خاصة في الخليج له أهمية قصوى بالنسبة لها، خاصة في ظل العقوبات الأمريكية المتزايدة والضغط الناجم عن شراء أنظمة S-400 الروسية.

"المواجهة المفتوحة لأنقرة مع الرياض تخلف خسائر كبيرة لا تتحملها تركيا، التي يعاني فيها إردوغان من أزمات في الداخل والخارج لا طائل لها، ونتيجة لذلك فإنه يخاطر بفقدان التأثير على العمليات الجيوسياسية الجارية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إذا لم يتقرب من السعودية"، حسب التقرير.

معهد الرؤى الجيواستراتيجية أشار أيضاًَ إلى أن الرئيس التركي يدرك جيدًا أنه من الممكن تحسين أدائه الاقتصادي فقط من خلال استعادة العلاقات مع الدول الكبرى ذات الدخل الكبير، ومنها السعودية،

وعن موقف السعوديين من التزلف التركي، قال المعهد إن السعوديين ليسوا مضطرين لمساعدة الأتراك في مشاكلهم الاقتصادية نتيجة مواقف إردوغان من المملكة،  مثل "علاقة أنقرة بطهران في ظل مشاكل السعودية الكبيرة مع إيران، وكذلك سياسة إردوغان تجاه قطر ودعمه لجماعة الإخوان المسلمين".

أنقرة مدينة للسعودية 
تركيا مدينة بالكثير للمملكة العربية السعودية، كما يؤكد التقرير، ففي عام 2006 ، أبرم الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز، خلال زيارته الرسمية لأنقرة، مجموعة واسعة من الاتفاقات الدولية التي تسمح للدولة التركية بتحسين وضعها الاقتصادي بشكل كبير.

معهد الرؤى الجيواستراتيجية قال إنه "بالإضافة إلى ذلك منذ عام 2013، اكتسبت العلاقات التركية السعودية بعدًا عسكريًا، حيث يمكن بموجبه تدريب الأفراد العسكريين في سلاح الجو السعودي في تركيا، وفي عام 2016  تم التوصل بين أنقرة والرياض إلى اتفاق بشأن إنشاء مجلس تنسيق ثنائي، يسمح بتبادل المعلومات الاستخباراتية وتنظيم مناورات عسكرية مشتركة".

نظام إردوغان لا يدين بالولاء إلا لمصالحه، حيث حاول رجال الرئيس التركي النيل من سمعة المملكة، ففي يونيو الماضي، كلف إردوغان ذراعه اليمنى ياسين أقطاي بنفث سمومه ضد الرياض، عندما ادعى أن السعودية مسؤولة عن انتشار الفقر في البلدان الإسلامية.

لا نقبل اعتذاركم
الردود السعودية على التزلف التركي تكشف  "عدم القبول" بالاعتذار التركي حيث واصلت السعودية معاقبة تركيا على تصرفات إردوغان، ودعت "غرفة الشرقية" -إحدى الغرف التجارية والاستثمارية بالمملكة- قطاع الأعمال السعودي لوقف الاستثمارات الجديدة في تركيا. 

صحيفة "الحياة" اللندنية نقلت عن رئيس غرفة الشرقية عبدالحكيم الخالدي، تجديد الدعوة لقطاعَ الأعمال السعودي إلى توخي أعلى درجات الحذر والتريث من ضخ استثمارات جديدة في تركيا، ونبَّه إلى أن المخاطر المحدقة برؤوس الأموال المتجهة إلى سوق تركيا تتضاعف.

الصحيفة لفتت إلى أن الخالدي أعلن عن فتح الغرفة أبوابها لقطاع الأعمال لتعريفهم بالبلدان الأكثر أمنا والقادرة على حماية استثماراتهم، لافتا إلى أن المستثمرين السعوديين يواجهون في تركيا العديد من المشكلات التي تهدد ممتلكاتِهم بسبب تردي الأوضاع الأمنية والاقتصادية هناك، بحسب الصحيفة.

الخارجية السعودية نشرت على صفحتها بموقع التواصل الاجتماعي تويتر، بداية يوليو الجاري تحذيرا للاستثمار أو السياحة في تركيا، معتمدة على انتشار الفوضى والسرقة وغياب الأمن للاعتماد على دعوتها بالفرا من الاستثمار والسياحة التركية.

في 22 أبريل الماضي انتشر هاشتاج "مقاطعة السياحة التركية" على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" ما يعد تعبيرًا عن حالة الغضب العام، واستنكار المملكة السعودية لسياسات أنقرة، وانعدام شعور السائح السعودي بالأمان في تركيا، فضلا عن التعرض للابتزاز والاضطهاد، و ما وصفه بعض المغردين بـ"عدم احترام السائح العربي"، و"عدم الإحساس بالأمان" داخل تركيا، وعرضوا عدة وجهات سياحية أقل تكلفة من تركيا.. وكان على رأس هذه الوجهات، دول عربية وأوروبية.غير مجدية
 يقول معهد الرؤى الجيواستراتيجية إن الأتراك حاولوا إظهار غضبهم حصريًا على ولي عهد المملكة العربية السعودية، محمد بن سلمان، عازمين على تشويه سمعته والنيل من المملكة، مؤكدة أن "مع ذلك ، أثبتت هذه الجهود أنها غير مجدية ولم حققت مآربها".

بعد سلسلة من الحملات الإعلامية التركية الفاشلة، فرضت السعودية ودول أخرى -تعاديها السلطات التركية - ضغوطًا غير مسبوقة على أنقرة، مما وضعها فعليًا على شفا الهاوية الاقتصادية، حسب التقرير.

معهد الرؤى الجيواستراتيجية انتهى إلى أنه في الوقت الحاضر، بدأت أنقرة تدرك أن المزيد من التوتر في العلاقات مع الرياض سيكون بلا جدوى وله تأثير كارثي على الاقتصاد التركي، لذلك يحتاج الأتراك إلى محاولة التقرب من السعودية، ولكن "مع ذلك، لا يبدو أن محاولات المصالحة سوف تنجح".

خسائر ضخمة
الخسائر التي تتكبدها تركيا جراء عداء إردوغان للسعودية كبيرة للغاية، حيث إن المستثمرين الخليجيين خاصة السعوديين باتوا يهربون يوميا من قطاع العقارات في تركيا بشكل ملحوظ، ما يعرضه للانهيار الكلي، خاصة في ظل انهيار الليرة التركية وارتفاع نسب التضخم، وزيادة تكلفة الإنشاءات أكثر من المعقول.

الهروب الخليجي الجماعي بدأ بعد معاداة رجب إردوغان للسعودية ومهاجمة مسؤولي حزبه العدالة والتنمية الحاكم المتكرر للمملكة، بالإضافة إلى زيادة حالات النصب والاعتقالات والجرائم وقلة الأمان في تركيا.

تركيا تعتمد على العقارات التي تشكل جزءا كبيرا من الدخل، ويتهم إردوغان أنه دمر من أجل العقارات قطاع الزراعة، الذي انخفض العاملون به بنحو 2.5 مليون عامل، وتراجع الإنتاج بأكثر من 300%، فيما أصبح ناتج قطاع العقارات في تركيا نحو 10% من الناتج المحلي في السنوات العشر الماضية.

وعلى الجانب الخاص بالاستثمارات العقارية، وصل تدفق الاستثمار الأجنبي بشكل مباشر إلى 10.8 مليار دولار أمريكي أكثره من الخليج، وبلغ حجم قيمة العقارات والبناء تقريباً ما قيمته 4.2 مليار دولارأمريكي، أي بنسبة 38.8% من إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر في تركيا حسب إحصائيات نهاية عام 2017، ما يعني أن الانسحاب السعودي والخليجي سيمثل ضربة قوية لتركيا.

الهروب من تركيا من قبل السعوديين لم يكن في قطاع الاستثمارات فقط، بل انتشر بالخليج والبلدان العربية موجة من العدول عن السفر إلى تركيا والبحث عن وجهات سياحية أخرى، أكثر استقرارا وأمنا، بسبب التطاول التركي على الرياض، وتبني خطاب سياسي معادٍ للمملكة.
ومن المتوقع أن يؤدي قرار العائلات السعودية إلى سقوط قطاع السياحة والفندقة التركي، ويزيد من خسائر الاقتصاد المريض بسبب سياسات حكومة العدالة والتنمية.

حسام الناغي مدير العلاقات العامة بشركة "ركسون السعودية للسياحة" عبر في تصريحات لصحيفة "سبق" عن الموقف السعودي من السفر لتركيا، احتجاجاً على العنف الذي تمارسه السلطات التركية حيال السياح السعوديين.

الناغي أضاف أنه "بالرغم من من استمرار تركيا في عرض برامج على الشركة، من أجل جذب السياح السعوديين،  إلا أن هناك انخفاضا في الطلب السعودي على السفر إلى مناطقها السياحية، يصل  إلى نحو 70%، الأناضول لم تعد وجهة جذابة للسعوديين كما كانت سابقا".

"نرى أن السفر إلى تركيا سيستمر في الانخفاض، هي لم تعد وجهة جاذبة للسائح السعودي الذي يفضل البلدان الآمنة والمستقرة، لكن تركيا تعاني من تقلبات وأحداث سياسية ساخنة في الأعوام الأخيرة"، يؤكد الناغي.

السياح السعوديون احتلوا المرتبة الرابعة في قائمة زوار مدينة إسطنبول، في السنوات الماضية، وشهدت نفس الفترة من العام الحالي تراجعًا بنحو 39.4%، ليأتوا في المرتبة الحادية عشرة، بواقع 41 ألف زيارة، فضلاً عن تراجع أعداد السياح السعوديين بنسبة تتجاوز 65% في عموم تركيا، وذلك مقارنة بالأعوام الماضية.

Qatalah